أطلس اللغات واللهجات السورية: ثراء لغوي وثقافي فريد

نيقولاوس فان دامالثلاثاء 2025/12/02
حجم الخط
مشاركة عبر

نُشرت هذه المراجعة لأول مرة قبل نحو سبعة عشر عاماً. وما زلتُ أرى أن الكتاب وملحقاته لم يحظيا بالاهتمام الذي يستحقانه آنذاك لأنه نشر باللغة الألمانية فقط. واليوم، في ظل التحولات العميقة التي تمر بها سوريا خلال العقد الأخير، ومع بروز تحديات كبرى على المستويين الديمغرافي والثقافي، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة تسليط الضوء على هذا العمل. فالاختلافات بين اللهجات المحلية لم تعد مجرد مسألة لغوية، بل أصبحت جزءاً من هوية مهددة بالاندثار أو التشويه. ومن هنا تأتي إعادة نشر هذه المراجعة مع بعض الإضافات والعناوين لتيسير القراءة وتخفيف ثقل المصطلحات العلمية المستخدمة في الكتاب، ليبقى هذا الأطلس شاهداً على التنوع اللغوي والثقافي السوري ومرجعاً ضرورياً لحفظ الذاكرة الوطنية.

 

بيانات الكتاب

بيتر بيهنشتدت، Sprachatlas von Syrien I، مجلد الخرائط والملحق، فيسبادن: هاراسوفيتس، 1997، 1037 و242 صفحة

Sprachatlas von Syrien II: Volkskundliche Texte، فيسبادن: هاراسوفيتس، 2000، 661 صفحة. [ألأطلس اللغوي لسوريا، الجزء الأول: الخرائط والمجلد المرافق. الجزء الثاني: نصوص فولكلورية[.

 

الأطلس اللغوي لسوريا: مشروع فريد في توثيق التنوع

يشكّل كتاب"الأطلس اللغوي لسوريا" للدكتور بيتر بيهنشتدت (1944-2022)، بمجلداته المرافقة له، إنجازاً علمياً رائداً وفريداً في مجال الجغرافيا اللهجية، لأنه يقدّم أوفى وأدق توثيق للهجات العربية السورية في عمل واحد. إنه ليس مجرد أطلس لغوي، بل هو بانوراما شاملة ترسم ملامح تنوع اللهجات العربية والعادات الاجتماعية والثقافية داخل سوريا، وتوثّق جوانب من تراثها الشفهي قد تكون مهددة بالتلاشي. هذا السِّفْر العلمي الضخم ( أي الكتاب)، الذي يعكس سنوات من البحث الميداني الدقيق، سيجد فيه المتخصصون وعشاق الدراسات اللغوية كنزاً معرفياً نادراً، وفي الوقت ذاته مرجعاً لا غنى عنه للمؤرخين والأنثروبولوجيين والمهتمين بالثقافة السورية.

 

 

Image-1764697450
الدكتور بيتر بيهنشتدت (1944-2022)

 

لغات سوريا: فسيفساء متعددة الثقافات

لا يقتصر الأطلس على اللهجات العربية وحدها، بل يمتد ليشمل – عبر خرائطه اللغوية التفصيلية – لغات أخرى حاضرة في المشهد اللغوي السوري، مثل الآرامية الغربية الحديثة أي السريانية ومنها اللهجة الطورانية، والآشورية، والكلدانية، والتركية، والكردية، والشركسية، والشيشانية، والأرمنية، واليونانية، وهي جميعاً لغات وثّقها المؤلف خلال عمله الميداني. أما المجلد المرافق (Beiheft)، فيقدّم شروحاً دقيقة للخرائط، إضافة إلى قوائم مفردات ثرية تغطي هذا الطيف الواسع من اللغات.

 

الخرائط اللغوية ودقة التوثيق الميداني

يتضمن الأطلس على 518 خريطة لغوية كبيرة عالية الدقة، مما يجعله مرجعاً بالغ الفائدة حتى لغير المتقنين للغة الألمانية، لغة النشر الأصلية. وربما تكون هذه المرة الأولى – وربما الأخيرة – التي يصدر فيها عمل بهذا الحجم والتنوع في مجال اللهجات العربية السورية، لا سيما أن كثيراً من هذه اللهجات قد لا يعمّر بعد الجيل الحالي، وبعضها بدأ بالفعل في التلاشي.

 

“لم يستطع مقاومة” إغراء دراسة اللهجات السورية

بعد نشره للأطلس المعروف للهجات العربية المصرية[2] بالاشتراك مع الدكتور مانفريد وُويديش – وهو مشروع استغرق ما يقرب من عشر سنوات من البحث الدقيق والمضني – كان في الأصل من “طموحات” بيهنشتدت الأكثر تواضعاً أن يُنجز أطلساً لغوياً لمحيط مدينة حلب. غير أن هذا المشروع الجديد قاده في نهاية المطاف إلى إصدار هذا الأطلس اللغوي المذهل الذي يغطي كامل الأراضي السورية، وذلك ببساطة لأنه “لم يستطع مقاومة” إغراء دراسة البلاد بأسرها في نهاية الأمر.

 

موقف الدولة والمجتمع من دراسة اللهجات

لا تحظى أبحاث اللهجات المحكية على الأرض السورية بمكانة عالية في سوريا ذات التوجه القومي العربي، وذلك لاعتبار هذه اللهجات – في نظر الكثيرين – "منحرفة" أو "متدهورة" عن اللغة الفصحى الكلاسيكية، العربية الفصحى، التي تُعدّ لغة جامعة لكل العرب. ومع ذلك، لم يواجه بيهنشتدت أية صعوبات في إجراء عمله الميداني في سوريا، بخلاف ما تعرّض له باستمرار خلال أبحاثه السابقة في مصر. بل على العكس، كانت الظروف العامة لبحثه مثالية إلى حد كبير، وقد تمكّن من إجراء مقابلات مباشرة مع نساء من الطائفة العلوية والمسيحية والإسماعيلية في جبال الساحل من دون أي عوائق، تماماً كما استطاع إجراء مقابلات مماثلة مع نساء في جميع أنحاء شرق سوريا من بين البدو المستقرّين (الملحق، ص 9-10(.

 

تقسيمات اللهجات: من القرى إلى المدن والقبائل

يُحدّد بيهنشتدت نحو اثنتي عشرة مجموعة رئيسية من اللهجات، يمكن تقسيمها بدورها إلى أكثر من ستين نوعاً فرعياً، لكل منها مزيجه الخاص من الخصائص الصوتية والصرفية والمعجمية. وقد جرى تصنيف هذه اللهجات بحسب المناطق والمدن والأحياء والقرى، والحضرية منها والريفية، والمناطق الجبلية وشبه الصحراوية، والقبائل البدوية (مثل شمر، وروَلة، وبقّارة)، ولهجات الشاوي، والمختلطة بين البدو والمستقرين، فضلاً عن الجماعات الدينية (السنة، والمسيحيون، والعلويون، والإسماعيليون، والدروز، والشيعة)، وغيرهم.

 

تنوع المفردات: ثراء يدهش الباحثين

وقد جاءت هذه التقسيمات الدقيقة ثمرة أبحاث أُجريت في 508 مواقع ميدانية، من بينها 85 موقعاً كان قد تناولها كانتينو في عمله السابق، ومعظمها في منطقة حوران.[3] اعتمد البحث على استبيانات تضمنت 1214 سؤالاً، كان 250 منها معجمياً بحتاً. وقد مكّن هذا المنهج الدقيق بيهنشتدت من جمع كم هائل من البيانات. وللتوضيح: سجّل 49 صيغة ونطقاً مختلفاً لكلمة “برتقال” (بُرتقال burtaqāl,، بُرُغدان burugdān,، ميردغان mirdaghān,، إلخ  ) ، و66 صيغة لكلمة “دُراق” (دُرّاق durrāq,، دِرّوين dirro’en,، دِرّيِّن dirray’ne,، إلخ)، و45 صيغة مختلفة لأمر الفعل كتب: اكتُب ktōb,، اكتبام ukətbam,، اكتبْ ičtub,، إلخ، و58 صيغة لأمر الفعل أكل : كُل kōl,، تشِل čil,، أوكلين ōklin,، إلخ، و114 تعبيراً مختلفاً لعبارة “قطعة خبز” (خبزة khubza,، لقمة laqam,، شقفة shuqfi,، كسرة kisra,، إلخ)، و80 تعبيراً لعبارة “السنة الماضية”.

 

Image-1764697384
49 صيغةً مختلفة في اللهجات العربية السورية لكلمة برتقال

 

نطق القاف والتحولات الاجتماعية

يقدّم أطلس بيهنشتدت عرضاً شيّقاً للمناطق التي يُنطق فيها صوت القاف فعلاً، والمناطق التي تحوّل فيها إلى همزة أو جيم أو كاف، وغير ذلك (وذلك على سبيل المثال في إحدى الخرائط اللغوية الـ 518 التي يتضمنها العمل). ويُنظر إلى الفونيم قاف بطرق مختلفة بين السوريين؛ فبحسب برنارد لوين (1969)[4]، كان العلويون الذين قابلهم من الناطقين بالقاف، وكانوا يسخرون من “ضعف” متحدثي الهمزة في حماة. أما سامي الجندي، فذكر في مذكراته في الفترة نفسها (1969)، أنه بعد استيلاء البعثيين على السلطة عام 1963 “بدأت قوافل القرويين منذ ما ظهر الحزب على المسرح تترك القرى من السهول والجبال الي دمشق. وطغت القاف المقلقة على شوارعها ومقاهيها وغرف الانتظار والوزارات”[5]...

 

وينبغي التنويه هنا إلى أن القاف ليست سمة "طائفية" خاصة بلهجات العلويين أو الدروز أو الإسماعيليين، بل هي ظاهرة ريفية موجودة أيضاً في كلام السنة والمسيحيين وغيرهم من سكان مناطق معيّنة. وقد لاحظ بيهنشتدت، من جهته، اتجاهاً معاكساً عام 1996، إذ أشار إلى أن نطق القاف كهمزة كان يُعدّ أيضاً نطقاً مرموقاً، وكان يكتسب انتشاراً في مناطق ومدن متعددة. ويذكر حماة كمثال نموذجي على “جزيرة لهجية” في هذا السياق. كما أن الأجيال اللاحقة من "قرويّي القاف" المذكورين تكيّفت إلى حد كبير مع نمط أقرب إلى اللهجة الدمشقية في العربية السورية، من دون القاف.

 

نماذج من الخصائص المحلية للهجات السورية

يشير مصطفى طلاس في مذكراته إلى استخدام صيغة "هنت" ("أنت") بدلاً من "إنت" عند سكان المناطق الجبلية في اللاذقية، وينقل عن ضابط علوي قوله له: "والله يحميك هنت وحافظ الأسد".  ويضيف طلاس أن "من عادة سكان اللاذقية، ولا سيما في الجبال، استبدال الألف بالهاء، وهو أمر جائز في لغة العرب".[6] ويقدّم الأطلس اللغوي لبيهنشتدت، في خريطته رقم 251، عرضاً تفصيلياً لـ17 صيغة مختلفة للمخاطب المفرد المذكر والمؤنث، موضحاً أن صيغة “هنت” مستخدمة حصراً في جبال الساحل والمناطق الريفية المحيطة بحماة.

 

النصوص الفولكلورية: مرآة للحياة الشعبية السورية

إن نصوص الفولكلور (Volkskundliche Texte) الواردة في المجلد الثاني لا تهمّ اللغويين فحسب، بل تُعدّ ذات قيمة كبيرة أيضاً لعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية ولكل من لديه اهتمام خاص بالتفاصيل الدقيقة والآسرة للمجتمع السوري التقليدي. فهي تتناول طيفاً واسعاً من الموضوعات، مثل الحكايات الشعبية، والسحر والشعوذة، والطب التقليدي، وأساليب الزراعة وأدواتها، والطعام، وصيد الصقور وصيد الفرائس بها، والأعراس، وخطف العروس المسيحية المرتقبة، والبحث عن الكمأ، والإبل، والأغنام، وتقاليد البدو (بتفصيل واسع)، والثأر، وغير ذلك من الموضوعات الدقيقة المتنوعة.

 

أمثلة عن لهجات المناطق السورية ( حماة، دير الزور، السخنة، ولهجات المسيحيين في حلب)

يُقدم الأطلس اللهجات السورية وفق تنوعاتها، كل نوع بوصفٍ نحوي يختلف طوله حسب انتشاره أو غموضه. ولهذا السبب، لم تُدرج مادة نصيّة عن بعض اللهجات الأكثر أهمية (من حيث عدد الناطقين بها) في المجلد الثاني، مثل لهجة دمشق (التي وُصفت بالتفصيل على يد بيرغشتراسر Bergsträsser,، وغروتسفيلد Grotzfeld، وغيرهما)، أو لهجة حماة (على يد لوين Lewin,)، أو لهجة دير الزور (على يد ياسترو Jastrow,)، أو أماكن أخرى مثل السخنة (التي خصّها بيهنشتدت نفسه بدراسة أحادية). كما أن كثيراً من التفاصيل النحوية المتعلقة بلهجات المسيحيين (وغيرهم) في حلب ومحيطها قد سبق أن نشرها بيهنشتدت في مجلة دراسات اللغة العربية (Zeitschrift für Arabische Linguistik)، ولذلك لم يُعِد نشرها هنا.

 

أما النصوص المأخوذة من حلب، فهي مستخدمة بشكل ملحوظ في النصوص الفولكلورية الحلبية، لأن الفونولوجيا في اللهجة الحلبية، بحسب بيهنشتدت، لم تكن قد عولجت معالجة كافية من قبل، ولأن هذه النصوص تحتوي على مادة إثنوغرافية قيّمة كان يمكن أن تضيع لولا توثيقها في هذا العمل.

 

يشير بيهنشتدت، في ملاحظة لافتة، إلى أن اللهجات في المناطق شبه القاحلة وأطراف الصحراء في تدمر والسخنة والقريتين قد تكون احتفظت بطبقة لغوية عربية أقدم تعود إلى ما قبل الإسلام (ص 204). كما يلاحظ أن بين مسيحيي حلب تُستخدم لهجتان عربيتان مختلفتان. وفي دراسة سابقة له[7]، فسّر بيهنشتدت إحدى هاتين اللهجتين بوصفها "جزيرة لغوية متحفية" (Reliktinsel)، لكنه خلص لاحقاً إلى أن مسيحيي حي الأربعين في حلب هم في الأصل أحفاد أربعين عائلة لبنانية من بشرّي، استقرّت في حلب في القرن السابع عشر.

 

ينبغي النظر إلى النصوص الفولكلورية بوصفها مكمّلةً لأعمال بيهنشتدت الأكاديمية الأخرى، إذ لا يميل إلى تكرار نفسه، ولا يرغب في إعادة أو استنساخ أبحاث غيره. وبيهنشتدت، الذي يُعدّ من أكثر الباحثين خبرةً ونشاطاً في مجال الجغرافيا اللهجية العربية على مستوى العالم، يتمتّع بتفضيل واضح للعمل الأصيل وللطرق البحثية غير المألوفة. وهذا ما يجعل عمله مميّزاً بين المميّزين.

 

التحديات المنهجية في البحث الميداني

تُعالج قواعد بعض اللهجات العربية السورية الأكثر "غرابة" (Extremdialekte)، مثل لهجات تدمر، والسخنة، وطيبة الإمام، ومحردة (الأخيرتان قرب حماة)، بشيء من التفصيل. غير أنّ بيهنشتدت أو مساعديه وجدوا أحياناً صعوبةً في تسجيل كلام “أصيل” من المتحدثين بها. وقد حدث هذا – من بين أمثلة أخرى – مع لهجة طيبة الإمام، التي يصفها بيهنشتدت بأنها "من أكثر اللهجات تعرّضاً للسخرية" في سوريا، بسبب التحوّل الجذري في صيغ الأفعال والضمائر فيها، وهو تحوّل يبدو أنه نتج عن اندماج لهجات بدوية وأخرى حضرية. فبدلاً من صيغة الجمع الغائب الشائعة هنّه (“هم”) نجد هنهان للمذكر وهنهِن للمؤنث، وبدلاً من صيغة الجمع المؤنث المخاطب تشربو (“تشربن”) نجد تشربني (والتي تعني عادةً "تشربني")، وهكذا.

 

وشيء مشابه حصل في تدمر، حيث لم يسمع بيهنشتدت اللهجة التدمرية كما وصفها كانتينو أبداً[8]، إذ اقتصرت التسجيلات التي أُعدّت له محلياً على نصوص طويلة مما يسميه Honoratiorenpalmyrenisch (أي لهجة تدمرية تحتوي على عناصر لهجية قليلة او "اللهجة التدمرية الخاصة بالوجهاء"). وبعض من أجريت معهم المقابلات لم ينتجوا سوى نصوص طويلة من "عربية سورية شبه محايدة تماماً"، بحيث لا يستطيع تمييز الخصائص التدمريّة فيها إلا الخبير المتخصص. ويبقى السؤال مطروحاً، بالطبع، عمّا إذا كانت هذه اللهجات الفريدة قد بقيت على قيد الحياة أصلاً.

 

من الاختبارات الحقيقية لمعرفة ما إذا كان المرء قادراً فعلاً على فهم العربية المحكية الصافية، أن يصغي إلى العرب وهم يتحدثون بلهجاتهم المحلية فيما بينهم من دون علمهم بوجود مستمع أجنبي. لكن ما إن يدرك المتحدثون وجود هذا المستمع حتى يميلوا إلى التحوّل إلى نمط آخر من العربية المحكية يقترب أكثر من "الكُوَينية" المحايدة أو من اللينغوا فرانكا السورية. وهذا ما يجعل هذا النوع من البحث اللغوي بالغ الصعوبة، كما كان بيهنشتدت قد صرح مراراً.

 

وفضلاً عن ذلك، فإن المتحدثين بما يُسمّى "اللهجات القصوى" لا يميلون فقط إلى التخلي عن لهجاتهم الأصلية لصالح تنويعات تقل فيها العناصر اللهجية، على الأقل في حضرة الأجنبي، بل يميلون أيضاً إلى ارتكاب ما يمكن تسميته بـ "التصحيحات المفرطة"؛ فيقولون مثلاً  قَنَم بدلاً من غَنَم، أو أستقفر الله، مين غلّق هيچ؟ بدلاً من أستغفر الله، مين قلّك هيچ؟، وهكذا.

 

التحديات المنهجية في البحث الميداني

عند نسخ تسجيلاته الصوتية، يفضّل بيهنشتدت – حيثما كان ذلك مناسباً – أن يدوّن ثنائيات الأصوات i - u (e, o) تدويناً صوتياً، بدلاً من التمثيل الفونولوجي للصوت الوسطي الـشوا /ə/ (أي أن e وo يُعترف بهما في هذه الحالة كـ "ألوفونات” للفونيم /ə/، ويمثل كلا الصوتين بـ /ə/ في التدوين الفونولوجي البحت). ولا يدوّن بيهنشتدت صوت الشوا /ə/ إلا عندما يكون متأكداً تماماً من أنه سمعه فعلاً (“أنا أكتب ما أسمع” – على حد تعبيره). وقد استغرق الأمر أحياناً أكثر من 33 ساعة للتأكد مما إذا كان ينبغي تدوينه كـ i - u أو كـ شوا /ə/. (ووفقاً للأستاذ أوتو ياسترو، فإن 33 ساعة تكفي لإجراء تحليل أساسي لأي لهجة عربية). ومن الأسهل لاحقاً استبدال الشوا /ə/ بـ i أو u، من القيام بالعكس.

 

وقد اختار باحثون آخرون كثيراً تدوين الشوا /ə/ مباشرة، لكن من الصعب معرفة طريقة نطقه الدقيقة إذا لم يكن المرء على دراية تامة بالظروف الصوتية المحددة التي تؤدي إلى القيم الصوتية المختلفة لهذا الفونيم. وفي هذا الصدد علّق الأستاذ مانفريد وُويديش بنبرة ساخرة قائلاً: "إن عالِم اللهجات هو الذي يصنع اللهجة" (الملحق، ص 24). ويتساءل بيهنشتدت، على سبيل المثال، كيف لطالبٍ لـ “العربية السورية" أن يعرف النطق الصحيح لعبارة kəll səne (“كل سنة”): هل هو [kul sune]، أو [kul səne]، أو [kel sune]، أو [kəl səne]، أو [kil sune]، أو [kil səne]، أو [kul sine]، أو [kil sine]، أو [kel sone]، أو [kol sene]؟

 

تأملات في المستقبل: اندثار أم استمرارية؟

إن الدورات التعليمية لـ "العربية السورية" المقدَّمة للأجانب تعرض في العادة نمطاً من الكلام المحكي لا يمثل لهجةً صافية بالمعنى الدقيق، بل هو أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ "العربية السورية العامة للمثقفين"، وهي قريبة من أحد الأنماط الرئيسة للعربية المحكية في سوريا، وغالباً ما تكون لهجة دمشق. وعندما يُوصف كتاب أو دورة تعليمية بأنه "مبني على لهجة دمشق"، فإن المقصود في الغالب ليس اللهجة الدمشقية الأصلية نفسها، بل صيغة قريبة منها في جوانب متعددة.

 

وخلال العقود الأخيرة، شهدت اللهجات السورية نوعاً من التسوية (leveling) و"التسوير" العام، نتج عنه ظهور صيغة حضرية مثقفة من العربية السورية مقبولة على نطاق واسع، تسير بالتوازي مع اللهجات الأصلية.

 

أما الذين يرغبون في التعمق أكثر، والاستمتاع بالتفاصيل الدقيقة للغة في سوريا بما يتجاوز ما يُعرف بـ "العربية السورية العامة"، فإن دراسة بيهنشتدت تُعدّ تجربة ثرية للغاية، تكشف عن كنوز لغوية قلّما يلحظها من يكتفي بملامسة السطح اللغوي. (ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن السوريين – والعرب عموماً – لا يولون أهمية كبيرة لهذا الموضوع).

 

يُعتبر الأطلس ليس مجرد مرجعاً لغوياً، بل وثيقة ثقافية وتاريخية تحفظ الذاكرة السورية. إنه كنز علمي يربط بين اللغويين، الأنثروبولوجيين، والمؤرخين، ويقدّم رؤية شاملة للتنوع والهوية في سوريا.

 

مصادر إضافية

وبإمكان الراغبين في الاستماع إلى بعض التسجيلات الصوتية الأصلية التي أعدها بيهنشتدت وآخرون تحميلها من الإنترنت عبر أرشيف الأصوات السامية في جامعة روبريخت-كارلس في هايدلبرغ بألمانيا:

https://semarch.ub.uni-heidelberg.de/#archive


***

 

[1] الدكتور نيقولاوس فان دام هو السفير الهولندي السابق لدى إندونيسيا وألمانيا وتركيا ومصر والعراق، والمبعوث الخاص لسوريا. كما عمل كدبلوماسي أيضًا في لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا.  وهو مؤلف كتاب "رحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي” (٢٠٢٥) "الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية" (١٩٩٦) وكتاب “تدمير وطن: الحرب الأهلية في سوريا" (٢٠١٨) وكتاب “السلام الذي لم يتحقق" (٢٠٢٥). تمت ترجمة مؤلفاته إلى عدة لغات، منها العربية والتركية والصينية والمجرية.       https://nikolaosvandam.academia.edu

[2]Peter Behnstedt & Manfred Woidich, Die ägyptisch-arabischen Dialekte, 5 Vols, Wiesbaden,

1985-1999.

[3] J. Cantineau, Les parlers arabes du Horan, Paris, 1946.

[4] Bernard Lewin, Notes on Cabali: The Arabic Dialect Spoken by the Alawis of “Jebel

Ansariye”, Göteborg, 1969, p. 8.

[5] سامي الجندي، البعث، بيروت، 1969، ص 136-137.

[6] مصطفى طلاس، مرآة حياتي، المجلد الثاني، دمشق، 1995، ص 567.

[7] Peter Behnstedt, “Christlich-Aleppinische Texte”, Zeitschrift für arabische Linguistik, Vol.20, 1989, pp. 43-96,

 

[8] J. Cantineau, Le dialecte arabe de Palmyre, Beirut, 1934.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث