أم كلثوم...يوميّات الغناء (1/2)

المدن - ثقافةالأحد 2025/11/30
665cbcf1-08e8-424b-8e93-28b257900234_16x9_1200x676.jpg
أم كلثوم
حجم الخط
مشاركة عبر

صدر عن دار "نلسن" في بيروت كتاب "أم كلثوم... يوميّات الغناء (1925-1973)"، دونها العراقي مصطفى المدرّس، كان رئيس مركز تراث أم كلثوم بلندن، وأعدها د. ڤكتور سحّاب، وقدّم لها المايسترو سليم سحّاب...
 

هنا القسم الأول من المقدمة:

فيما كنت أبحث في مكتبتي عن كتب لم أرها في المكتبة من زمن بعيد، وكنت أظنني قد فقدتها، وجدت كتيبا وملفا. الكتيب كان نص مسرحية الفنان اللبناني الكبير منصور رحباني "آخر أيام سقراط" التي قدمها مع فرقته على مسرح دار الأوبرا المصرية في رمضان سنة 1999. ولما تصفحت الكتيب وجدته مليئا بملاحظاتي الشخصية الكاملة عن المسرحية التي دونتها عليه في أثناء حضوري المسرحية ما يجعلها أهلاً لأن تتحول إلى دراسة كبيرة عن المسرحية سوف أكتبها قريبا إن شاء الله. أما المجلد فهذه قصته:

 

في آخر رحلة لي مع الفرقة القومية العربية للموسيقى إلى الكويت في التسعينيّات من القرن المنصرم، هذه الفرقة التي أسستها في دار الأوبرا المصرية وترأستها سنة 1989 وتركتها للقادة الشباب من الفرقة سنة 2014 بعد 25 سنة من قيادتي لها، في هذه الرحلة اتصل بي أحد المواطنين الكويتيين ويدعى عبد الله الصايغ ودعاني لزيارته في منزله ليريني أشياء مهمة موجودة عنده. بصراحة، ومع اعتذاري للسيد عبد الله، لم أنو القيام بهذه الزيارة لضيق الوقت أولا، ثم لشكي في أن السيد عبد الله سيريني شيئا مهما فكيف بالأشياء كما وعد. لكن الفضول غلبني أخيرا وقررت أن أقتطع من الوقت الباقي لي لأزور هذا الرجل احتراما لرغبته بعد إصراره العجيب.

 

وما إن دخلت منزله حتى شعرت بأني في محراب لفن سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وكأن المكان لم يكن مكان سكن الرجل مع عائلته، بل شقة خاصة للسماع، سماع أم كلثوم فقط. الجدران مليئة بصورها: قديما وحديثا، مع آلات موسيقية: أعواد وغيرها. دخلنا المحراب الأساسي: غرفة السماع وإذا بها مليئة بأنظمة الصوت وآلات السمع: آلات تسجيل كاسيت، وآلات تسجيل بكر، ومسجلات سلك ماركوني وبسترشيكاغو التي يقدَّر وزنها بعشرات الكيلوغرامات، وآلات سماع الأسطوانات المدمجة المضغوطة (C.D). كانت المفاجأة الأولى أن الرجل قال لي إنه ينقل كل تراث أم كلثوم الموجود عنده في أشرطة الكاسيت والبكر والسلك إلى الأسطوانات المدمجة وأراني آلة تسجيل الأسطوانات هذه. ثم أسمعني أسطوانة منها سجل عليها أغنية لأم كلثوم قديمة أعترف بأنى لم أسمعها في حياتي حتى ذلك الوقت، عنده للمرة الأولى، مع صفاء مذهل في الصوت. الأغنية كانت "أتعجل العمر" التي أصبحت شبه معروفة الآن.

 

وفي أثناء الجلسة هذه أراني هذا الرجل مجلد مغلّفات من النايلون في كل مغلّف ورقة طبعت على صفحة واحدة منها أسماء أغنيات لأم كلثوم ووعدني بأن يهديني نسخة منه. وانتهت زيارتي له وعدت إلى الفندق ونسيت الموضوع. وإذ في يوم سفري بل بالتحديد ساعة مغادرة الفندق، إذ بي أرى الرجل حاملا المجلد الذي وعدني به، فأخذته معي ومرت الأيام...

 

وأخذتني طاحونة العمل في القاهرة نسيت معه المجلد وما يحتويه، إلى أن وجدته في خضم بيتي في مكتبتي مع كتب قديمة هامة. فقررت أن آخذه معي إلى لبنان لدراسته في أثناء أسبوع إجازة قضيته. وفي لبنان أعطيته لأخي الأصغر فكتور وهو دكتور في التاريخ الإسلامي ومولع بالموسيقى (كجميع أعضاء أسرتنا) لدرجة أنه حوَل نفسه إلى مؤرخ للموسيقى العربية وله فيها لغاية الآن أكثر من عشرة كتب. غير موسوعة أم كلثوم التي ألفها مع أخينا الأكبر إلياس الذي له هو الآخر باع كبير في الكتابة الموسيقية بالرغم من كونه محللا وكاتبا سياسيا. وإذا بنا نكتشف في هذا المجلد ثروة معلوماتية بكل أبعادها وتفاصيلها التوثيقية لتاريخ تراث سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

 

فما كان من أخي أمام هذا الاكتشاف إلاّ أنّه نسخ هذه الأوراق وحولها إلى مجلد سماه: أم كلثوم: يوميات الغناء (1925-1973) –عبد الله الصايغ- الكويت. وصنع منه عدة نسخ أعطاني منها واحدة.

 

Image-1764428118

 

أم كلثوم – يوميات الغناء

ينقسم المجلد إلى مواسم غناء أم كلثوم ابتداء من موسم 1925 -1926 لغاية آخر موسم قبل وفاتها 1973 كما يدل اسمه. ويبدأ بتوثيق أغنياتها التي سجلت على الأسطوانات دون البكر بما في ذلك أغاني الأفلام. ويمضي التوثيق التاريخي في وقته في هذا المجلد إلى أن يذكر مثلا أنه في موسم 1935 – 1936 عرض فيلم "وداد" وفيه ثماني أغنيات سجلت كلها على أسطوانات ما عدا واحدة وهي “حيّوا الربيع”، ويذكر حتى اسم الشركة المسجلة وهي "أوديون".

 

هذه الدقة في التأريخ والتوثيق نجدها في كل صفحة من المجلد حيث سجل سنة الموسم الغنائي مع اسم الأغنية مع سنة التسجيل مع اسم شركة الأسطوانات المسجلة. إلى أن نصل إلى موسم 1937-1938 وهي بداية مواسمها التي بدأت تسجلها على السلك لنصل إلى دقة لا متناهية في التوثيق لكل تفصيل له علاقة بتاريخ الأغنية المقدمة (ما عدا اسم المؤلف والملحن ومقام الأغنية، وسنأتي لاحقا على هذا الموضوع) ابتداء من تاريخ الحفلة، مكان إقامتها والمرة التي تغنَّى فيه الأغنية ومدتها بالدقيقة، فمثلا الحفلة الأولى المسجلة على شريط أقامتها أم كلثوم يوم 7 أكتوبر تشرين أول 1937 في قاعة إيوارث التذكارية (في الجامعة الأميركية بالقاهرة) وغنت فيها: النوم يداعب عيون حبيبي (للمرة الأولى) ومدتها 42 دقيقة، فاكر لما كنت جنبي (للمرة الأولى) 48 دقيقة، سلوا كؤوس الطلا (للمرة الأولى)51 دقيقة.

 

وتلاحق دقة هذا الرجل الأغنيات التي غنتها "الست" خارج حفلاتها وذلك برصد جميع أعداد مجلة "الإذاعة المصرية" في ذلك الوقت (وقد أراني مجموعات مجلة الإذاعة عنده واسمها "الراديو المصري" التي بدأت تصدر في شهر مارس/آذار سنة 1935) كأن يقول إن في فترة موسم 1938- 1939 وفي 18 نوفمبر/ تشرين ثاني 1938 أذاعت إذاعة القاهرة قصيدة "يا أغاني السماء" وذلك في يوم ولادة الأميرة فريال، أو مثلا في 20 يناير/كانون ثاني 1939 أذاعت إذاعة القاهرة قصيدة "ارفعي يا مصر أعلام السرور" بمناسبة مرور عام على زواج الملك فاروق من الملكة فريدة.

 

ويلاحق هذا الرجل في دقته المعلوماتية حتى الأغنيات التي سُجّلت خارج الحفلات على أسطوانات وذلك موسما موسما كأن يرصد مثلاً... وقد سُجل خلال هذا الموسم (38-39) تسجيل أغنية "حرمت أقول بتحبيني" على أسطوانات "أوديون" ولهذه الأغنية نسختان مختلفتان.

 

ومن يتابع تصفّح هذا المجلد الفريد يكتشف أغنيات غنتها أم كلثوم ولها تسجيلات عديدة نسمع باسمها للمرة الأولى، أو في أحسن الأحوال نسمع اسمها فقط ولكنها مختفية من إذاعاتنا نهائيا. من هذه الأغنيات ثلاث غنتها أم كلثوم في حفلة أول فبراير/شباط 1940 في قاعة إيورات: "هايم في بحر الحياة" (للمرة الثالثة) 43 دقيقة، "إيه أسمي الحب" (للمرة الثانية) 49 دقيقة، "ناسية ودادي وجافياني" (للمرة الثانية) 40 دقيقة.

 

ومن المؤشرات المهمة التي يلفت المجلد انتباهنا لها بدقة معلوماته: طول الحفلة بالنسبة لطول الأغنية على الأسطوانة. فمثلا قدمت أم كلثوم في 2 مايو/ آيار 1940 في قاعة إيورات التذكارية حفلة غنت فيها من ضمن ثلاث أغنيات نشيد الجامعة بمدة 38 دقيقة. ومن يعلم أن هذا النشيد سجل على وجه واحد في أسطوانة (سجلت على وجهها الآخر أغنية على بلد المحبوب) ومن يعلم أن صفحة الأسطوانة الصغيرة ذات 78 لفة في الدقيقة مدتها ثلاث دقائق (زائد أو ناقص عشر ثوانٍ) يدرك مدى مقدرة أم كلثوم على الارتجال الغنائي. وقد استطاعت بهذه المقدرة الهائلة أن تغني أغنية قصيرة جدا (ثلاث دقائق) بمدة 38 دقيقة. وهذا يذكرنا بعبقري آخر وهو محمّد عبد الوهّاب. فقد روى لي صديقي الملحن اللبناني المرحوم خالد أبو النصر اليافي أنه في الثلاثينيات من القرن المنصرم حضر حفلة لمحمّد عبد الوهّاب في مدينة حلب السورية غنى فيها من ضمن ما غنى مونولوج "كثير يا قلبي الذل عليك" وطوله لا يتعدى التسع دقائق ما غناه على مدى ساعتين ونصف. وقال لي إن المسرح تحول إلى بحر أحمر من الطرابيش التي قُذفت عليه. وروى لي أيضا الإذاعي والإعلامي الكبير الصديق المرحوم جلال معوض أن أكثر شيء ندم عليه يوم أن سلمه محمّد عبد الوهّاب تسجيل حفلة أغنية "كل ده كان ليه" وقد غناها بحضور الزعيم جمال عبد الناصر وكانت مدتها ساعة وأربعين دقيقة. وجعله يقسم ألا يُسمِعها لأحد. وفى اليوم التالي أخذ محمّد عبد الوهّاب منه الشريط وقام مع مهندس الصوت بعملية مونتاج أزال منه مدة ساعة كاملة. والتسجيل المعروف للأغنية الآن مدته بعد المونتاج: أربعون دقيقة فقط أما الساعة فيه عبارة عن ارتجالات لم تعجب (!؟!؟) المطرب. تخيلوا هذه الخسارة الفنية في سبيل الكمال الفني.

 

e60e79d4-ef30-4675-9df6-18377b2ee6f0.jpg

 

تساؤلات بلا أجوبة

لكن هذا المجلد يضعنا أحيانا أمام تساؤلات بلا أجوبة. فمثلا يذكر أن من أغنيات فيلم "دنانير" الثماني (1939-1940) لم يسجل منها على أسطوانات سوى ثلاث فقط: الزهر في الروض تبسَّم (رامي القصبجي) بكرا السفر (لزكريا أحمد وأحمد رامي) وطاب النسيم العليل (لرامي والقصبجي) على أسطوانات الشركة العربية. كما تم تسجيل أغنية يا ليلة العيد (رامي/ السنباطي) لحساب شركة كايروفون. تساؤل يطرح نفسه: لماذا لم تسجل أم كلثوم باقي أغنيات الفيلم على أسطوانات ومنها قصائد رائجة: رحلت عنك ساجعات الطيور(أو القصر المهجور لرامي والقصبجي) و"قولي لطيفك ينثني عن مضجعي" وهي تحفة شعرية تنسب إلى الشريف الرضي ويقال إنها لديك الجن الحمصي، ومن المرات النادرة جدا التي لحن فيها زكريا أحمد قصيدة، وقد تكون هي وقصيدة "أيها الرائح المجِدّ" التي تُنسب أيضا للشريف الرضي، القصائد المتوسطة الطول الوحيدة التي لحنها زكريا أحمد، إذا استثنينا أبياتا شعرية قصيرة لحن عليها موشحين وهما "يا بعيد الدار" (عباس بن الأحنف) و"بنت كرم يتموها أمها" وأغنية "زهر الربيع" ونشيد "عرب الشرق" (صالح جودت) وموشح "حامل الهوى تعب" (أبو نواس).

 

ونتابع رحلتنا في هذا الكنز العجيب لنكتشف أن أم كلثوم غنت في حفلات أغنيات عرفناها فقط من تسجيلات الأستوديو على أسطوانات كأغنيتها "ما دام تحب بتنكر ليه" تحفة محمّد القصبجي ورامي (1941) مع رائعته "رق الحبيب" 1944، قبل أن تنقطع نهائيا (إلا في فيلم "فاطمة" 1948) عن أخذ ألحان من هذا العبقري فتقتل فيه الرغبة بالعطاء وهو الذي كان يرى في صوتها المنفذ العظيم لأعماله العظيمة، فيتحول شيئا فشيئا إلى عازف عود يجلس وراءها ليعزف ألحانا لم تكن في الكثير من الأحيان في مستوى عبقريته التلحينية وتفكيره الموسيقي الفذ. نعود إلى “ما دام تحب” لنقول إنها قُدّمت لأول مرة في حفلة مسرح حديقة الأزبكية يوم 6 فبراير – شباط 1941، واستمرت "الست" في غناء هذه الأغنية 49 دقيقة بينما مدة تسجيلها المعروف على الأسطوانة ست دقائق فقط. ويكشف لنا المجلد عن أن أم كلثوم لم تكن تغني في الحفلات الأغنيات الملحنة خصيصا لها وحسب بل إنها كانت تغني أغاني من التراث القديم كقصيدة "أراك عصي الدمع" (ألحان عبده الحامولي القرن التاسع عشر) وقدمتها في 6 مارس/ آذار 1941 في مسرح الأزبكية بمدة 43 دقيقة بينما مدة تسجيلها المعروف على الأسطوانة ست دقائق فقط. وكان من المعروف خطأً أن ملحن هذه القصيدة هو أبو العلا محمّد وقد سجلتها أم كلثوم سنة 1928 أي سنة واحدة بعد وفاة معلمها أبي العلا محمّد سنة 1927 وكانت قد حفظتها منه. (ولعل هذا هو سبب اعتقادها بأنها من تلحينه. ولعل هذا أيضا هو سبب غنائها أغنية لم تكن ملحنة خصيصا لها. لكن المؤرخ محمود كامل أثبت لها، كما روى لي شخصيا رحمه الله، أن الملحن هو عبده الحامولي بواسطة أسطوانة دائرية (أسطوانة بمعنى الكلمة) بشكل كوب مسجلة في القرن التاسع عشر (عرفت مصر الأسطوانات المسطحة سنة 1903) وفي هذه الأسطوانة "مطيباتي" يصرخ في أثناء العزف والغناء "هالله هالله يا سي عبده". وكان من المعروف أن الوحيد الذي كان مشهوراً بلقب "سي عبده" هو عبده الحامولي.

 

ونصل إلى موسم 1942-1943 لنفاجأ بأنه لم تسجل أي أغنية من فيلم عايده على أسطوانات. والجدير بالذكر أننا لم نعرف هذه الأغاني إلاّ عندما ظهرت الأغاني المسجلة على الكاسيت في الستينيّات من القرن المنصرم، فبدأت تظهر الشركات التي تسجل هذه الأغاني على كاسيتات إشباعا لرغبة ملايين الهواة. تجدر الإشارة هنا أنه إلى جانب الأغنيات القصيرة فإن الفيلم يحتوي على مسمع من "أوبرا عايدة" شارك فيه مع أم كلثوم في الغناء كل من إبراهيم حمّوده (المطرب الوحيد الذي غنى مع أم كلثوم ديالوجات) وعبد الغني السيد وفتحية أحمد وأنطون سليم. ويعتبر هذا المسمع من أهم ما لحّن السنباطي في حياته ويكشف عن خيال تلحيني درامي عملاق حدّه كثيرا تلحين الأغنيات الفردية. تجدر الإشارة أيضا إلى أنه لأسباب تجارية بحتة اقتطع من الفيلم المسمع الذي لحنه محمّد القصبجي بحجة أنه كان ثقيلاً على أسماع مشاهدي الفيلم. وهكذا فُقد هذا المسمع إلى الأبد (وأرجو أن أكون مخطئا في حكمي هذا). حتى أنه لم تُترك ولو نسخة واحدة من الفيلم كاملة للتاريخ كي نعرف هل سبب الاقتطاع هو فعلا فشل القصبجي في تلحين المسمع أم انه كان سابقا لعصره لدرجة عدم فهم جمهور تلك الفترة لعبقرية هذا الملحن. لقد فقدنا للأبد قدرتنا على تحديد السبب وفقد القصبجي حكم التاريخ العادل والحاسم.

 

ونكتشف أيضاً من هذا المجلد أن أم كلثوم لم تغن فقط في أول خميس من كل شهر بل ان هناك مواسم كثيرة غنت فيها أكثر من حفلة في الشهر (غير الحفلات الرسمية الخاصة)، كموسم 1944 حين غنت حفلتين في مسرح الأزبكية في الثالث والسابع عشر من فبراير/ شباط. وفي نفس السنة 1944 غنت حفلتين في شهر مايو/ أيار وحفلة يونيه/ حزيران. والجدير بالذكر أنها غنت "الأولة في الغرام" في حفلتي مايو/ أيار كما غنتها في حفلة يونيه/ حزيران (ثلاث مرات في أسبوعين) كما أنها غنت في حفلتي يونيه/ حزيران أهل الهوى مرتين.

 

2 qassab_UK.jpg

 

تفاصيل تاريخية

ويسجل المجلد تفاصيل تاريخية مهمة في حياة أم كلثوم كأن يذكر أن حفلة 24 سبتمبر/ أيلول 1944 التي أقيمت في النادي الأهلي "حضرها الملك فاروق وأنعم على الآنسة أم كلثوم بنيشان الكمال المصري".

 

وغنت في هذه الحفلة "أنا في انتظارك" للمرة السادسة (31 دقيقة). "يا ليلة العيد آنستينا" للمرة الأولى (35 دقيقة). والكوبليه الأخير من أغنية "حبيبي يسعد أوقاته" وأظن أن هذا هو التسجيل الذي يُقاطع عدة مرات بهتاف أم كلثوم بعبارة "لك يا مليكي" بدلاً من "وانت حبيبي".

 

ونصل إلى موسم 1944- 1945 وإلى فيلم سلامة الذي لم تسجل على أسطوانات من أغانيه التسع سوى أربع. ومن أغنيات هذا الفيلم العظيمة التي لم تسجل على أسطوانات الموال الرائع "برضاك يا خالقي" (بيرم التونسي – زكريا أحمد) والموشح الرائع يا بعيد الدار (عباس بن الأحنف – زكريا أحمد). وقد تكون هذه المرة الوحيدة التي سجلت فيها أم كلثوم موشحا. وفى الموسم 1945-1946 نكتشف أنه من أغنيات محمّد القصبجي التي كانت تغنيها بكثرة في مواسمها السابقة لم تُبقِ أم كلثوم إلاّ على "رق الحبيب" التي غنتها في حفلة مسرح حديقة الأزبكية في 6 ديسمبر/ كانون أول 1945 للمرة الأولى في 18 سبتمبر/أيلول 1941 في نفس المسرح مع أغنيتي "هلّت ليالي القمر" و"الأمل".

 

ويخبئ لنا موسم 1946 مفاجأة غريبة. ففي 12 يناير/ كانون ثاني 1946 "أذاعت إذاعة القاهرة قصيدة سلوا قلبي بمناسبة زيارة عاهل المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود لمصر وفيها أضافت الآنسة أم كلثوم خمسة أبيات من شعر الشاعر محمّد الأسمر تنوه فيها بجلالة الملك عبد العزيز وبجلالة الملك فاروق". وتجدر الإشارة هنا إلى أن محمّد الأسمر هو ناظم قصيدة "زهر الربيع يُرى أم سادة نجب" التي لحنها زكريا أحمد وشدت بها أم كلثوم في حفلة خاصة أقيمت في الثاني والعشرين من مارس/ آذار 1945 ابتهاجا بمناسبة توقيع ميثاق جامعة الدول العربية. وقد تمّ في هذا الموسم تسجيل قصيدة السودان لحساب كايروفون.

 

وتأتي سنة 1947 لنعرف أن أم كلثوم غنت في أثنائها "وفي قصر القبة العامر أغنية الزفة (مبروك على سموِّك وسموُّه) حيث زفت بهذه الأغنية صاحبة السمو الأميرة فوزية في ليلة زواجها من الأمير محمّد شاهبور" [الذي أصبح شاه إيران فيما بعد]. وفي هذه السنة نزل إلى الأسواق فيلم فاطمة الذي تضمن تسع أغانٍ تم تسجيل ست منها فقط على أسطوانات، ومن بينها أغنية "ظلموني الناس". ولهذا التسجيل قصة روتها لي الصديقة العزيزة والمطربة اللبنانية العظيمة وزميلتي في إذاعة لبنان حيث كنت أعمل، قبل استقراري النهائي في مصر، لغاية 1988، المرحومة زكية حمدان. ففي يوم تسجيل الأغنية كانت لزكية حمدان مساء هذا اليوم حفلة غنائية على أحد مسارح القاهرة. وكان من ضمن العازفين في فرقتها عازف الناي سيد سالم وهو أيضا العازف في الفرقة المصاحبة لأم كلثوم. ولما ذكرته زكية حمدان بخصوص حضوره مساءً أكد لها بأنه آتٍ لا محالة: فالتسجيل سيبدأ في العاشرة صباحا وسينتهي بالتأكيد قبل الحفلة. وجاء وقت بدء الحفلة وسيد سالم غائب فبدأت زكية حمدان بالعزف على العود (وهي ماهرة في العزف) وغناء الليالي. ومرّ الوقت وسيد سالم لم يحضر، فقررت زكية البدء من دونه. وفى منتصف الوصلة الأولى وصل سيد وتسلل من بين الكواليس إلى مقعده وباشر بالعزف مع الفرقة. ولما بدأت زكية تكلمه عن تأخره عند انتهاء الوصلة الأولى أقسم لها أنه وصل مباشرة من الاستوديو. فقد ظلت أم كلثوم تعيد التسجيل لغاية ما بدأت في البكاء من شدة التأثر وهي تغني. وكان هذا هو التسجيل الذي طُبع على الأسطوانة التي نعرفها. ويأتي 4 ديسمبر/ كانون أول لتغني فيه أم كلثوم المرة الوحيدة أغنيتها العظيمة "حلم" (حبيب قلبي وافاني في ميعاده- بيرم التونسي- زكريا أحمد). وحلم ليست الأغنية الوحيدة التي ليس لها سوى تسجيل واحد فقط فهناك لائحة في هذا المجلد العجيب تعرض هذه الأغاني سوف نأتي على ذكرها لاحقا.

 

وتتوالى المواسم الغنائية مرورا بأغنيات أذاعتها إذاعة القاهرة ولم تسجل على أسطوانات. إلى أن نصل إلى موسم 1949 فنلاحظ أن أم كلثوم بدأت تقلل من تقديم أغنية "رق الحبيب" لمرة واحدة في السنة إلى أن جاءت سنة 1956 حين قدمتها لأخر مرة في حفلة 3 مايو/ أيار بعد انقطاع سنتين. هنا نطرح سؤالاً كبيرا حول علاقة أم كلثوم بهذا الملحن العبقري والمفكّر الموسيقي الفذ محمّد القصبجي. هل كانت أم كلثوم تقدم مونولوج "رق الحبيب" إيمانا منها بعبقرية هذا الملحن ولحنه أم ترضية منها له (من باب رفع العتب). وتسبب الكسر النفسي الصاعق الذي أحدثته أم كلثوم عند هذا العبقري بتوقفه عن التلحين، بعدما رفضت ما قدمه من ألحان تلت "ما دام تحب" و "رق الحبيب". فلم يعد لهذا العبقري الكبير وجود موسيقي إلاّ كملحن لبعض أغاني الأفلام وكعازف عود لآخر يوم في حياته وراء التي أحبها لدرجة العبادة والتي نفذت بصوتها أعماله وأفكاره وتجديداته الموسيقية العبقرية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث