"ثلاث آيات في الوحدة": كيف نكون وحدنا..معاً؟

ربيع شاميالأربعاء 2025/12/03
Image-1764660609
يقول أحد المونولوغات في العرض: "الوحدة هي القعدة مع الضجة اللي براسك"
حجم الخط
مشاركة عبر

حدث بيئي منذ أشهر سجّل في العالم، تمثل بظهور سمكة فريدة في وضح النهار، عادة هي تعيش في أسفل البحار، في الظلمة على عمق آلاف الأمتار. وتساءل المحللون: ربما السمكة هاربة من شيء ما، شيء حدث هناك في الأسفل.

 

يستوحي عرض " ثلاث آيات في الوحدة" لفرقة زقاق، مشهد تخلي السمكة عن وحدتها ليكون نقطة انطلاق عملها الذي عرض على خشبة "مسرح المدينة" في بيروت، الانطلاق البطيء أو الأكثر بطئاً، ليكون بمثابة دعوة للتأمل في الوحدة ووقعها علينا. الوحدة غير العزلة التي فرضت علينا في السنوات الأخيرة من الجائحة الى انفجار المدينة إلى الانهيار الاجتماعي. يسأل العرض عن معنى الوحدة كفعل ألفة ومساحة خلق، عن معنى المسرح في إبطاء الزمن المتسارع المتهالك. يسأل العمل، في ظل كل هذه العزلة والوحشة، عن معنى العيش في مربع الصمت حيث التواصل والخلق. وتسأل مايا زبيب في نصها التي كتبته بالتعاون مع عمر أبي عازار: كيف يمكننا أن نكون وحدنا ... معاً؟

 

Image-1764660362

 

الإصغاء الى الذات

ثلاثة مؤدين، أجساد، أنفاس (جنيد سري الدين، لميا ابي عازار، الأسترالي لي سيرل) تحمل حكاية مايا زبيب الكاتبة التي تسرد لنا تجربتها الذاتية الشخصية، ثلاث آيات من التعبير هي التمثيل والموسيقى والرقص، تتكافل وتتواصل في ثلاثة فصول، هي الزمن المسرحي للعرض.

 

زمن داخل مكان مأخوذ من فضاء معبد Rothko Chapel كما ذُكر في مطوية العرض.  يقع هذا المعبد في مدينة هيوستن الأميركية، هو ملاذ للتأمل والتواصل والحوار بين الأديان وحقوق الانسان. هذا الفضاء لا يقتصر على كونه مكاناً للصلاة فحسب، بل يُعدّ أيضاً عملاً فنياً حديثاً مهماً. تزين الجدران 14 لوحة للرائد اللوني الروسي مارك روثكو، واستُوحي تصميم الكنيسة إلى حد كبير من رؤيته كفنان. وتمثل هذه اللوحات، المرحلة المتأخرة من إبداع روثكو، وتتميز بسيطرة اللون الأسود والألوان الداكنة الأخرى والتأثيرات الملمسية. المكان الأشهر في العالم الذي يستقبل جميع الأعراق والأجناس والأديان، يكتنفه صمت كثيف وتأثيرات لونية مُضاءة بخيوط الشمس المتسربة من سقف الكنيسة العلمانية.

 

يستعير العرض فضاء شابل (معبد Rothko Chapel) بألوانه ومربعاته، بكثافة صمته التي يخترقها المطر الكثيف المنهمر على المؤدين والراوية، عاصفة من المطر تستدعي عصف من الذاكرة والأصوات المتفرقة من انفجارات وضربات ورنات أجهزة خليوية متكررة كإيقاع يدخل المتلقي إلى فضاء العرض والدعوة إلى الصمت مع حركة أجساد المؤدين الحذرة التي تدعونا الى الإصغاء للذات.        

 

Image-1764660503

 

ضجيج الوحدة

يقول أحد المونولوغات في العرض: "الوحدة هي القعدة مع الضجة اللي براسك ".

هكذا تعرّف مايا زبيب الوحدة وتصالحها مع الضجيج الداخلي وقلقه الجميل في مواجهة ضجيج الخارج، ضجيج الحياة اليومية السريعة، ضجيج الفوضى، ضجيج طائرات الحروب. دعوة الى العودة الى الداخل، حيث الإلفة والخيال واللغة البسيطة في مواجهة ضياع اللغة والمعنى. دعوة الى المسرح، الملاذ الآمن الأخير لمايا زبيب، الممثلة – الأم التي كانت تصطحب ابنتها إليه في فترات القصف المتقطع. في أحد الحوارات تسرد لنا يومياتها الشخصية مع ابنتها. ابنتها التي لم تكن تنام. وفي إحدى رحلات عملها نامت الطفلة بهدوء وسلام. تسأل مايا هل نورث أولادنا قلق الحروب، كما ورثناه من أهلنا؟ تروي كيف سمعتا معاً أصوات أطنان من القذائف رُميت في ثوان معدودة، يومها صرخت الطفلة وأخذت تروح وتجيء في مدخل المنزل، فيما الأم متجمدة لم تحرك ساكناً، رأت طفولتها تصرخ أمامها، كأن التاريخ الحروب نسخة واحدة طبق الأصل، تعاد بلا هوادة.

 

Image-1764660566

 

"ثلاث آيات في الوحدة"، دعوة الى المسرح، للعودة الى أصل المسرح، المكان الحميم والشخصي الذي يحتمل الاضطرابات المتوارثة، المكان الشافي من الصدمات، مكان التلاقي والحوار والتصالح مع الذات أولاً.  تقول مايا زبيب: "آخر مرة كانت عالمسرح، كانت عم تجرب تمحي حالها، ما كان بدها بعد مرة تحكي عن الحرب ولا تشوف حالها عم تحكي عن الحرب. كان بدها تمشط شعرها كأن الحرب الحقيقية هي شعرها المعربس... ما بقى بدها المرا اللي عم تتطلع على حالها عم تحكي عن الحرب يعني عن حالها". 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث