"ورد وشوكولاته": جريمة الواقع

شادي لويسالسبت 2025/11/29
Image-1764416897
مقتبس عن جريمة قتل حقيقية هزت الرأي العام في العام2022، أي مقتل الإعلامية شيماء جمال
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما كانت دراما الجريمة صنفاً فنياً له جماهيرية واسعة، وهو يرسم خطوطاً واضحة بين الخير والشر، والفوضي والنظامولعل بعضاً من أسباب تلك الشعبية يعود إلى تفريغه طاقات العنف والقلق الاجتماعيين عبر تجسيد الجريمة، ومن ثم إعادة التوازن إلى العالم حين يُدان الجناة وتنتصر العدالةوغالباً ما تخدم دراما الجريمة أيديولوجيا الدولة وبالأخص أدواتها الصلبة من مؤسسات الشرطة والنظام القضائي والسجون، باعتبارها حلاً للطبيعة البشرية المضطربة

 

بعض من تلك الملامح ينطبق على المسلسل المصري، "ورد وشوكولاتهمن إخراج محمد العدل، والذي عرض عبر منصة "يانغو بلايمؤخراً بصفته أحد إنتاجاتها الأصلية، ونال نجاحاً جماهيرياً كبيراً ونصيباً وافراً من الجدل.

 

في جانب منه يمكن وضع المسلسل ذي الحلقات العشر، داخل دائرة دراما الجريمة، لولا أن صنّاعه صنّفوه، في تصريحاتهم الإعلامية، ضمن الدراما الرومانسية أو الدراما النفسية والاجتماعيةوهذه التوصيفات تحمل وجاهتها بلا شك، فالمسلسل يدور حول علاقة عاطفية تربط الإعلامية المشهورة والجريئة مروة (تقوم بدورها الفنانة زينة) بصلاح (محمد فراج)، وهو محامٍ ناجح يغطي مظهره الجذاب والواثق على هوسه بالسيطرة. تنتهي العلاقة بقتل صلاح لزينة، بحيث تكون ذروة الحبكة هي الجريمة، إلا أن تركيز الأحداث يظل معنياً ببنية العلاقات السامّةويشير منتج العمل جمال العدل في تصريحات صحافية إلى أن الخط العام للمسلسل هو "الجريمة داخل حياة عاديةأو"كيف تتحول حياة تبدو عادية إلى جريمة مأسوية". بالفعل "ورد وشوكولاتهليس دراما بوليسية تقليدية، وهو أيضاً لا ينسب الجريمة إلى الشر الخالص بل إلى شبكة من القرارات الخاطئة والأطماع والمخاوف والمشاعر والعلاقات المعقدة

 

التنظيرات حول دراما جريمة "ما بعد الحداثةتذهب إلى أنها شديدة الواقعية، بحيث تصبح الحدود بين الدرامي والواقعي في غاية الضبابية وعدم التحديدولعل العادية هي أعلى درجات الواقعية، بشكل يخدم الميزة الأخرى لدراما الجريمة المعاصرة، أي التأكيد على عيشنا في"مجتمع الخطر". كل حياة عادية تحمل داخلها إمكانات الانهيار المفاجئ، والآخرون مهما بدوا من الخارج أنهم لا يشكلون تهديداً لنا، يستدعي مجتمع الخطر التوجس الدائم والحاجة إلى المراقبة والضبط الدقيق للجميع

 

بأكثر من معني، يعد "ورد وشوكولاتهمسلسلاً واقعياً. فهو مقتبس عن جريمة قتل حقيقية هزت الرأي العام في العام 2022، أي مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها القاضي في مجلس الدولة أيمن حجاج وشريكه حسين الغرابليوالمسلسل واقعي أيضاً بحكم قربه الزمني من الواقعة الأصليةوالجدير بالذكر أن تنفيذ حكم الإعدام في الجانيَين نُفذ في نهاية آب من العام الحالي، أي قبل شهرين من بث الحلقة الأولى من المسلسلوكأن الدراما والواقع يتجاوران في حيز زمني واحد، أو يحدثان معاً بإيقاع متزامنأما الطبقة الثالثة من الواقعية، أو بالأحرى من تداخل الواقعي والدرامي، فتأتي من التغطية الإعلامية الموازية لعرض المسلسل، إذ استضافت البرامج التلفزيونية والدة المَجني عليها وصديقة لها ومحامي الجاني وغيرهم ممن عايشوا الشخصيات، وذلك للتعليق على أحداث المسلسل ومقارنته بالوقائع الأصلية، بل والتعليق على الطريقة التي ظهرت بها شخصياتهم في المسلسل

 

بشكل ما، تندمج تلك اللقاءات مع المسلسل في وحدة واحدة أمام الجمهور، في ما يشبه تلفزيون الواقع، وتنعكس دورة العلاقة بين الواقع بالدرما، بحيث تغذي الدراما الواقعالمثير للسخرية هو تقدم عدد من المحامين بعريضة قانونية تطالب بوقف عرض المسلسل بسبب تغيير صنّاعه لوظيفة الجاني، من قاضٍ إلى محامٍ، وهو ما يسيء بحسبهم إلى مهنة المحاماةهنا يبدو عدم تطابق الدراما مع الواقع بالكامل عيباً يوصم به المسلسل

 

ورغم تبديل صنّاع "ورد وشوكولاتهلمهنة الجاني، إلا أن القاضي والمحامي يتشاركان في انتمائها إلى منظومة العدالةعلى النقيض من العادية التي تصور به الجريمة في المسلسل وعلاوة عليها، ثمة استثنائية في الجريمة التي يتم تناولهافي حالتنا هذه، يأتي الخطر من داخل مؤسسة القانونلدينا تأكيد مزدوج على "مجتمع الخطر"، تأكيد بالعادية وتأكيد بالاستثناء في آن واحدوفي مقابل هذا الخطر المعمم، ثمة تطهر مؤسسي، إذ تلفظ منصة القضاء القاضي الضال، وتدينه وتحكم عليه بالإعدام، وتلفظ مهنة المحاماة الشخصية الدرامية وتتقدم بعرائض ضدها أمام القضاءهكذا وكعادة دراما الجريمة، تعود الأمور إلى نصابها في النهاية، وبحكم سلطة مؤسسات الدولة

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث