رواية الكاتب الفلسطيني أحمد إبراهيم عوض "دابة الأرض"، الصادرة عن دار الأهلية في الأردن، عمل يقارب 300 صفحة، تنسج على منوال أعمال إبداعية فلسطينية، اختارت الشأن الفلسطيني كمجال خاص لها، وعلى هذا فإنها مركبة حسب متواليات: النكبة-التهجير-الثورة-اتفاق أوسلو-السلطة الفلسطينية-ما بعد 7 أكتوبر. ومنذ بداية العمل، ومن دون مقدمات، يجد القارئ نفسه في خضم الوضع السياسي، والحياتي الفلسطيني الراهن.
يشكل "أبو الناجي" وابنه الأكبر الناجي، شخصيتين محوريتين في الرواية. وتقدم حياة كل منهما صورة عن التحولات، التي مرت بها شرائح فلسطينية واسعة في فترة انطلاق الثورة الفلسطينية، في منتصف ستينيات القرن الماضي، وصولا إلى "اتفاق أوسلو" كانعطافه أساسية في المجرى الفلسطيني العام، وبالعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وتطور المقاومة، وحتى 7 أكتوبر 2023، حيث وصل الغضب الإسرائيلي مرحلة الجنون، وبداية لتاريخ جديد، يتكثف فيه الضغط على الفلسطينيين كي يتخلوا عن ارضهم واحلامهم ودمائهم، وبات الوضع يتطلب تسوية أمنية، لا سياسية، وأن تغير السلطة الفلسطينية من سلوكها، وأساليب عملها، وشعاراتها وعلاقاتها مع جمهورها، وإسرائيل.
الأب من مواليد يافا 1940، هاجرت عائلته في عام النكبة إلى لبنان، حيث توفيت والدته في مخيم قرب صيدا، وهناك بدأ كمقاتل مع أحد التنظيمات، وتطور موقعه القيادي ليقفز للصف الأول. وبعد اتفاق أوسلو 1994 عاد الى الأراضي المحتلة، وهناك احتفظ بمنصبه القيادي، ودخل في منظومة حولته لصاحب عقارات في الضفة والأردن، وبعد أن تقاعد بفترة قصيرة أُصيب بجلطة، أدخلته في موت سريري.
الورثة الكبيرة التي خلفها الأب تجمع شمل الأبناء، وهم كثر، من زوجات عدة، رومانية والدة ابنته الكبرى، التي تزوجت تونسياً، طلقها بعد انجبت منه 3 أولاد، والتحق بالجيش الأميركي. الثانية اردنية، والثالثة لبنانية، انجبت كل منهما فتاة، بينما الرابعة نابلسية أم لولد، بالإضافة للولدين الكبيرين الناجي ووسام من زوجته الأولى الفلسطينية في لبنان. الناجي الشخصية المهمة، عاش وكبر مع شقيقه الأصغر سنا في مبرة للأيتام بدمشق، بعد أن قُتلت والدتهما في اشتباك بين فصيلين فلسطينيين، وعاشا حياة صعبة بعد اغلاق الميتم، وتحولا الى شقيين، حتى جاء الوالد بعد مصالحة تنظيمه مع النظام السوري، ونقلهما إلى الأردن وأصبحا مرافقين له، ومن ثم حصلا على شهادتين جامعيتين من جامعة خاصة. وظلا يحسان بأن تربية أبناء مخيم اليرموك مختلفة عن بقية المناطق الفلسطينية الأخرى، وأكثر أصالة، وعفوية، وصدقا.
دخلا إلى رام الله برفقة والدهما حسب تسوية اتفاق أوسلو. الناجي بات موظفاً مهما في السلطة الفلسطينية، ولعب دوراً تنسيقياً أمنياً مع سلطات الاحتلال، ورجل أعمال مستفيداً من الوضع، قبل أن تنقلب المعادلة بعد رحيل والده، ذلك أن المطلوب من السلطة أكثر من تجميل الاحتلال، والترويج له والتعاون معه.
تبدو صورة الزوجة النابلسية التي تزوجها بعد عودته إلى فلسطين أكثر رسوخا في العمل، لجهة النظرة إلى العلاقة الزوجية، والمنبت العائلي، وخط الحياة الذي سار عليها ابنها، فهو عكس شخصية الابن الأكبر، على نزاهة، عضو في تنظيم فلسطيني راديكالي، يظهر ذلك من خطابه، الذي يعتبر أن إشكالات وتعقيدات اتفاق أوسلو أصابت البلاد والعباد. ويرى أن الرد على الاحتلال بالمقاومة، ومارس ذلك، حيث طعن مستوطنا، بسبب تصرفات المستوطنين في المسجد الاقصى، وحُكم عليه بالسجن 6 أعوام. وبعد الافراج عنه حاول الدراسة في الخارج لكن الاحتلال منعه، فقرر أن يعود لجامعته القديمة /القدس، ليتعمق وعيه وكراهيته للاحتلال، ويظهر من خلال البروفايل العام أنه ينتمي لتنظيم إسلامي يمارس العمل المسلح، وهو يؤمن بأن الحزب ضرورة سياسية واجتماعية وحتى فردية، ويطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويرى أن البقاء والاستمرار هو الأهم، ومع ان تخترع المقاومة ابطالها.
ثمة تشابهات بين شخصيات العمل، وأخرى عامة، بعضها رحل وأخرى على قيد الحياة، تقترب في ملامحها الأساسية من بعض مسؤولي العمل الرسمي الفلسطيني من السلطة الفلسطينية، وببرز بقوة جهد الكاتب لتجنب المباشرة، وكذلك حذره من عواقب الغوص أكثر في أعماق الشخصيات، رغم الاغراء الشديد.
خيال الرواية واسع على قدر بعض شخصياتها الرئيسة، أبو الناجي مثال نموذجي عن مناضل تحول من مقاتل في زمن الكفاح المسلح إلى قائد في بيروت، ومن ثم أصبح بفضل اتفاق أوسلو رجل أعمال، مزواج، لكن الزواج الوحيد الذي أعطى ثمرة طيبة هو من السيدة النابلسية بعد عودته لرام الله.
المال هو الذي يقرب ويبعد بين افراد العائلة التي تلتقي لحظة نقل الأب للمشفى، الكل يريد قسطه من الورثة، وسط مخاوف من أن يبتلع الابن الأكبر حصة الجميع أو يتآمر الأولاد على البنات، وبلك يشكل الخلاف على الورثة نقطة مركزية في العمل، وعلى هذا يمكن تسجيل الرواية في عداد الأعمال الإبداعية التي تعرضت بالتشريح للحالة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، ويمكن، بلا حرج، سحب وضع عائلة أبو الناجي ونقاشاتها وهواجسها وخلافاتها من حول الورثة، على ما شهده المجتمع الفلسطيني بمواجهة لحظات مناسبة كالتي عاشها حينما دخل الرئيس السابق ياسر عرفات في لحظة موت سريري في المشفى الفرنسي عام 2004
.
"دابة الأرض" هي حيوان، يخرج في آخر الأيام قبل يوم القيامة، يكلم الناس ويضع ختما على جباههم، كافر أو مؤمن. وهي ليست سوى العقاب الذي ينتظر الجميع، والتي تنذر به. الدابة خراب ودمار ونهاية مفجعة، ويفصل في ظهورها الشيخ المعمم، صاحب اللحية البيضاء والاسنان المصفوفة بعناية، ويتحدث عنها بحب وأمل وكأنها أخت عزيزة تعد بالزيارة يوم العيد. وبعد ظهور سيتغير معنى الأشياء وهدفها.
يمتاز العمل بأنه مسترسل بالسرد بلغة تتراوح بين الكلام العادي، والمجاز الذي تظهر فيه شعرية الرواية حين يتعلق الأمر بوصف الأمكنة والأحوال والتجوال في عوالم الفلسطينيين، وما تعرضوا له من هجرات ومجازر وتشرد، وما أبدوه من بطولة جماعية وفردية من أجل تجاوز الشروط التي فرضها عليهم الاحتلال.
اللغة متينة ومبنية بإحكام، قائمة على جمل قصيرة متوترة مشحونة بسخرية مضمرة على مدى العمل، مما يساعد على تغليف بعض ثغرات الجو السياسي المهيمن على العمل بإفراط منذ أول جملة وحتى النهاية، ويلعب اسم الرواية عاملاً يشدّ القارئ بما يوحيه من ألغاز ذات طابع سحري غامض، تتولد عن الفكرة الدينية للزمن الذي يسبق يوم القيامة.
الفانتازيا حاضرة في العمل كضرورة لتخفيف ثقل السرد الواقعي، وهي تتجلى حينما يقلب فيها الكاتب المناخ العام من واقعي إلى خيالي، أو تقدم نفسها كقيمة ثقافية مجردة بذاتها، كناية تعبيرية عن الحيوية الذهنية التي يتسلح بها الكاتب، كي يمر بين حقول سياسية متخمة بالضجر. وهناك تنويعات فكاهية تختص بجوانب اجتماعية "زوجات للحياة والغنى او لسوء الحظ" و"النساء أوطان"، وسياسية "السياسة هي ترويض الناس، تعلم كل شيء".
النساء لا بديل لهن ولا غنى عنهن، جميلات، أجمل من عظمة الجبال ومن هدوء السهول ومن عذوبة السماء الممتدة. أجمل بمعنى روعة التكوين ودقة التفاصيل ومثالية التناسب ولطف الهيئة، على الضفة الأخرى يتعلم الرجال الانتهازية وادعاء القوة، ويمارسون قوة موهومة ومدعاة على أجساد نسائهم.
لا يعني ذلك أن الفنتازيا هنا منسلخة عن الواقع أو السياق العام للعمل، بل هي أجواء وعوالم متماسكة وحكايات، غالبا ما تكون مستوحاة من الأساطير والخرافات، حيث تُشكل جزءاً لا يتجزأ من السياق، وما يزخر به الفولكلور الثقافي والاجتماعي والسياسي العام من تفاصيل، وهي في نهاية المطاف لا تخرج عن سياق الرواية وحبكتها لجهة البحث عن المعنى في عالم يتحول بسرعة شديدة، رغم أنه لا يقف فوق أساس راسخ. كل شيء هش ورخو ومؤقت، حتى ليبدو أن الفلسطيني يعيش في زمن مواز غير حقيقي.
رغم أن عالم الرواية فلسطيني، إلا أن الاحتلال الاسرائيلي يشكّل مركزها، إذ تحضر النكبة كنقطة بداية في شقاء الفلسطيني، والتاريخ الذي تكون من جرائها. من دون مواربة، يبدو الأمر بالنسبة للكاتب أكثر من إطار لرواية. إن مجموع الحوادث والمواقف والتفاصيل الخاصة بالمأساة الفلسطينية تحفر، أكثر بكثير مما تصف، الاحتلال الإسرائيلي.
