يكثرُ ذِكر الخبز في الأعمال الأدبية والشعرية والنصوص الدينية والأمثال الشعبية. ففي ملحمة جلجامش الرافدية المكتوبة قرابة العام 1800 قبل الميلاد، يفاجأ البطل "أنكيدو"، وهو صياد ماهر اعتاد أكل الطرائد، بطعم الخبز عندما تذوقه للمرة الأولى، وترد في الملحمة نفسها عبارة "الخبز يا أنكيدو بهجة الحياة". وكان المصريون القدماء يبتهلون لنهر النيل بصلاة الخبز بوصفه أحد آلهة الخصب، ويحتل الخبز في الثقافة الشعبية المصرية مكانة خاصة، دفعت به نحو اختيار اسم له يقترن بالوجود والحياة، فهو "العيش" أي الدافع إلى الحياة. والكون، بحسب فيثاغورس، يبدأ مع الخبز. وفي "العشاء الأخير" وفقاً للإنجيل "أخذ يسوع خبزاً وباركه وكسره وناول تلاميذه وقال: هذا جسدي فكلوه"، و"أبانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في الأرض كما في السماء، أعطنا خبزنا كفاف يومنا". أما الفرنسيون فيصفون صعوبة أيامهم بالقول "كان يوماً طويلاً رتيباً، كيومٍ بلا خبز". كما يذهب إلى ذلك الروس الذين وجدوا أنَّ "الجنّة هناك حيثُ يوجد الخبز" وهناك مثلٌ روسي آخر يقول أنّ "الخبزَ أبٌ والماءُ أمٌ".
كل ما ورد، وهو قليل من كثير، يشير أن الخبز يرمز للعيش، للحياة، لدى المجتمعات وفي الثقافات والأديان. وكل ما أوردنا، هو مقدمة للوصول إلى تصريح مستشار المرشد الأعلى في إيران، علي أكبر ولايتي، الذي أعلن أنّ "وجود حزب الله بات بالنّسبة إلى لبنان أهمّ من الخبز اليوميّ والماء". وإذا لجأنا إلى الاسقاطات وتأويل العبارات الواردة أعلاه، نستنتج أن المستشار الايراني يقول "إنّ وجود حزب الله أهم من الحياة في لبنان"، أهم من الاستقرار، أهم من الدولة، أهم من العيش، ودوره مرتبط بالحرب والتوتر الإقليمي. كما الكثير من القادة الإيرانيين، أوكل المستشار لنفسه مهمة الناطق باسم لبنان من دون أن يسأل حتى التابعين لإيران، وزعم أن الحزب كان "منقذًا للشّعب اللّبنانيّ، وإنّ إيران ستواصل دعمه".
أحسب أن لإيران فهمها الخاص للانتصارات والإنقاذ والحروب والصراعات والتفكير، تسرف في اللغو والتهديد والوعيد. لم يزر المستشار المفوه المنطقة العازلة ولا النبطية ولا البقاع، لم يتأمل الأحياء المدمرة، لم يرصد المسيرات التي تزعق في سماء لبنان، ولم يحصِ عمليات الاغتيال وآخرها أبو علي الطبطبائي. جلّ ما يهم المستشار الإيراني هو أن يستمر حزب الله في القتال، أو يتسلح، أن يبقى كمان هو، ولا تهمه النتائج وردود الأفعال. في رأيه أنّ "اعتداءات إسرائيل تظهر النّتائج الكارثيّة لنزع سلاحه (الحزب) بالنّسبة إلى لبنان"، وفي رده قال نواف سلام: "سلاح حزب الله لم يحمِ قادته ولا اللبنانيين ولا نصر غزة".
علي أكبر ولايتي، ليس الأول ولا الأخير من المسؤولين الإيرانيين الذين يتحفوننا بتصريحات تتجاوز المنطق والمعقول، واحترام حدود الدول والشعوب. وقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومستشاروها، رغم أنهم يلقحون السُّحُب الآن ويعيشون العطش الكربلائي، ويدعون إلى عدم الإسراف في الخبر والغاز والماء، لا يتوقفون عن إطلاق التصريحات السوريالية والشِّعرية والعسكرية في ما يخصّ لبنان وحزب الله ودورهما في مواجهة إسرائيل وإدارة الشرق الأوسط.
المحنة أننا نعيش بين فكي جدلية دموية لا تنتهي. إسرائيل تتذرع بنزع سلاح حزب الله والحزب يتمسك به ما لم تغادر إسرائيل. أما محسن رضائي، عضو مجمع تشخيص النظام الإيراني فيقول إن إيرن تطالب حزب الله بمراجعة سياسة "الصبر الاستراتيجي".
