رغم أهمية زيارة البابا لاوون والفولكلور وفرقة الدبكة البعلبكية وفرق الكشافة والبيارق والبهرجة والاستعراض الأمني والقناصة وأغاني المحبة والسلام و"حوار الأديان" وغصون الزيتون والورد وخطابات السلام الموزونة... ثمة تفاصيل صغيرة، وإن اعتُبرت عابرة، عكست واقع لبنان وشعوبه وسكانه ودويلاته ومحاولات طمس أزماته، ليس أقلّها من محاولة "حزب الله" اظهار نفسه كفرقة كشافة، أظهر بعض عناصرها في تعابيرهم وكلماتهم على الهواء وضحكاتهم مدى الاستعلاء والسخرية وعلاقتهم بالآخر، ومسارهم السياسي المنغلق وما يمثله. إضافة إلى تفاصيل تجلت في فوضى بروتوكولية وغياب وجوه سياسة بارزة عن الاستقبال في قصر بعبدا (سليمان فرنجية، وليد جنبلاط، سمير جعجع)، وليس معروفاً إن كانت تلك أخطاء بروتوكولية أم مكائد سياسية، رغم التشديد على أن البروتوكول لا يلحظ دعوة رؤساء الأحزاب، بل الرسميين من رؤساء ووزراء ونواب وقضاء وسفراء وكبار الضباط.
وثمة واقعتان او لقطتان وشهادتان تعكسان الزيف اللبناني. الأولى، سيدة جنوبية تخبر قداسة البابا كيف احتضنتها عائلة مسيحية أثناء الحرب، فيما السيدة الأولى نعمت عون تصفق بحرارة. لا شك أن "الناس أجناس" كما يكتب رائد الأدب الشعبي سلام الراسي، لكن شراسة الحرب الإسرائيلية على لبنان أحدثت تصدعاً اجتماعياً لا يمكن إنكاره، وزاد الانقسام المعهود انقساماً، ولم يشهد لبنان اللُّحمة الوطنية والتآخي بقدر ما شهد جشع الكثير من المقاولين وأصحاب الشقق، والذين وجدوا في اللحظة المأسوية فرصة للاستثمار ودر الأموال، وقد ارتفع ايجار الشقق أضعافاً مضاعفة، وثمة عائلات جنوبية وبقاعية، وجدت نفسها في العراء والخواء لعدم استقبالها، والسبب كان خوف أصحاب البيوت من ملاحقة المسيرات لعناصر حزب الله وقصف البيوت، وقد حدث ذلك فعلاً أكثر من مرة في برجا وزغرتا وصيدا.
في مقابل تصفيق نعمت عون للسيدة الجنوبية، خلال وجود البابا لاوون في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، استمع الضيف الكبير إلى عدد من الشهادات الحيّة التي قدمها مواطنون، ومن بينها شهادة مهاجرة من الفلبين تدعى لورين، غير أن المترجم أغفل جُملة من الحقائق التي حكتها عن معاناتها كعاملة مهاجرة في لبنان، ما اعتبره البعض "محاولة لطمس واقع العاملات الصعب وشكواهن".
والمستغرب كان تعليقات في مواقع أو منصات نقلت الخبر، فمنهم من قال: "ما حدا جابر حدا يجي على هل البلد"، و"زيارة البابا هي رسالة سلام، مش منصّة واقفة وراها جمعيات عم تستغل اللحظة لتشوّه صورة لبنان بهالمناسبة، وتعطي شهادات وتعمل بطولة على ضهر بلد استقبلهم وفتحلن بيوته. واللي بدّو يحكي عن لبنان وشعبه، أول شي يحترم الأرض اللي عم يأكل خبزها. وإذا "معاناتن" بلبنان هالقد كبيرة… ليش بعدن عم يجوا بالآلاف"... و"يكفي تعملوا ترند على ظهر هالزيارة، المرأة بتحكي انكليزي وبحب ذكركن إنو البابا اميركي يعني فهم عليا يا فهمانين ومنو محتاج ترجمة".
والأغرب كان سؤال بعضهم: من سمح للمرأة الفلبينية أن تتكلم؟ كأنهم يظهرون جانباً من تنظيرات ميشال شيحا، والتي كثيراً ما أضاء عليها الباحث اليساري فواز طرابلسي في كتبه فقال: قبل سنوات قليلة من الاستقلال، وصف ميشال شيحا الفقر بأنه "بعض المشاهد المؤذية في قباحتها، والفوضى التي تصدم الأجنبي، وخاصة القادم من الغرب فيستبقي منها انطباعاً مؤلماً ويميل الى أن يعزوها الى شوائب خلقية لدى أرباب العمل من كافة الأصناف...". في وصفه تلك القباحات والاختلالات، يتحدث شيحا عن شروط السكن الصعبة والنقص في الخدمات الصحية وانتشار البؤس، فيشرح أن مظاهر الفقر تلك، طارئة على لبنان، لأنها من خصائص سكان الملحقات التي ضُمت مؤخراً إلى لبنان الكبير، ويدعو شيحا الدولة، إذا كان لا بد لها من التدخل، إلى توفير الأزياء اللائقة، وأسباب النظافة، للحمّالين في الموانئ ومحطات السفر، ذلك أن الأهم عدم إيذاء نظر "الأجنبي القادم من الغرب خاصة".
وكأن الرفيقة لورين عرّت أحوال بعضنا، وكأن بعض المعلقين يقول: لماذا سمحتم لها أن تقول الحقيقة للبابا القادم من الغرب؟!
