على وقع أغنية "قومي من تحت الردم" لماجدة الرومي، يحتفل الخبير البيئي بول أبي راشد و"جمعية الأرض" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بإزالة طبقات التراب والردم ومخلفات سنوات الإهمال المزمن، عن خطوط سكة الحديد في منطقة بعبدا (جبل لبنان)، وتحريرها من الاستملاك العبثي والتعديات.
وكانت جمعية الأرض طرحت سؤالاً: لماذا لا يعود قطار لبنان للعمل؟ و"هذا حلمنا" كما عبّر أبي راشد. وتزامنت "هيصة" جمعية الأرض الفايسبوكية مع تصوير شاب في جنوب لبنان، فيديو لنفق رأس الناقورة المقفل جراء الاحتلال الإسرائيلي، حيث كان يمر القطار باتجاه حيفا. وذكّر الشاب الناس بالماضي الغابر، وقد أنشئ النفق، بإشراف الجيش الإنكليزي في أربعينيّات القرن الماضي. أيضًا في صفحات فايسبوك ينبش بعض هواة الأنتيكا، فيديوهات قديمة لحياة القطار ودخانه المنبعث في البقاع وضهر البيدر وجونيه كجزء من النوستالجيا، وفي السياق عينه تحول بعض محطات القطار في رياق وطرابلس وعالية، فسحة للتنزه والتقاط الصور، كأن خردة الزمن وحديد مقطورات القطار المتآكل بالصدأ، توأم الكاميرا وفسحة للذكرى والتذكار. ربّما لهذه الأسباب كان احتفال وزير الثقافة غسان سلامة ووزير الأشغال العامة فايز رساميني، بإعادة تأهيل محطة مار مخايل من أجل تحويلها مركزاً ثقافياً.
لم ير جيل الحرب اللبنانية من القطار إلا الصور، وفي مرحلة من المراحل شاهد الجيش السوري الأسدي يعفش سكة الحديد في البقاع، ويبيعها خردة، ومثله فعل كثرٌ من اللبنانيين. ولاحقاً صار القطار في لبنان عنواناً لمشاريع وهمية كاذبة، مع أنّ من يسافر بسيارته من بيروت إلى طرابلس أو من بيروت إلى صور أو من بيروت إلى الهرمل أو من بيروت إلى دمشق، يدرك أهمية وجود القطار في الأمور اللوجستية والحياتية والاقتصادية والاجتماعية. فالسفر بالسيارة عناء ومرارة، وسط الزحمة والمطبات والطرق الضيقة وجنون السائقين والحوادث المأسوية المميتة، وفي ظل غلاء الوقود، وهذا يجعل المرء يفكر ألف مرة قبل الذهاب بمشواره.
وكان رجل أرمني يقول لصديقنا الشاعر عقل العويط: لا يحل السلام في لبنان إلا بعودة قطار الشرق السريع، وخطه كان يمتد من إسطنبول ويمر في قلب الشام إلى القدس ومن إسطنبول إلى مكة، وتصدع مع بدء الصراع العربي الإسرائيلي، أما قسمه اللبناني فتوقف مع اندلاع الحرب الأهلية (1975 – 1990)، كما كل شيء. ويعود تاريخ سكك الحديد في لبنان إلى الحقبة العثمانية، أنشئت بهدف ربط أجزاء السلطنة بعضها ببعض، وهي من ضمن ما خلفته الدولة العثمانية وراءها قبل زوالها وتفتتها، وكان القطار بمنزلة شريان الشرق الأوسط النابض وقد تعرض لضربات شتى. أولها بعد تنفيذ مخطط توماس إدوارد لورنس الشهير بـ"لورنس العرب"، بعدما انضم إلى ثوار الشريف حسين وحرضهم على نسف الخط العام 1917.
ولعب خط سكة حديد بين بيروت-دمشق دورًا أساسيًا في قيام ما يسميه الباحث يوسف المرّ "المحور التجاري الكولونيالي الجديد" الذي حولّ بيروت الى ميناء لسائر سوريا وشكّل أحد مرتكزات الاستعمار الفرنسي على لبنان وسوريا. يروي يوسف المرّ: "كانت السلطنة العثمانية بحاجةٍ ماسّة إلى وسيلة نقل تربطها بالولايات العربيّة التابعة لها ولتحسين وسائل النقل وتطويرها. كان همّ الاستعمار الفرنسيّ بسطَ سيطرته على المنطقة عبر شركاته للنقل وربط مرفأ بيروت بمدينة دمشق في الداخل السوريّ. ونشب صراعٌ بين الفرنسيين والإنكليز بهذا الخصوص، إذ بذل الإنكليزُ المحاولة تلو الأخرى لربط دمشق بحيفا.
ونجح الفرنسيون في مسعاهم، فأصبحت دمشق الأقرب إلى البحر المتوسط عبر مرفأ بيروت. ومن الأسباب الأخرى التي أسهمتْ بربط دمشق بمرفأ بيروت الدور المميّز لعائلة المطران في بعلبك بشخص يوسف بك المطران، والده حبيب بك المطران، الذي امتدّت إقطاعيّته من مدينة بعلبك حتى ريّاق وصولاً إلى بلدة المزيريب في حوران. وكان همُّ المطران إيصالَ محاصيل إقطاعيّته من القمح إلى دمشق". وفي العام 1920، ومع إعلان دولة لبنان الكبير، طوَّرت السلطات الفرنسية خطوط سكك الحديد، وأنشأت "الترامواي" الكهربائي في بيروت وضواحيها، وربطت محطتَي بيروت وطرابلس العام 1941 لضرورات عسكرية، فأصبحت للبنان خطوط داخلية أساسية تربط ساحله ببقاعه، وتتّصل في الوقت ذاته بمحطات إقليمية ودولية مثل سوريا وتركيا وأوروبا، وكذلك بفلسطين ودول الخليج والعراق وإيران.
واستردّت الدولة اللبنانية الخط وتمديداته العام 1956، وأُنشئت "مصلحة سكة الحديد والنقل المشترك" لبيروت وضواحيها في 1961، وبات هناك خط عريض من الناقورة إلى طرابلس فالحدود السورية، وخط عريض يربط رياق بالقصير السورية. كل ذلك قبل أن يأتي برابرة الحرب.
نُزيل التراب عن سكة الحديد، كأنها الكنز الذهبي المدفون ونحتفل بالإنجاز ونحلم بالقطار، مع إننا ما زلنا دفع رواتب موظفيه منذ عقود. نزيل التراب عن سكة القطار ونغني "قفا نبكي" ونسترجع صوره في بلد الإشعاع والنور والأبجدية والحرف، بينما نظام أفغانستان الموسوم بانتسابه إلى القرون الوسطى، يسعى إلى قيادة مشروع سكك حديدية يربط أوزبكستان في أقصى الشمال وباكستان في الجنوب، مرورًا بالأراضي الأفغانية، في محاولة لتحويل موقعها الجغرافي من عبء تاريخي إلى ورقة قوة اقتصادية وجيوسياسية. المشروع، المعروف باسم "Trans-Afghan Railway"، يُنظر إليه بوصفه أكبر مشروع سكة حديد في منطقة آسيا الوسطى منذ عقود.
