النساء والتعليم: في مجلس أمّي ورسائل جدّي المهاجر

هدى العطّاسالسبت 2025/11/29
Image-1764403459
تلميذات يمنيات في مطلع سبعينات القرن الماضي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

هذا النص شهادة عن أحوال تعليم الفتيات والنساء في المجتمع اليمني الجنوبي التقليدي الذكوري وتحولاته. وعن مجتمع عائلي نسائي يهيمن عليه رجال غائبون في المهاجر، ويخشون على بناتهم من التعليم، وأحيانًا يختارون لهن أزواجًا في رسائل يبعثونها إلى زوجاتهم. وذلك في الوقت الذي كان فيه النظام الاشتراكي في جنوب اليمن يصرُّ على تعميم التعليم ليشمل الفتيات اللواتي جابه المجتمع التقليدي تعليمهن. 

والشهادة هذه مقدمة كتاب بحثي للكاتبة اليمنية هدى العطاس في عنوان "المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد". وقبل أن تُصدر "دار رياض الريس" الكتاب قريبًا، خصّت "المدنَ" بنشر مقدمته- الشهادة هذه. 

 

Image-1764404550

 

هناك، في واد عتيق بين جبال ذهبية مقدودة، وفي بيت من بيوت طينيّة شَاهِقَة تُذهِّبها أشعة الشمس، فتحتُ بصري وبصيرتي على حلقات نسوة تُحِطن بأمي، شاخصات إليها بأبصارهن وأسماعهن. كنتُ طفلة بعدُ، وإلى بيت أخوالي كانت تأتي نسوة لتكتب أمي رسائلهن لأزواجهن وذويهن المهاجرين. واحدة تلو أخرى كنّ ينسربن خلفها إلى غرفة قصية في المنزل، بعيدًا عن أسماع أهل الدار. 

 

الشرف والتعليم

عصرًا كانت تتوافد إلى الدار فتيات صغيرات، فتتحلقن أيضًا حول أمي لتعلمهن القراءة والكتابة. كانت تلك مبادرة تتجاوز تقاليد القرية، بعدما أقر نفر من أهالي الفتيات بأن الحياة قد تغيرت. فـَ "مَعلامَة" القرية - وهذه اسم مكان بالمحكية اليمنية، مشتق من فعل علّم وكلمة معلِّم، وفيه كانت تتعلم البنات والصبيان قراءة القرآن الكريم - فاتها الزمن وصارت قاصرة عن مجاراته. وكانت الدولة الجنوبية (اليمن الديمقراطية الشعبية) قد نشرت المدارسَ في منتصف السبعينات بقرى وادي دوعن بحضرموت في اليمن الجنوبي. لكن قلة من أهالي الوادي ألحقوا بناتهم بتلك المدارس، فيما امتنع عنه كثيرون، قبل أن تجبرهم عليه سلطات دولة الحزب الاشتراكي لاحقًا. 

وكان بيت أخوالي عامرًا بمكتبة بها أصناف من كتب التراث والشعر والملاحم والفلك والطب السحر والتنجيم، وبمخطوطات غريبة الخط واللون والتكوين. لكن وفرة منها ذهبت ضحية جهل نساء العائلة وأميتهن: رمينها في أتون نار التنور وقودًا للطهي. أما أمي فحالفها الحظ، فأفلتت من بين فتيات جيلها من الجهل والأميّة. وكانت حلقة فتياتها في منزلنا، منزل أخوالي، من اللواتي رفض أهلهن إلحاقهن بالمدارس، خشية عليهن وعلى سمعتهن - أي شرف الرجال - طالما أنهن تجاوزن الطفولة إلى سن البلوغ. لكن تلك الخشية لم تبدد حدس النساء وإدراكهن أن التعليم أو إتقان القراءة والكتابة أصبح ضرورة لحياة الفتيات اللواتي كانت والدتي ملجأهن، حيث كنتُ في طفولتي أرقب لهفة عيونهن اللامعة تتابع حركة شفاه أمي وهي تملي عليهن الأحرف والكلمات. 

أذكرُ الطيف البعيد لتلك الحلقة التي كانت تتسع وتتبدل مريداتها اللواتي تحصّلن منها على قدر يسير من القراءة والكتابة. قدر كان يكفيهن ويكفي أهلهن من مغبة أو شر البحث عن كاتب أمين لرسائلهن إلى رجالهن المهاجرين، وشر انكشاف أسرارهن لكاتب/ـة من خارج عائلاتهن. 

 

سحر المدينة والخوف منها

كان التعليم الذي مكّن والدتي من القراءة والكتابة، قد وفر لها مظهرًا عصريًا استلهمته وانطبع في مخيلتها وذائقتها من مجلات وكتب كانت توصي كل مسافر إلى مدينة عدن أو المكلا بجلبها لها. وذلك رشحها لتكون مرجعًا لنساء القرية، فيجئن اليها حاملات أقمشة وحليًّا، لتساعدهن في اختيار ألوانها وموديلاتها. كانت تمثل لهن نموذج أو مثال فتاة المدن التي يعمل فيها أزواجهن، ويراودهن طموح التشبه بهن: أثوابها القصيرة إلى الركبة، خلافًا لأثواب نسوة القرية الطويلة حتى أقدامهن. تسريحة شعرها المميزة. الكريمات التي تضعها على وجهها. واستماعها إلى الأغاني ومعرفتها بها وتمثُلها معاني كلماتها، إلى جانب قراءتها الكتب. 

وترسخ في ذهني موقع والدتي المتميز بين نساء القرية، حينما كانت تصطحبني إلى مناسبات اجتماعية، فأرى النسوة يوسِّعن لها مكانًا في صدر المجلس. وإذ يدفعُها تواضعها إلى رفض التصدر، كانت نسوة تمسكن بيدها وتسحبنها لتتوسط مجلسهن، فينالني أنا وأختي حظ من هذا التميز الذي نتشاوف به على قريناتنا اللواتي كان موضع جلوسهن زاويةً في ذيل المجلس.

من مجلسي كنت أسمع وشوشات شابات صغيرات حديثات الزواج، تنشدن من أمي مساعدتهن في اختيار مظهرهن لمناسبة ما. أخريات تستأذنّها القدوم إلى دار أخوالي لتكتب لهن رسائلهن الشهرية، لأزواجهن المهاجرين.

كانت أمي مثالًا حيًا لما يضيفه التعليم إلى شخصية المرأة، دورها ومكانتها. وكانت تميل قليلًا عنقها الطويلة، نحو الجهة اليسرى، رافعة ذقتها، فيمنحها ذلك مظهرًا أميريًّا. وحينما كبرتُ رحت أسائل نفسي: هل طول عنقها تكوين بدني أم استجابة منها لغرور خفيّ مبعثه قدرتها على القراءة والكتابة واطلاعها على ما جنبها مغبات كثيرة.

كان انتقال عمل جدي لوالدتي إلى مدينة المكلا وإقامته وأسرته فيها بضع سنوات، ما وفّر لأمي قسطًا من التعليم. لكن ما أن ظهرت استدارات الأنوثة على جسدها وملامحها، حتى قرر إعادة أسرته إلى القرية في الوادي، خوفًا وخشية على ابنته من المدينة وعاداتها ومتاحاتها.

 

Image-1764403065

 

ثم لم يلبث جدي أن قرر مغادرة المكلا إلى مهجر جديد بعيد. ومن هناك بعث رسالة إلى جار له في القرية - وهو شيخ جليل معروف بمكانته وعلمه - طالبًا منه رعاية أن تواصل ابنته تعلمها في المنزل، ويشرف الشيخ على تحصيلها المعارف الدينية ومدّها بالكتب. 

وأرسل جدي رسالة أخرى إلى جدتي يأمرها أن تمتثل لما طلبه من جارهم الشيخ. ولأن أمي مولعة بقص حكايات سير العائلة علي، حكت لي عجيب ما حملته رسائل جدي من أقدار رسمت مصيرها، وتدخلت حتى في رسم شكلها الخارجي. ومن ذلك عدم وجود ثقب في أنفها ووشم على وجهها، كمعظم نساء الوادي اللواتي في عمرها. 

روت لي أن واحدة من رسائل جدي القديمة من مهجر سابق على المكلا، حينما كانت أمها حامل بها، انقذت وجهها وأنفها، ومنحتها ملامح نساء المدينة. ففي ذلك الزمن كانت العادات تفرض أن تُثقب أنوف الطفلات بعد ولادتهن بأيام، ليعلِّقن في الثقوب، بعد زفافهن، قرطًا ذهبيًا أو فضيًا كبيرًا يميزهن كمتزوجات. رسالة جدي تلك التي حذرت زوجته الحامل من ثقب أنف طفلته ووشم وجهها، نجّت أمي من تلك العادة المتبعة في القرية، ففازت بوجه صاف من الوشم وأنف جميل غير مثقوب. 

لا أظن أن إشراقات جدي واستشرافاته القليلة تلك، إلا شطرًا رحيمًا من أثر مهجره، ولا أظنها انطوت على وعي حقوقي يخرج عن نمط الذكورة البطريركية المعتادة السائرة، لترسم لوالدتي ومن ثم لحفيداته مسار حياة مختلفة متفردة عن نساء العائلة اللواتي سادت الأمية حياتهن لأجيال، وسحقت التقاليد المتوارثة كياناتهن الإنسانية، وأدرجتهن في نساء القطيع: نظام العائلة الممتدة الذي يطبعهن بالامتثال والطاعة. 

 

امرأة في موقع رجل 

كانت ديار أخوالي متجاورة. ومعظم الدور كانت تسكنها نساء بلا رجال هاجروا وانقطعوا سنوات طوال في مهاجرهم. وقد يكون التعليم أولًا، وإشراقات جدي القليلة تاليًا، ما جعل أمي امرأة تحظى بموقع رجل في عالم النساء ذاك: الإمساك بمركزية السلطة والتصدر والقرار، وامتثال نساء العائلة لها. 

ولربما بنزوع إلى السلطة محبوس في لا وعيها، أدركت أمي أن التعليم واتساع المعارف هما اللذان منحا الرجال مرتبتهم وسلطتهم على النساء في مجتمع تكرِّس تقاليده المتوارثة تجهيل نسائه وعزلهن وتغييبهن.

وماثلت والدتي في بعض سلوكها مسلك الرجال: لم تكن تشارك في أعمال المنزل من طبخ وغسيل وتنظيف. وهذه كانت تُنذر لها النساء، ويُعاب على الرجال مزاولتها. أما المجاملات الاجتماعية، فأوكلتها لنساء العائلة الأخريات. وهي تقشفت، إلا نادرًا، في حضور المناسبات الاجتماعية وتجمعات النساء التي كانت ترى في ما تطرقنه فيها من أحاديث، تكريس للجهل والثرثرة. 

أما علاقاتها فقصرتها على عدد قليل من صديقات الأسرار، أولئك اللواتي جمعتها بهن أُلفة ومشتركات:  بعضهن عشن مدة في مدن المهاجر. أخريات تمكّنّ من القراءة والكتابة، وأن اقتصر ما يقرأنه على القرآن وكتب الدين. وإلى انصرافها إلى تعليم الفتيات وإعطاء النصائح الجمالية والنفسية لمن تلجأن إليها من نساء القرية، أمضت أمي معظم أوقاتها في قراءة الروايات والشعر وأنواع من كتب السياسة والتاريخ والمذكرات والفن ومجلات الموضة.

ربما مثل نساء الروايات التي كانت تقرأها، وكنساء الروايات المختارة لأبحاثي عن صور المرأة العربية، عانت والدتي في المؤسسة الزواجية التي أدخلتها إليها واحدة من رسائل والدها، يُبلغ فيها جدتي أنه عقد قران ابنتها، والدتي، على من سيصير والدي. لكنها بعد سنوات من معاناتها، هي من قررت، أن تغادر تلك المؤسسة، متمردة على تقاليد عائلتها وعلى صبر النساء وخضوعهن. 

لقد مثّلت إمي بذلك نموذجًا لعناصر كثيرة من بحثي: مجتمع تقليدي ذكوري في ريف قصي من البلاد العربية. ريف نساؤه أميات مغلوبات الحال، وتسومهن أشكال وألوان من العنف والانتهاكات. وفي المقابل كانت القدرة على القراءة والكتابة حالة فارقة تخطت بها والدتي واقعها، ومن ثم مكنتنا، نحن بناتها، من مسار ومصير مختلفين عن معظم مجايلاتنا في الدوائر العائلية والقرابية في القرية وفي مدينة عدن.

 

نساء الاشتراكية

أمنا المتعلمة، وولادتنا في عهد دولة ونظام مختلفين، كانا السبب الرئيس في نيل فرصتنا كاملة من التعليم. وإذا كان جدي، في لحظة وعي مفارقة، قد حرص على تعليم ابنته القراءة والكتابة بطريقته وبوسائل تقليدية بسيطة وقديمة، فأن مصيرنا التعليمي، نحن حفيداته، رعته سلطات دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. فهي اتخذت القرار والتدابير والإجراءات لانتشار التعليم حتى أقصى مكان في جغرافية الجمهورية الاشتراكية. 

وإذا كانت أمي قد اختطت أولى ملامح مصيري، فإن ذلك النظام الاشتراكي تولى استكمال ذاك المصير ورعايته وتوسيع أفقه، بعدما غادرت أسرتنا قريتنا في الوادي، متوجهة للإقامة في عدن، حيث رافقتني تلك الاستيهامات الطينية الذهبية، واختلطت بزرقة البحر المتشاوف بمداه وبشواطئه الساهمة في الأفق، في مدينة شبه جزيرة، تحتضنها من الخلف جبال بركانية.

ولأن المصائر تجري بترتيب خفي ومتسق، فإن وعيي الذي تفتح على كتب الأقبية ومخطوطاتها في الوادي، استُكمِل بعضه بتجربة الحياة في ظل النظام الاشتراكي الماركسي، كما كان يقال عنه! 

وما زالت ذاكرتي عابقة بذاك الزمن وذلك النظام: شوارع نظيفة مخططة تتوسطها إشارات مرور ملزمة. رجال أنيقون عصريو الشكل. نساء سافرات اعتنين بزينتهن المشاعة غير المدموغة بالفجور والوصم. مدارس بمرافق منظمة وحدائق وملاعب رياضية. اختلاط في التعليم يرسخ سوية إنسانية بين الجنسين، ويهيئ أنوية اجتماعية معافاة. وهذا ما حرض لدي روح المنافسة الرياضية والتحدي والفوز على زملائي الذكور، مدفوعة بهاجس أن أمحو رواسب التعنيف الذي نلته لتفضيلي ألعاب الفتيان في وادي طفولتي. والاختلاط هو الذي سنح لفتى بعينين داعجتين أن يصبح نسيجًا من صوف ملون خِطتُ منه تكهناتي العاطفية الأولى. وكانت حفلات الموسيقى والرقص الشعبي المشترك في مدارس "الاشتراكية"، وانخراطي فيها بروحية مريد مجذوب، تتصادى ربما وهوى دماء في عروقي متصل بإحدى جداتي من أصول إفريقية. وعلى خلاف فتيات طفولتي لم أكن أهاب الرقص وسط الرجال بمعية والدي، وعلى وقع دهشتهم وتحببهم للطفلة التي تتقن الرقص والتمرد في الوادي العتيق الذي غادرته.

القبو والردهات بشبابيكها المغطاة بنسيج العنكبوت في بيت أخوالي بقرية الوادي، اسبدلتها في عدن بمكتبات عامة فسيحة القاعات أرتدتها بنهم. شغفتني هواية القراءة، فعزفت عن كل لعب طفولي. اللعب الذي حُرِّم علي لاحقًا لتهيئتي لزواج مبكر كان يرتبه لي والدي. لكن قدرًا انقذني منه، مثلما منحني قدر سابق أما مثقفة، سبقتني إلى الكتاب والوعي، بل ودفعتني اليهما وإلى تمرد وصلادة شديدين أصبحا وسميَّ وحارسيَّ الشخصيين حتى اللحظة.

ولادتي ونشأتي في ظل نظام سياسي وطني اشتراكي بعد استقلال جنوب اليمن عن بريطانيا، واتخاذ ذاك النظام توجهٍ يساريٍّ أقرَّ دستورُ دولتِه حقوقًا متساوية للنساء والرجال، مكناني وأخواتي من تعليم مجزٍ ومعتبر في عدن. ومكّنا منه - وإن بتفاوت في ثمراته - فتياتٍ كثيرات وصلت المدارس النظامية إلى قراهن النائية، بعدما أقدمت أجهزة النظام التشريعية والتنفيذية بحزم على تطبيق المساواة بين الجنسين وفرض التعليم الإلزامي في عموم البلاد. 

 

Image-1764404626

 

"مواسم الهجرة" إلى الكتابة

كان وادي دوعن في حضرموت البيئة الأشد محافظة وتزمتًا في رفضها إلحاق الفتيات بتلك المدارس. وهذا ما دفع بسلطات الدولة إلى فرض تعليم الفتيات بالقوة في قرى الوادي. أما مدينة عدن التي انتقلنا للسكن الدائم فيها، فكانت شبه جزيرة مفتوحة على بحر وأفق يطلان على قارة أخرى، وفيها بقايا مجتمع "كوزموبوليتاني" يتجاور ويتعايش فيه التنوع والتناقضات. 

عالم المدينة الذي لا تحدُّ مفاجآته لطفلة مثلي قادمة من الريف، منحني شخصية ذاتية أتاحت لشغفي بالقراءة والأدب أن يتوسع وينمو. وفي الصف المدرسي وجدت مقعدي يجاور مقعد زميلي، فرحت أنافسه بلا وجل من تفوقه علي. ولعل ذينك التجاور والتجرؤ على التنافس، نزعا رهاب الذكر من داخلي، وعالجا صدع الذكورة والأنوثة المكرس في مجتمع الوادي، وفي حياة نساء العائلة الوحيدات في غياب الرجال المهاجرين.

نافحتني عدن وتشيعت لطموحاتي، وعلى حين غرة داهمتني فيها الكتابة. ومن دون أن أؤثث حياتي لمتوالياتها، جرتني إلى عوالمها، فانفككت من وعود تقليدية سابقة وشوشتها لنفسي. كلما كنت أفرغ من نص أكتبه كانت تغويني نشوة خالصة، بعدما أكون نحتُّ تجليات المعاني في مفردات وعبارات خاصة بي أنسجها وأُسنِّنُ سهام معانيها. عبارات تنضو غلاف المسكوت عنه، وتعاند تاريخ المحظور الاجتماعي. 

كنت أكتب وكأنما أنتقم من تاريخ تهميش الأنثى وإقصائها، وكأنما في رأسي صور كل نساء المعمورة على مدى التاريخ. أكتب بحزن مرتد لكل بنات جنسي، اللواتي تصطخب معاناتهن في داخلي، وتحضرني في أوقات الكتابة أرواح جداتي الحكّاءات المحزونات. كأنما تنفلق الكتابة عن ذوات تُستعاد وتأبى التغييب.

حينما دخلت المسار الأكاديمي كان سؤال الكتابة ودورها ملحاح علي: هل الكتابة فعل تغيير اجتماعي؟ بيقينية أجيب: نعم هي بالتأكيد كذلك. وأن لم تكن فعل تغيير مباشر، فهي اندراج في أمواج تغيير عام تتلاطم في أوساط المجتمع. بل تتخذ الكتابة أحيانًا موقعًا رساليًا مبشرًا بالتغيير ومهيئ له. 

وعزمت على التخصص في علم اجتماع الأدب وتحليل الخطاب، الذي يشتغل على العلاقة بين التعبير الأدبي، رسائله ومصادره، وبين ما يقابله في منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية. "صورة المرأة في الرواية اليمنية" كان عنوان بحثي الأول. ولعل تمثلات المرأة المثقفة، صورتها ودورها، كانت كامنة لدي منذ أول كتاب وضعته والدتي بين يدي: رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى لشمال". 

ليس لنماذج رواية الطيب علاقة مباشرة ببحثي - "المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد" - إلا من حيث أن أمي هي التي أرشدتني إلى رواية صالح، وكانت المثقفة الأولى التي أثرت في حياتي ومصيري. ولعل نموذج والدتي ودورها ما جعلني لاحقا أدقق كثيرًا في مقاربتي مفهوم المصطلح (المثقف/ـة) وأعيد تفكيكه وبنائه.

 

بين المتعلم والمثقف

يسود الخلط بين مفهوم المثقف/ـة والمتعلم/ـة. ففي أوساط المجتمع يسود إطلاق توصيف مثقف على كل من  يحمل شهادة جامعية. غير أن الواقع يقول إن هناك فرقًا جوهريًا وتطبيقيًا بينهما في نهج سلوكهما الاجتماعي، وفي أثر مواقفهما ورؤيتهما وبناء وعيهما وتصوراتهما عن الذات والمجتمع وقضايا الحياة والكون. 

قد يصبح الشخص مثقفًا/ـةً من دون حصوله على شهادة جامعية. التاريخ يحفل بشواهد كثيرة على ذلك. بينما ليس كل جامعي/ـة مثقف/ـة. وخصوصًا في ظل ما يشهده التعليم من رداءة وسطحية في مخرجاته التي أحالها التوحش الرأسمالي إلى محاضن لتفريخ مهنيين وموظفين ويَدٍ عاملة لسوق العمل. 

هداني البحث في صورة المثقف/ـة وفي ملابسات المفهوم إلى أن الصفة الأساسية للمثقف/ـة تتجلى في الخروج إلى موضع بعيد عن حالة القطيع الاجتماعي، إلى الاستقلال والتفرد وابتكار رؤية وسلوك مختلفين عن السائد، ومواقف موازية لمواضعات ما درج عليه المجتمع وتوارثه. 

وهذا يمتِّنه التحصيل العلمي بالتأكيد، إذا توفر وجوده قرينًا لتفرد أصيل في الشخصية ووعيها، مستدعيان من مشارب عدة، أهمها التعليم. ولعل دليلنا إلى الفرق بين مفهومي المتعلم/ـة والمثقف/ـة هو ازدحام الجامعات العربية وتواتر دفعات الخريجين منها، في مقابل شحة الرؤى في الواقع العربي وندرة التفرد وعموم حالة الاستلاب وتفشي سلوك القطيع. ويتعلق الأمر على وجه التحديد بخلل في نظام التعليم الذي حصر هدفه في تخريج قوى عاملة تلائم سوق الوظائف، وتكرس منهاج التلقين والانصياع، بدل التفكير والجدل والخلق والسعي للتغيير. وقد تكون هذه من وجوه فعل  "ثقف"، وجذر معنى كلمة المثقف/ـة حسب لسان العرب. 

من كمون نموذج والدتي، رشح وانبثق موضوع بحثي. وتطلب الإعداد له قراءة عشرات الروايات، لحصر عينة ملائمة لاستخدام أدوات بحثية سوسيولوجية. لذا لم أكن مخيّرة في اعتمادي روايات قد لا توافق مزاجي وذوق القراءة لدي. 

 

المرأة في الرواية

في الروايات التي قرأتها كنت أبحث عن نماذج "المرأة المثقفة" كبطلة وشخصية رئيسة في كل رواية. وهذا لاستجلاء مقاربات سوسيولوجية لصورها في النص الروائي، وما يقابلها في الواقع وفي وعي ومخيال الروائيين/ات. وكذلك للوقوف على درجة اقتراب فن الرواية من أوضاع المرأة المثقفة، ومن أوضاع النساء العربيات عامة. ففي استنطاق وضع المثقفة وتمثلاتها الروائية تتمرأى إشكالية المجتمع وتحولاته، على امتداد حقب زمنية، اعتمدت منها الممتدة من عام 1950 إلى عام 2015. وهذا تزمين يكشف عمق ما أصاب بنية المجتمع العربي، وما طرأ على تلك البنية من تغيرات وتحولات وحتى من جمود. ويكشف أيضًا عما طرأ من تطور ونضوج في التجربة الروائية العربية.

وقد توسعت رقعة البحث ليشمل روايات من بلدان عربية عدة، تحفل بصور ومحددات جغرافية واجتماعية وثقافية وفكرية أوسع، تتيح استطلاع مشهد روائيّ وسوسيوثقافيًّ مفتوحًا على تباينات وتماثلات تحددها تقاطعات المجتمع العربي وتوازياته. وهو مجتمع متنوع يُفترض أن تقاطعاته تلتقي في هُويته واحدة، أقله لغويًا وثقافيًا، على الرغم من تنوعها واختلافها وتفارقها السوسيولوجي والسوسيوثقافي، ومن تعدد مشاربها وتوجهاتها، بناءً على التنوع والاختلاف الجغرافي و"الجيوسياسي" بين مجتمع عربي وآخر.

وكشف لي البحث ندرة نماذج "المرأة المثقفة"، ليس في الرواية العربية فحسب، بل في مراجع ثقافية أدبية اجتماعية وتاريخية أخرى. فعلى المرأة العربية أن تخوض مسالك كثيرة كي تحظى بتوصيف "مثقفة". و"الثقافة" و"التثاقف" وحيازة صفة "المثقف" في المجتمع العربي القديم والمعاصر، غالبًا ما كانت من نصيب الرجال الذين تربَّعوا ولا يزالون في صدارة هذه الأدوار. ومَن أرادت أو رغبت من النساء دخولَ هذا المجال، كان عليها إيجاد مسلك لها إلى "عالم المثقفين" الرجال، بالتشاكل والتصادم معهم، ونقض سردياتهم، أو بتماهيها مع تصوراتهم ومحاباتها أمزجتهم وما يظنونه يقينًاعن المرأة. وهناك مؤلفات نظرية كثيرة لحراك الفكر والتجديد وتحولاتهما في الثقافة العربية، لكن الرجال هم من وضع مراجع هذا الحراك ومعظم مؤلفايه.

هذا فيما تقبع غالبية النساء بوصفهنَّ موضوعات لهذا الحراك. وأن حاول بعضهن اقتحام صرح الحياة الثقافية والمشاركة فيها وإيجاد أدوار لهن في مواقعها، فإن محاولاتهن غالبًا تواجه بأنواع من مثبطات ومعوقات تبقيهن "مثقفات" بلا مواقع.

 

الروائيون وتدنيس الجسد الأنثوي

تبدو صفة المثقفـ/ـة في خطاب الروائي منجزًا ذهنيًا ذكوريًا صرفًا. فهو ينشئ لها صورًا تناسبه: يدخلها في التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي، فتعتنق أفكارًا تحررية وتتبنى سلوكًا حديثًا متمردًا على المجتمع. لكن الروائي في هذا كله يلقي على المثقفة عباءة ذكورته، أو يقنِّعها بسلوكه الذكوري، بناءً على المعادلة التالية: المرأة التي تحمل أو تكتسب عقلًا أو وعيًا سليمًا، لا يمكن إلا أن تحمل جسدًا مدنسًا، وعوقب بالانتهاك والتبخيس. لذا تقيم بطلات الروائيين قطيعة مع أنوثتهن، لتكتشفن أخيرًا أنهن منتهكات في مسيرتهن كلها.

هكذا يكرر الروائي الذكر جدلية المدّنس والمقدس، العميقة الجذور في الوعي الجمعي الذي يصم المرأة بأنها "ناقصةُ عقلٍ ودين".

 

الروائيات وتحرير الجسد

أما على ضفة الروائيات فتظهر شخصية المثقفة على بيّنة من الفروق الجندرية والجنوسية بينها وبين المثقف، كروائي وكشخصية روائية. فالروائية تنظر إلى الكتابة وتباشرها كفعل ذاتي، وتتخذها منبرًا للتعبير بعد طول احتجاب. لذا يَظهر النص الروائي النسائي أو الأنثوي على وعي متجدد بالجسد، وجوديًا وجماليًا. وعيٌ متجدد لأن الروائيات يُعِدن الجسد إلى بكارة خَلْقِه الأولى، قبل أن يُخلَق اجتماعيا ويتسربل بأبوية جاهزة. وهكذا يصير الجسد نقيضًا لصوره في الخطاب الروائي الرجالي أو الذكوري.

وركزت الروائيات على الجسد الأنثوي: احترام رغباته. عدم الخجل منه، باعتباره محظورًا ومحرمًا. كذلك طرقن محظورًا آخر: الدين ومؤسسته ومنظومته. فركزن على أن تكشف رواياتهن زوايا التناقض في بعض تعاليمه وأحكامه. وكذلك تمحيص التمييز والتفرقة الحدية التي تقيمها تلك الأحكام والتعاليم بين النساء والرجال، والتي منحت الذكور امتيازات كثيرة على النساء. 

لذلك فإن روايات معظمهن تبدو وكأنها سرد لمذكرات ذاتية، أو مشاهدات خاصة. وقد صورن المثقفة على مقاس رغبتهن في التحرر والتمرد على التقاليد الاجتماعية. كما صورنها على قطيعة مع تاريخ الحجب والتهميش، وخصوصًا حجب كينونتها وأفكارها ورغباتها الروحية والجسدية. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث