اللا مُنتمي: حين جالسَنا كولن ولسون في مقاهي الحمرا

فوزي ذبيانالجمعة 2025/11/28
123652510_2474717852831936_7120769258362814465_n.jpg
مقهى المودكا بريشة أمين الباشا
حجم الخط
مشاركة عبر

في الذكرى الثانية عشرة لوفاته، مَن منّا نحن فتيان شارع الحمرا ومقاهيه يجد نفسه بمنأى من تأثير كتاب "اللامنتمي" للكاتب الإنكليزي كولن ولسون (26 حزيران 1931 –   كانون الأول 2013)؟ مَن منّا في طول ذلك الشارع وعرضه لم يكن عرضة لنظرات كولن ولسون وهمساته وصيحاته وصمته وضوضائه كما ساق هذه الأمور في كتابه "اللامنتمي"؟ بالنسبة إليّ، وكواحد من هؤلاء الفتيان، ما زال كتاب "اللامنتمي" يحفر عميقاً في جلّ تصوراتي عن القراءة والتلقي، حيث البوصلة التي تركن إلى المعادلة التالية: إن اليقين الذي تمدّنا به الكتب يجب على الدوم أن يبقى في دائرة التكهّن.

 

لطالما كان "اللامنتمي" رفيق درب فتيان المقاهي في صباحات شارع الحمرا، وفي مساءاته بصورة أخص. ترى المودكا، عبر هذا الكتاب، يعبق بحضور تولستوي ودوستويفسكي وكيركيغارد ونيتشه، فضلاً عن الكثير الكثير من الأسماء التي بثّها كولن ولسون في كتابه وكانت تحوّل هدوء هذا المقهى أو ذاك إلى ضوضاء وكلام يداخل كلام.

 

حاولتُ مرة، وكان ذلك بعد قراءتي الثانية لـ "اللامنتمي"، أن أحصي عدد الأسماء الواردة في متونه، إنما الشتات أعياني ولقيتني في حيرة من أمري حيال تداخل تلك الأسماء وتشابكها بل وانقضاضها على بعضها البعض في الكثير من المقاطع والفصول.

 

Image-1764331032
همنغواي

 

ثمة من كتب أن الكتاب بشكل عام قد يكون تلقيني الطابع أو وعظي المآرب أو متفلّتاً من كل ارتهان، وهو حال كتاب "اللامنتمي". فهذا الكتاب هو أقرب – أقله بالنسبة لنا نحن فتيان تسعينيات الحمرا- إلى ساحة مناوشة، واحة عراك، تناتش أفكار. وأقوال بل تراه في بعض تمظهراته هناك في مقاهي الحمرا آنذاك، بمثابة القطار الذي كان يسوقنا إلى "طحبشة" ذهنية هائلة أو إلى ثقة متورمة في النفس أو إلى رضا ساذج عن الذات.

 

يفتتح ولسون الفصل الأول من كتابه بالعبارة التالية: "يلوح اللامنتمي من النظرة الأولى مشكلة اجتماعية، إنه الرجل الغامض...". كلنا نحن فتيان المودكا والويمبي والكافي دي باري، وغيرها من مقاهي الحمرا التسعينيات، أردنا أن يلفّنا الغموض، أردنا أن يأخذ كافكا "اللامنتمي" بيدنا، بل ثمة من طمح في أن يشارك جيمس جويس في كل غموض ممكن، فضلاً عن أولئك الفتيان الذين أرادوا أن يبحروا بعيداً مع آرنست همنغواي أو أن يقطنوا أحد عوالم هنري جيمس أو أن يتحسسوا بلمس اليد غثيان جان بول سارتر أو طاعون ألبير كامو.

 

409646-1384064348.jpg
كاقكا

 

"كلما أوغلنا في البحث، تأكد لدينا أن اللامنتمي ليس مجنوناً وإنما أكثر حساسية من صحيح العقل"، كما جاء في الفصل الخامس. إلا أننا، نحن الفتيان الأشقياء في أزقة الحمرا وقتذاك، أردنا بعمق أن نكون مجانين، أن يسوقنا لا انتماؤنا كما خطّه كولن ولسون إلى المكوث في ذلك التوتّر الحر الذي يداخل كل هوية ثابتة ألفناها. أردنا لجنوننا أن ينحاز إلى عدم الرضا عن كل تجذّر للهوية وكل ترسّب وكل عفونة انتماء. بل أننا، وبدافع من "اللامنتمي"، أردنا أن ننسف كل السبل التي تحول دون انفلاتنا من أي قيد.

 

من الممتع أن يكون الكتاب في بعض تجلياته، بمثابة المرآة التي تعكس كل مرة صورة مختلفة عن سابقاتها. مرآة، تعكس الامتلاء تارة، والفراغ تارة أخرى...مرآة متفسخة تعكس البلادة والتوثّب، المكوث والفرار، الخلود والنسيان، شبق الانحلال والحنين في آن. إنه كتاب "اللامنتمي" الذي قد استضافنا بوفرة فوق سفرته العارمة بسخاء، وأخذ بيدنا باكراً، ومن دون أن نعي أهمية هذا الأمر وقتها، لتبني المقولة التالية لواحد من المقربين جداً من صاحب كتاب "اللامنتمي": "عبر التفاعل المتمثل في جذب القارئ ونبذه تُعيد الأعمال الأدبية إنتاج الوعي على نحو مضاعف وساخر. وهذه طريقة مميزة وفعالة للانتماء إلى العالم" (تيري إيغلتون – "ظاهرة الأدب").

 

كل منا، نحن فتيان تسعينيات الحمرا، وقد تأبّطه كتاب "اللامنتمي" إلى حدّ التناثر (نعم، "اللامنتمي" هو من تأبّطنا بحزم) أراد أن يناصب العالم العداء على طريقته الخاصة. كل منا، وعلى طريقته الخاصة، أراد أن يحتسي نبيذ القداسة عبر أي شيطنة ممكنة. كل منا أراد أن يدفع المستقبل لأن يفشي له بأسراره وثمة منا وقد غرق في متون "اللامنتمي" إلى آخر الحدود، أراد أن يجيز لنفسه اختبار الموت... أن يجرّب ما بعد الحياة.

 

Image-1764262333
كولون ولسون

 

من شوبنهاور إلى وليم بليك، من د.هـ.لورنس إلى فاوست، من كانط إلى هيغل ومن هنري باربوس إلى كارل ماركس... ليس من الضرورة بمكان، كما أشار علينا "اللامنتمي" باستخفاف وبحزم وبجدية وبمزاح، أن نتبنى بإطلاق هذه العبارة أو تلك، أو أن ننبذ بإطلاق هذا القول أو ذاك، أو أن نتأدلج كالمساطيل بهذه العقيدة أو تلك. ما من داع للتشّبث بشيء، ما من سبب يدعونا لأن نكون رهن مزاج هذا الكاتب – مهما عظم شأنه – أو ذاك. فلنتكيّف فقط مع محض مزاجنا الشخصي ولنتسكّع في زواريبنا العميقة من دون الالتفات إلى جديةٍ أو وقار تلفّ هذا النص أو ذاك... فهذا هو الشرط الأول والأخير للاانتماء. هذا هو الدرس الأبلغ الذي يبثّه كتاب "اللامنتمي" والذي تراه يحثّ متلقيه على أن يبقى فتياً مهما امتدّ به العمر.

 

أعود إلى "اللامنتمي" من آن إلى آخر، وتراني أبتسم أو يغشوني الضحك، وأنا أعيد على نفسي تلك الملاحظات المدونة فوق البياض الشهي لهذا الكتاب. تراني أبتسم وأضحك، وتراني أيضاً – أقولها سرّاً- محل دمع مكبوت داخل العينين. أتقصى السنوات التي تلت قراءاتي العديدة لهذا الكتاب، لكني على الدوم أحرص على أن أبقى هناك، عند الزمن الذي التقيت به الكتاب للمرة الأولى. إن "اللامنتمي" لكولن ولسون، حريص جداً على أن يحتفظ بي هناك في الحمرا بداية التسعينات، كواحد عمره بالحد الأقصى أربعة وعشرين عاماً، وهو سنّ ولسون عندما نشر هذا الكتاب.  

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث