ثلاثة أفلام من مهرجان الدوحة: نساء في مرمى السياسي

محمد صبحي الخميس 2025/11/27
Image-1764218925
"كتابة حوا": سجلٌ شخصي وحميم لثلاثة أجيال من الأفغانيات
حجم الخط
مشاركة عبر

شهد الأسبوع الماضي انطلاقة قوية للدورة الأولى لمهرجان الدوحة السينمائي الدولي (20-28 تشرين الثاني الجاري)، مُستهّلاً فصلاً جديداً ومهماً في المشهد السينمائي والثقافي للمنطقة. عرضَ المهرجان 97 فيلماً من 62 دولة، في باقة تُشير إلى طموح جريء لتوسيع التنوع السينمائي وإبراز الأصوات المهمّشة في الساحة العالمية. ما يقرب من نصف الأفلام أنجزها نساء، وقد حظي 24 منها بدعم من مؤسسة الدوحة للأفلام. هنا إضاءة على ثلاثة أفلام بارزة لمخرجات من تونس وليببا وأفعانستان يعاينّ فيها أحوالاً شخصية وحميمة لكنها لا تنفصل عن الصورة الأكبر التي تؤدي فيها السياسة دائماً جانباً حاسماً ومحورياً.

 

"كتابة حوا".. الشخصي سياسي

في فيلمها الوثائقي "كتابة حوا" لا تكتفي الأفغانية نجيبة نوري، بتقديم صورة حميمة وظريفة لوالدتها حوا، بل تُظهر أيضاً بالتفصيل كيف أن العنف الجيوسياسي قد أفسد التحسن المضنّي لوضع المرأة. يتتبّع الفيلم أحوال عائلة نوري، التي تنتمي إلى أقلية الهزارة الشيعية، وهي جماعة عرقية عانت كثيراً من التمييز والاضطهاد. تزوّجت حوا في سنّ الثالثة عشرة من رجلٍ يكبرها بكثير، وهو يحتاج الآن إلى الرعاية. ناضلت بلا كلل لضمان مستقبل أفضل لأطفالها، ورغم امتعاض زوجها، تصمّم المرأة الخمسينية على تعلّم القراءة وبدء مشروعها التجاري الخاص في مجال النسيج. إلى أن تتعطّل حياتها بسبب عودة حركة طالبان في العام 2021، بعد انسحاب للقوات الأميركية. في هذه الأثناء، تحتضن حفيدتها زهرة، البالغة من العمر 14 عاماً، والتي هربت من والدها المُسيء.

 

الفيلم الممتدة أحداثه خمس سنوات، يبدأ كرسالة شخصية من الابنة إلى الأمّ. ومع تطوّره، تحلّل نوري البُنى الاجتماعية في أفغانستان، وتُوثّق صعودها من خلال عودة طالبان. على عكس وثائقيات أخرى تتناول حقوق المرأة في البلد الآسيوي المنكوب، تنتقل نوري من الميكرو العائلي إلى الماكرو العامّ. مركز الفيلم، والدتها، المرأة القوية التي تحافظ على تماسك الأسرة. يسهل التفاعل معها لأنها تمثل وتختصر الشخصيات النسائية البارزة في حياة مشاهدي الفيلم، سواء كنّ أمهات أم خالات أم جدّات. من أجل توفير حياة أفضل لأطفالها، كان عليها أن تُضحي بالكثير.

 

في مشهد مؤثر، تصف حوا حبّاً تركته وراءها لتربية أطفالها. تدور حياتها كلها حول الأسرة. يُشكّل الوجود العدائي لحركة طالبان توازناً درامياً للسرد. كما أن عودتهم السريعة تعني تدمير آمال حوا وأحلامها. مع ذلك، تُقدّم نوري شخصية زهرة، حفيدة حوا، التي لم ترَ عائلتها منذ 12 عامًا بعد طلاقٍ مثيرٍ للجدل. تعود إلى عائلتها في أسوأ وقتٍ ممكن. سيطرت طالبان على 15 مقاطعة، وسرعان ما تلا ذلك الاستيلاء على كابول. في تلك اللحظة، تنسى حوا نفسها مجدداً، وتعاني فراق عائلتها مجدداً. تدرك الأم المُدبّرة ما يخبّئه المستقبل لأطفالها: الزواج القسري. يشعر المتفرّج بألمها لعلمه بالثمن الذي دفعته في إطار الزواج المُدبّر. يبدو أن التاريخ يُعيد نفسه.

 

 

"بابا والقذافي".. رحلة شخصية في ظلّ ديكتاتورية

فيلم "بابا والقذافي"، وهو أول وثائقي طويل للمخرجة الفرنسية الليبية جيهان كيخيا، يمثل دخولها عالم المهرجانات العالمية، بعد عرضه العالمي الأول خارج المسابقة في مهرجان البندقية السينمائي الثاني والثمانين، (27 أغسطس - 6 سبتمبر). الفيلم استكشافٌ لتقاطع العائلة والسياسة والتاريخ، إذ يقدّم رؤيةً شخصية نادرة للحياة في ظلّ أحد أكثر قادة القرن العشرين إثارةً للجدل، مُقدّماً رؤىً عاطفيةً وتأملاً مُحفّزاً للتفكير حول الولاء والتواطؤ في ظلّ الديكتاتورية.

 

Image-1764219041

 

يتكشّف الوثائقي، البالغة مدته 88 دقيقة، والذي كتبته وأخرجته جيهان كيخيا، كتحقيق مؤثر في الاختفاء الغامض لوالدها، منصور رشيد الكيخيا، وزير الخارجية الليبي السابق، وسفير الأمم المتحدة، والمعارض السلمي لنظام معمّر القذافي. ينسج الفيلم مواد أرشيفية وشهادات وتأمّلات شخصية، ويرصد رحلة جيهان في بحثها عن مصير وذاكرة وهوية، حيث تستعيد رحلة والدتها التي دامت قرابة عقدين من الزمن سعياً وراء الحقيقة والعدالة. ورغم أنها لا تتذكر والدها (بعد اختفائه في صغرها)، إلا أن رحلة جيهان تصبح وسيلةً للتواصل معه ومواجهة شعورها المتشظي بالانتماء.

 

منهج الفيلم ينضوي تحت تيارٍ شهد صعوداً في السنوات الأخيرة، عبر انتشار للمقاربات الفنّية بضمير المتكلم، حيث تشكّل تجربة الفنّان الشخصية مصدراً للسرد والتمثيل، وفيها تندمج "الأنا" مع صوت الوعي الجماعي. يُعيد هذا الانعطاف "الانطوائي" نحو الشخصي تخيّل العلاقة بين الواقعي والخيالي، ويطرح أيضاً أسئلةً عديدة حول اللحظة الراهنة من التغيّرات المضطربة في العالم العربي: هل تجسّد هذه الأعمال ابتعاداً عن "السياسي"، أم على العكس، إعادة تشكيله في أعقاب خداع وهزائم؟ هل أصبحت التجربة الشخصية المُعاشة المصدر الوحيد لصياغة معنى جديد في ظلّ انهيار النظام الأبوي؟ ما علاقة الأعمال الفنية بضمير المتكلم بسياسات الهوية؟ هل أصبحت "الأنا" خياراً سياسياً وفنياً في حدّ ذاتها؟

 

تعليقاً على فيلمها، تقول المخرجة: "في فيلمي، أغوص في ذكريات الآخرين لرسم صورة أوضح عن والدي، الرجل الذي لا أتذكّره. ساعدني إنجاز هذا الفيلم على فهم أهمية شخصية الأبّ وتأثير فقدانه في الأسرة والمجتمع، بل وحتى في البلد."

 

"صوت هند رجب".. سينما ضد الإبادة

تستعيد التونسية كوثر بن هنيّة الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب، المقتولة في 29 يناير/كانون الثاني 2024، بعد تعرّض سيارة تقلّ عائلتها لقصفٍ إسرائيلي أثناء حرب الإبادة الأخيرة. في فيلمها، "صوت هند رجب"، المتوّج بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية، تبتكر المخرجة التونسية طرقاً لدمج الوثائقي بالمتخيّل، كما فعلت في فيلمها السابق "بنات ألفة"، إذ يقدّم الفيلم نوعاً من الفصل بين الجانب السمعي (الوثائقي) والبصري (المسرحي). ويركّز الفيلم على قصّة الفتاة الفلسطينية العالقة في سيارة مع أقاربها المقتولين، مستعيناً بتسجيلات صوتية حقيقية للفتاة أثناء استغاثتها الهاتفية بمتطوعين في مركز إغاثة تابع للهلال الأحمر الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث يحاولون إيجاد سيارة إسعاف لإنقاذها. أما المَشاهد في المركز، فتُعرض بطريقة مسرحية تقليدية من خلال الممثلين الأربعة (عامر حليحل وسجى الكيلاني ومعتز ملحيس وكلارا خوري).

 

Image-1764219101

 

القصّة مؤثرة، والفيلم ناجح بشكل عام. تدور الأحداث في مكان واحد - غرفة الطوارئ - بينما تقع الأحداث الرئيسية في مكان آخر لا نراه، بل نسمع عنه فقط. هكذا تتشكّل الساحتان المتوازيتان والدراما في هذا الفيلم: جهود فريق الإنقاذ للوصول إلى الفتاة المحاصرة، وما نتخيّله ونسمعه من معاناة تمرّ بها. قرار عدم عرض ما حدث، ولو بشكل جزئي، قيّم ومعقول: فتجسيده درامياً من خلال الممثلين قد يُصعّد من حدّة المشهد ويرقى إلى مستوى الوحشية. يكفي سماع صوت الفتاة المكلومة لنشعر بحجم المعاناة التي تعيشها. أما الجانب "الخيالي" من القصة، فيبقى متوافقًا مع الواقع، حيث يؤدّي كلّ ممثل/ة حيث يجسّد كل ممثل شخصية حقيقية شاركت في الحادث.

 

في عرضه البسيط والمباشر والصادق يقدّم الفيلم صورة مؤثرة عن معاناة الغزّيين جراء حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة. لا تحتاج المخرجة إيصال رسائل سياسية مباشرة، فالواقع يتحدّث بوضوح: لا مكان للحياة في هذه المنطقة التي تعاني دماراً وخراباً. يتميّز الفيلم بأسلوبه في استخدام عناصر السينما (الصوت كشهادة والصورة كإعادة بناء)، ليس فقط لنقل معاناة الفتاة، بل لطرح أسئلة جوهرية حول دور السينما في توثيق مثل هذه الأحداث. بن هنية، المعروفة بتجريبها في أساليب سينمائية متنوعة، تتجاوز الحدود مرة أخرى، مُخترقةً بذلك مفهوم الفيلم كعمل فني أخلاقي وشخصي وسياسي في آنٍ.

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث