حين نقرأ "خمسون عاماً يا زمان الجامعة"، لا نقرأ سيرة شخصٍ فحسب، بل نقرأ ذاكرة جامعة ووجدانَ وطن. فالدكتور هاشم الأيوبي لا يكتب عن خمسين عاماً من حياته في الجامعة اللبنانية، بل يكتب عن خمسين عاماً من الحلم اللبناني بالعلم والعدالة والمعرفة. هو لا يقدّم نفسه بصفته مؤرّخاً أو باحثاً متجرداً، بل بصفته شاهداً عاش التجربة بكل تفاصيلها: طالباً في كلية التربية في ستينيات بيروت، أستاذاً محاوراً في زمنٍ كان الفكر فيه خبزاً يومياً، ثم عميداً لكلية الفنون في مرحلة صعبة صار فيها الدفاع عن الجامعة دفاعاً عن فكرة لبنان نفسه.
في هذا الكتاب، الممتد من منتصف الستينيات إلى مطالع القرن الحادي والعشرين، يستعيد الأيوبي رحلة جيلٍ كامل من الأساتذة والطلاب الذين حلموا بجامعة وطنية تُعلي شأن العلم والمواطنة. ليست هذه الصفحات مجرد مذكرات شخصية، بل هي مرآةٌ لوطنٍ تشكّل واهتزّ وتجدّد على أيدي أبنائه. يزاوج المؤلف بين الوثيقة والسيرة، بين الحنين والنقد، بين انتمائه الأكاديمي والوجداني للمؤسسة التي شكّلت عمره .
الجامعة كمرآة للوطن
من أبرز محاور الكتاب العلاقة العميقة بين الجامعة والوطن. فكل ما يصيب لبنان من تحوّلات ينعكس على الجامعة اللبنانية، والعكس صحيح. يروي الأيوبي بفطنة المؤرخ ودفء المربي كيف كانت الجامعة مساحةً للتنوّع والحوار، قبل أن تعصف بها الحرب الأهلية فتمزّق وحدتها وتحاصر استقلالها. ومع ذلك، لا يستسلم النص لمرارة الخسارة، بل يرى في كل انتكاسة حافزاً على مقاومة النسيان. يكتب الأيوبي الجامعة كما يكتب الوطن، بشجنٍ وصدقٍ ومسؤولية، ويجعل من سيرته الشخصية مرآةً لجيلٍ آمن بأنّ المعرفة فعلُ مقاومة وأنّ الكلمة سلاح بناء .
ذاكرة إنسانية وتربوية
في أسلوبه يمتزج التوثيق بالبوح. يتنقّل الأيوبي بين فصولٍ تحكي الطفولة في الكورة، وذكريات الثانوية في طرابلس، وبدايات الشعر في الجامعة، ثم التحوّل نحو العمل الأكاديمي العام. تتخلل السرد لوحات إنسانية مؤثّرة عن الزملاء والأساتذة والصداقات التي جمعت بين أبناء الطوائف والمناطق، وعن بيروت التي كانت مختبراً للحلم الثقافي اللبناني. إنّه نصّ يتحدّث عن التربية بوصفها ثقافة للحياة، وعن التعليم كرسالة وطنية تُعنى بتكوين الإنسان قبل تخريج الطالب.
من التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
لا يُخفي الأيوبي حنينه إلى "ذلك الزمن الجميل"، لكنه يرفض أن يبقى الماضي أسطورة. فهو يكتب ليحفظ الذاكرة من التزييف، وليقدّم للأجيال الجديدة درساً في الانتماء والمسؤولية. لا يسعى إلى تمجيد الذات بل إلى تمجيد فكرة الجامعة: تلك المؤسسة التي صاغت الوعي الوطني والنقابي والثقافي للبنانيين، وخرّجت مثقفين وكتّاباً وأكاديميين حملوا راية اللغة العربية والبحث العلمي في وجه المحاصصة والزبائنية السياسية.
الأكاديمي والمثقف العام
في كتابه، تتجلّى صورة الأكاديمي المثقّف الذي لا يفصل بين الفكر والموقف، بين الشعر والإدارة، بين التعليم والشأن العام. ظلّ يربط بين الكلمة والمبدأ، بين اللغة والهوية، مؤمناً بأن العربية ليست مجرّد أداة بل روح الأمة ومجال تجددها. ومن موقعه كعميدٍ لكلية الفنون، عمل على تعزيز الثقافة الجامعة، مؤمناً بأن الجامعة ليست مبنى، بل روحٌ وطنية ومختبرٌ دائم للأسئلة. كما بقي صوته حاضراً في النقاش التربوي والثقافي، وفي الدفاع عن اللغة العربية بوصفها وعاء الهوية ومجالاً للتجديد.
خاتمة
يخرج القارئ من الكتاب وفي ذهنه صورة المثقف المربّي الذي عاش الجامعة كما عاش الوطن: بكل آماله وانكساراته. لقد كتب الأيوبي سيرته بالمحبة نفسها التي عاش بها الجامعة، وسجّل خمسين عاماً من الحضور الفاعل في زمنٍ لم يكن سهلاً. إنها شهادة جيلٍ آمن بأنّ العلم طريقُ الحرية، وبأنّ الجامعة بيتُ الهوية، وبأنّ الثقافة رسالةٌ تتجاوز الوظيفة إلى معنى الوجود. هكذا يتحوّل "خمسون عاماً يا زمان الجامعة" إلى نشيدٍ للوفاء ودعوةٍ للأجيال المقبلة لتستعيد معنى الجامعة - فكرةً وقيمةً ومسؤوليةً.
