لطالما كانت دراما الجريمة صنفاً فنياً له جماهيرية واسعة، وهو يرسم خطوطاً واضحة بين الخير والشر، والفوضي والنظام. ولعل بعضاً من أسباب تلك الشعبية يعود إلى تفريغه طاقات العنف والقلق الاجتماعيين عبر تجسيد الجريمة، ومن ثم إعادة التوازن إلى العالم حين يُدان الجناة وتنتصر العدالة. وغالباً ما تخدم دراما الجريمة أيديولوجيا الدولة وبالأخص أدواتها الصلبة من مؤسسات الشرطة والنظام القضائي والسجون، باعتبارها حلاً للطبيعة البشرية المضطربة.
بعض من تلك الملامح ينطبق على المسلسل المصري، "ورد وشوكولاته" من إخراج محمد العدل، والذي عرض عبر منصة "يانغو بلاي" مؤخراً بصفته أحد إنتاجاتها الأصلية، ونال نجاحاً جماهيرياً كبيراً ونصيباً وافراً من الجدل.
في جانب منه يمكن وضع المسلسل ذي الحلقات العشر، داخل دائرة دراما الجريمة، لولا أن صنّاعه صنّفوه، في تصريحاتهم الإعلامية، ضمن الدراما الرومانسية أو الدراما النفسية والاجتماعية. وهذه التوصيفات تحمل وجاهتها بلا شك، فالمسلسل يدور حول علاقة عاطفية تربط الإعلامية المشهورة والجريئة مروة (تقوم بدورها الفنانة زينة) بصلاح (محمد فراج)، وهو محامٍ ناجح يغطي مظهره الجذاب والواثق على هوسه بالسيطرة. تنتهي العلاقة بقتل صلاح لزينة، بحيث تكون ذروة الحبكة هي الجريمة، إلا أن تركيز الأحداث يظل معنياً ببنية العلاقات السامّة. ويشير منتج العمل جمال العدل في تصريحات صحافية إلى أن الخط العام للمسلسل هو "الجريمة داخل حياة عادية" أو"كيف تتحول حياة تبدو عادية إلى جريمة مأسوية". بالفعل "ورد وشوكولاته" ليس دراما بوليسية تقليدية، وهو أيضاً لا ينسب الجريمة إلى الشر الخالص بل إلى شبكة من القرارات الخاطئة والأطماع والمخاوف والمشاعر والعلاقات المعقدة.
التنظيرات حول دراما جريمة "ما بعد الحداثة" تذهب إلى أنها شديدة الواقعية، بحيث تصبح الحدود بين الدرامي والواقعي في غاية الضبابية وعدم التحديد. ولعل العادية هي أعلى درجات الواقعية، بشكل يخدم الميزة الأخرى لدراما الجريمة المعاصرة، أي التأكيد على عيشنا في"مجتمع الخطر". كل حياة عادية تحمل داخلها إمكانات الانهيار المفاجئ، والآخرون مهما بدوا من الخارج أنهم لا يشكلون تهديداً لنا، يستدعي مجتمع الخطر التوجس الدائم والحاجة إلى المراقبة والضبط الدقيق للجميع.
بأكثر من معني، يعد "ورد وشوكولاته" مسلسلاً واقعياً. فهو مقتبس عن جريمة قتل حقيقية هزت الرأي العام في العام 2022، أي مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها القاضي في مجلس الدولة أيمن حجاج وشريكه حسين الغرابلي. والمسلسل واقعي أيضاً بحكم قربه الزمني من الواقعة الأصلية. والجدير بالذكر أن تنفيذ حكم الإعدام في الجانيَين نُفذ في نهاية آب من العام الحالي، أي قبل شهرين من بث الحلقة الأولى من المسلسل. وكأن الدراما والواقع يتجاوران في حيز زمني واحد، أو يحدثان معاً بإيقاع متزامن. أما الطبقة الثالثة من الواقعية، أو بالأحرى من تداخل الواقعي والدرامي، فتأتي من التغطية الإعلامية الموازية لعرض المسلسل، إذ استضافت البرامج التلفزيونية والدة المَجني عليها وصديقة لها ومحامي الجاني وغيرهم ممن عايشوا الشخصيات، وذلك للتعليق على أحداث المسلسل ومقارنته بالوقائع الأصلية، بل والتعليق على الطريقة التي ظهرت بها شخصياتهم في المسلسل.
بشكل ما، تندمج تلك اللقاءات مع المسلسل في وحدة واحدة أمام الجمهور، في ما يشبه تلفزيون الواقع، وتنعكس دورة العلاقة بين الواقع بالدرما، بحيث تغذي الدراما الواقع. المثير للسخرية هو تقدم عدد من المحامين بعريضة قانونية تطالب بوقف عرض المسلسل بسبب تغيير صنّاعه لوظيفة الجاني، من قاضٍ إلى محامٍ، وهو ما يسيء بحسبهم إلى مهنة المحاماة. هنا يبدو عدم تطابق الدراما مع الواقع بالكامل عيباً يوصم به المسلسل.
ورغم تبديل صنّاع "ورد وشوكولاته" لمهنة الجاني، إلا أن القاضي والمحامي يتشاركان في انتمائها إلى منظومة العدالة. على النقيض من العادية التي تصور به الجريمة في المسلسل وعلاوة عليها، ثمة استثنائية في الجريمة التي يتم تناولها. في حالتنا هذه، يأتي الخطر من داخل مؤسسة القانون. لدينا تأكيد مزدوج على "مجتمع الخطر"، تأكيد بالعادية وتأكيد بالاستثناء في آن واحد. وفي مقابل هذا الخطر المعمم، ثمة تطهر مؤسسي، إذ تلفظ منصة القضاء القاضي الضال، وتدينه وتحكم عليه بالإعدام، وتلفظ مهنة المحاماة الشخصية الدرامية وتتقدم بعرائض ضدها أمام القضاء. هكذا وكعادة دراما الجريمة، تعود الأمور إلى نصابها في النهاية، وبحكم سلطة مؤسسات الدولة.
