عن البابا ونيقية وانقسامات الكنائس

أسعد قطّانالأحد 2025/11/30
Image-1764448084
البابا في تركيا
حجم الخط
مشاركة عبر

 

يأتي البابا لاون الرابع عشر مدينة نيقية (حاليّاً: إزنيك في تركيا) كي يحتفل، إلى جانب بطريرك القسطنطينيّة الأرثوذكسيّ برثلماوس ورهط من قادة الكنائس الآخرين، بذكرى المجمع المسكونيّ الأوّل، وذلك بعد انقضاء ألف وسبعمائة سنة على انعقاده. احتضنت نيقية المقرّ الصيفيّ للقيصر قسطنطين المعروف بالكبير. وحين دعا هذا إلى المجمع العامّ الأوّل في تاريخ الكنيسة، العام 325، لم يؤمّها أسقف روما للمشاركة فيه، بل اكتفى بإرسال كاهنين يمثّلانه. وتنسحب هذه الملاحظة على المجمع المسكونيّ السابع، الذي عُقد أيضاً في نيقية العام 787. والحقّ أنّ المجامع العامّة السبعة التي تعدّها الكنيسة الأرثوذكسيّة «مسكونيّةً» (نسبةً إلى لفظ «مسكونة»، الذي يشير بالدرجة الأولى إلى الإمبراطوريّة الرومانيّة) كانت، إلى حدٍّ بعيد، مجامع شرقيّة، إذ إنّ غالبيّة الأساقفة الذين حضروها أتوا من الشرق، وغاب عنها البابا الرومانيّ. ولا نعرف أحداً من بابوات الغرب قصد نيقية بعد تنصيبه. ومن ثمّ، فإنّ لاون الرابع عشر أوّلُ أسقف من أساقفة روما يزور هذه المدينة.

Image-1764434195

 

تكمن أهمَيّة مجمع نيقية الأوّل في صوغه نصّاً يختصر الإيمان المسيحيّ عبر عدد قليل من العبارات. وقد أضيف إليه، إبّان المجمع المسكونيّ الثاني المنعقد في القسطنطينيّة العام 381، مقطع قصير، فصار يُعرف باسم «دستور الإيمان النيقاويّ-القسطنطينيّ». ظاهرة وضع نصوص تلخّص الإيمان لم تكن جديدة، إذ يعود نشوء مثل هذه «الدساتير» إلى طقوس المعموديّة، وبعضها يضرب جذوره في كتب العهد الجديد. بيد أنّ ما يمتاز به دستور نيقية أنّ الكنائس الرسميّة في مجملها تلقّفته بوصفه يعبّر عن إيمانها. عمليّة التلقّف هذه احتاجت إلى عقود، وإلى كثير من الأخذ والردّ والجدل اللاهوتيّ المستفيض، حتّى إنّها أحياناً لم تكن في منأًى عن العنف. لكنّ ما أفضت إليه يستحقّ، وذلك بقطع النظر عن تقلّبات التاريخ. فالدستور النيقاويّ-القسطنطينيّ قاعدة صالحة تنبني عليها الوحدة المسيحيّة، لكونه يفصح عن قدر عظيم من الإيمان المشترك. في ما بعد، عمد الغرب المسيحيّ منفرداً إلى زيادة كلمة واحدة على هذا الدستور، مضيفاً إلى عبارة «المنبثق من الآب»، المتّصلة بالروح القدس، لفظ «والابن»، فصارت «المنبثق من الآب والابن». لقد أظهر البحث اللاهوتيّ الرصين أنّ الهدف من هذه الإضافة لم يكن تشويه الإيمان، بل التشديد على ألوهيّة المسيح. وقد رسم اللاهوتيّون خطّة طريق تصبو إلى تخطّي هذه الصعوبة. فاقترحوا أن يسارع الغرب المسيحيّ إلى حذف الزيادة، وأن يعلن الشرق المسيحيّ، على نحو متزامن، أنّها لا تشتمل على هرطقة، بل تعبّر عن رأي لاهوتيّ مشروع نعثر عليه لدى بعض آباء الكنيسة الغربيّين (والشرقيّين). لكنّ الكنائس الرسميّة فشلت حتّى اليوم في تلقّف هذا المقترح.

 

لعلّ ما سبق يومئ إلى الالتباس الذي يحيق بلقاء البابا لاون مع بعض قادة الكنائس في إزنيك. فالذكرى لا تذكّر بالمشتركات فحسب، بل تحيل أيضاً على الصعوبات والأسئلة المعلّقة. فعلى الرغم من الخطوات الكبرى التي أحرزها الحوار اللاهوتيّ، وبالرغم من أنّ الكنائس تمتلك دستوراً إيمانيّاً واحداً ينطوي على كلّ ما هو ضروريّ لتحقيق الوحدة، لا تزال كنائس الشرق والغرب تتخبّط. فتختلف على مقدار الأوّليّة الذي يجب إناطته بأسقف روما تارةً، وعلى زمن تعييد الفصح طوراً. كذلك هي تتعثّر في بلورة ديناميّات مجمعيّة تحتضن التنوّع، وتُشرك الشباب والنساء في القرار الكنسيّ، وتصغي بانتباه إلى صوت القابعين في الأطراف وعلى الهوامش. علاوةً على ذلك، تعاني كنائس الشرق خصوصاً من الانكفاء على الذات والسلطويّة المتورّمة والنزعة إلى التماهي بالحاكم، أو استرضائه، أو استمداد المشروعيّة منه، كما يتّضح من حال الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة مثلاً.

لا مناص اليوم من قراءة صادقة لدلالات هذا التعثّر. فالمشكلات في الكنائس، وبين الكنائس، ليست لاهوتيّةً بالدرجة الأولى، بل سيكولوجيّة، وتنبع من الخوف والتقوقع والسلطة المفرطة. هل يضحي حدث نيقية منطلقاً لمسار جريء تعلن فيه الكنائس تلاقيها على المشترك، وتحيل اختلافاتها على نقاش مثمر ضمن الكنيسة الواحدة، أم يتحوّل اللقاء في إزنيك التركيّة إلى مجرّد احتفاليّة فولكلوريّة لا تسمن من جوع، وما يلبث أن يتبعها مزيد من التشرذم؟
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث