في سياق سينما إيرانية غاضبة ومتشددة بشكل متزايد، تتوّج في المهرجانات بأفلام تهاجم النظام علانية إن لم يكن الأساس الأخلاقي القائم عليه، ينجز المخرج علي عسكري جديده "كوميديا إلهية"، المشارك مؤخراً في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بمهرجان الدوحة السينمائي 2025، هجاءً لامعاً ولاذعاً، وتأملاً ذاتياً في السينما ودوره كسينمائي، بدءاً من الفيلم نفسه الذي نشاهده.
نحن في سياق فيلم "حالة الأشياء" (1982، فيم فيندرز)، حيث يجد المخرج نفسه في منتصف قصّة عصابات لرغبته في صنع فيلم بالأبيض والأسود، ما يفضي إلى تدمير منتجه. هنا، بطل القصّة هو المخرج بهرام، الذي يؤدي دوره صانع الأفلام والممثل الحقيقي بهرام أرك، إوهو يراني من أصل أذربيجاني، ويصارع ما يمثل أكبر عقبة أمام صانعي الأفلام الإيرانيين: الرقابة. فينطلق في مهمّة سرية (تحدث في ظرف 24 ساعة)، رفقة مُنتجته صدف (صدف عسكري، التي مُنعت من العمل في إيران بعد حضورها مهرجان كانّ عن فيلًم "آيات أرضية")، صاحبة اللسان الحاد، وراكبة الفيسبا، لعرض فيلمه على الجمهور الإيراني، متجنّباً الرقابة الحكومية، والبيروقراطية العبثية، وشكوكه الذاتية.
يتصرّف بهرام بمكرٍ، مُضفياً على الفيلم طابعاً مرحاً، على غرار ناني موريتي في بداياته ووودي آلن، اللذين صوّرا نفسيهما، بشكلٍ غير مباشر تقريباً، في أفلامهما. في لحظةٍ طويلةٍ في البداية، نرى المخرج يُحاوِر مسؤولاً مُكلّفاً بإصدار تأشيرات الرقابة. صُوّر المشهد بأكمله بلقطةٍ واحدةٍ لبهرام، من دون إظهار مُحاوِره، وكأنّ المقصود تقديم الرقابة ككيانٍ بيروقراطيٍّ مجهول، رمزٍ مُجرّدٍ لسلطةٍ مُتسلّطةٍ وغبيّة. في الواقع، الانتقادات المُوجّهة للمخرج سخيفة. أحدها يتعلّق بحضور كلبٍ في منزلٍ ضمن الفيلم، (باعتبار أن الكلاب حيواناتٍ نجسة لا يجوز اقتناؤها). والاعتراض الثاني يتعلّق باللغة التي يستخدمها المخرج غالباً في أفلامه، وهي الأذرية أو التركية الأذربيجانية. رسمياً، يُرجع الرقيب الأسباب إلى سهولة الوصول والتسويق، لكن الواضح أن هذا الموقف نموذجي لسلطة دولة تخشى النزعات الانفصالية أو الاستقلالية بين الجماعات العرقية العديدة التي تُشكّل هذا البلد الشاسع.
الرقابة غبية بطبيعتها، لكن الرقيب هنا يُظهر ثقافةً وفهماً عميقين، كما لو كان موظفاً بيروقراطياً مُجبراً على أداء مهمّة لا يؤمن بها. يستشهد الرقيب بفيلمين للتدليل على عدم ضرورة التزام الفيلم بلغة شخصياته، فيقول إن حاتمي كيا أنجز فيلماً عن النبي موسى باللغة الفارسية، وسكورسيزي أنجز فيلماً عن المسيح (الإغواء الأخير للمسيح) فجعله يتحدّث بالإنكليزية.
هكذا يتأمّل عسكري في ديناميكيات الرقابة الشائعة في المجتمعات المتنوعة، لكنه يتطرّق أيضاً إلى تنوّع الحساسيات التي يمكن للفيلم أن يلمسها عبر الثقافات والأديان. فبينما يُذكّر عنوان الفيلم، من جهة، بالطابع الكوميدي لفيلم يتناول مفهوماً دقيقاً لا يُمسّ في الثيوقراطية - مفهوم الإلهي - فإنه من جهة أخرى، يستشهد بعمل دانتي، الذي حظرته أكثر الطوائف الإسلامية تشدداً لتصويره الرسول محمد معاقباً في الجحيم باعتباره ممثلاً عن "الانشقاق المسيحي" (النشيد الثامن والعشرون، من "الكوميديا الإلهية" لـ دانتي أليغييري). وفي السياق الغريب للفيلم، يلتقي بهرام أيضاً بمُدّعي نبوة في مقهى يحمل اسم "مقهى دانتي". كما يتلو ممثل متغطرس مقطعاً من نشيد المطهر الأول في تجربة أداء أمام بهرام الذي ينظر إليه بشفقة، كما يفعل وودي آلن في بعض أعماله أمام الكوميديين الطموحين المتوسّطين. بينما توافق سيدة أعمال على عرض الفيلم في منزلها، لاعتقادها أن الفيلم يدافع عن حقوق الحيوانات.
يعرض الفيلم سلسلة من الإشارات السينمائية بزاوية 360 درجة، في خضم هذه "الكوميديا الإلهية" التي ليست سوى رحلة إلى عالم البيروقراطية الإيرانية والقوانين السخيفة. رحلةٌ حافلة بمواقف تعرّي وتكشف عالماً محكوماً بمصالح وأهواء، مثلما تتجلّي فيها رؤى وتفسيرات للسينما (منها وعنها)، تروي تناقضات مجتمع يتغيّر ويتطوّر بسرعة أكبر بكثير من إدراك العمائم الحاكمة.
ينطلق بهرام في شوارع طهران على درّاجته البخارية. صورة أيقونية للسينما الواقعية الجديدة، وكذلك للسينما الإيرانية نفسها. لكن اللافت هو لون الدرّاجة الوردي، بينما تقودها امرأة، المنتجة صدف، بخصلات شعر خضراء مصبوغة تبرز من خوذة القيادة. تعيدنا الدراجة البخارية إلى مخرج إيراني حقيقي آخر، محسن مخملباف، الذي رافق حسين سابزيان على دراجته النارية في نهاية فيلم آخر عن السينما؛ "لقطة مقرّبة" (1990، عباس كيارستمي). أو إلى فيسبا ناني موريتي في "مذكراتي العزيزة" (1993) وأفلام أخرى. المخرج الإيطالي نفسه الذي عرّف فيلم كيارستمي بأنه فيلم عن القوة المفرطة للسينما.
يستكشف "كوميديا إلهية" أيضاً الشعبية المتواصلة للفنّ السابع، كما يتضح من البوّاب الذي يطلب من بهرام اختياره في فيلمه المقبل، لمعرفته بأنه ينجز أفلامه مستعيناً بـ"ممثلين من الشارع". ووتهاجم سيدة الأعمال التي تُقرض شاشتها، كيارستمي، الذي صنع أفلاماً مع أناس عاديين في وطنه، ليعمل مع جولييت بينوش بعد مغادرته البلاد. يمكن طرح حجة مماثلة حول تاركوفسكي، المذكور أيضاً في الفيلم، والذي، بصفته منشقاً، قدّم أعمالاً أقل جودة من أعمال الحقبة السوفياتية. وهكذا، يتطرّق الفيلم إلى سؤال عميق: إلى أي مدى يستحق الأمر مواجهة رقابة دولة ظلامية، مع المخاطرة بعواقبٍ شخصية، في سبيل إيصال صوت المجتمع؟
يرتكز "كوميديا إلهية" على الواقعية، لكنه يستخدم الشكل السينمائي لإبراز عبثية العالم الذي يصوّره. فهو يعكس البيروقراطية الإيرانية الخانقة التي تحاصر البطل. يختبر الجمهوربشكل مباشر آلة السحق البطيئة المسمّاة "الرقابة". البطلان يلعبان نسخاً خيالية من نفسيهما. اختيارهما بيانٌ كاشف لمواضيع الفيلم ويُضفي أصالةً تخريبية. بهذا، لا تنشأ الفكاهة من الكوميديا بل من عبث القمع. ينهار نظام الرقابة المعقّد تحت تناقضاته. تستجيب الشخصيات بسخرية وذكاء هادئين، بحيث تصير الفكاهة مُعيناً حين يكون التمرّد خطراً. إنجاز هذا الفيلم بحدّ ذاته مقاومة. دراسة في التحمّل والملاحظة ورفض الإلغاء، فيما المشهد النهائي للفيلم - كلبٌ يراقب صامتاً شاشة تلفزيون تعرض مشهد فرح سوريين في دمشق يوم سقوط بشّار الأسد - يذكّرنا بقوة السينما شاهداً ودليلاً.
