في كل جولة في باريس، وأنا المقيم فيها من حيث المبدأ، والمبتعد عنها أحياناً، والمتجوّل العنيد مشياً على قدميّ في شوارعها، أو راكباً في المترو عند الحاجة، الباحث عمّا يثير البصر والنفس، تتكشّف لي أمور شخصية "رهيبة"، وأخرى موضوعية أقل غرابة.
لم يعد في إمكاني رؤية مخطط المترو، المعلّق قرب باب القاطرة المتحرّك عند كل محطّة، من دون أن أتسلح بنظارتي. عليّ، من خلاله، تحديد المسار الذي سأسلكه نحو وجهتي، محاطاً لا بالفرنسيين فحسب، بل بكل أنواع البشر القادمين من بقاع الأرض بمختلف مواقعها وشعوبها ومناخاتها، الطامعين بالعيش في المدينة.. كيفما كانت الحال التي ستؤول إليها أمورهم.
كنت أرى الخريطة، متشابكة الخطوط المنتشرة في كل اتجاه، وكأن عقرباً كان نسجها حول المركز، أقول أنني كنت أراها بسهولة تامة، ومن دون تمحيص. هذه الفضيلة الفيزيولوجيّة الشبابية لم تعد متاحة. وعلى مرّ السنين ازدادت سماكة زجاج النظارات المساعدة للقراءة، بحيث طلبت من صاحب المؤسسة أن يصنع لي زجاجا مضغوطاً، بعدما عرض علي هذا الخيار، وبعدما أدرك، وهو اللطيف وصاحب الإبتسامة الدائمة، أن هذا الحلّ يناسبني كي لا تبدو عيناي من وراء الزجاج كعينيّ جمل. أعطاني الرجل، بداعي الإختبار، بعدما صنع النظارة الجديدة، ورقة فيها دعاء ديني قرآني كي يتبيّن له إن بإمكاني القراءة بدقة، ومن دون عناء.
الضياع في متاهات مترو الأنفاق أمر مشروع، ولا يُنجي المرء من الوقوع في فخ التيه سوى اللافتات المعلّقة عند كل زاوية، مع أسهم تشير إلى المسلك المطلوب. ممرات طويلة تكاد لا تنتهي، قد تصلح، عند الحاجة، ملاجىء بإمكانها استيعاب سكان بلدة من بلداتنا بكاملها، وربما مدينة كبيرة. مدينة من الممرات تحت مدينة من حجارة وأخشاب وإسفلت. كان كثيرون تطرّقوا إليها، ونسجوا حولها قصصاً وروايات. ابن عمّي، الذي يعيش في باريس منذ عقود، خبِر تلك المسالك وحفظ معالمها. توصّل إلى طرق للإحتيال على المتاهات، بحيث يحسن اختيار المداخل والمخارج المناسبة من دون عناء السير مئات الأمتار تحت الأرض، ما يدعو إلى التوتر والشعور بضياع الوقت وإهداره.
تدخل القاطرة امرأة ممتلئة الجسم، ومن الصعب معرفة إلى أي قومية تنتمي، وتبدأ خطابها الذي تكرره في كل مرّة. تقول إنها "مقطوعة"، ولا من يهتم لأمرها، وليس لديها ما تقتاته، بعدما تكون قد أكّدت للمستمعين أنها ليست مدمنة على المخدرات أو الكحول (الإدمان على الكحول عادة يتميّز بها المتشرّدون في معظم الأحيان). تنهي المرأة خطابها وتدور على المسافرين بلا جدوى. هذه الطريقة في التسوّل كانت مثمرة في وقت مضى، ثم تضاءل مفعولها وأثرها في المستمعين تدريجياً حتى كاد يختفي. إختفى أيضاً المتشرّدون السكارى الذين شغلوا، عادة، مقاعد الانتظار قرب السكة. كانت الروائح الكريهة المنبعثة من أجسادهم، التي لم تعرف الإستحمام إلاّ نادراً، تبعد عنهم الأشخاص الآخرين. يبدو أن ثمّة قوانين جديدة منعت دخولهم إلى محطات المترو، وسمحت لهم بهذه "الحسنة" في حالة واحدة: الطقس الشتائي البارد جداً، الذي أودى بحياة العديد منهم في الماضي والحاضر أيضاً. تخصص محطة محددة أو أكثر كي يمضون ليلهم فيها، وليس علينا سوى أن نتخيل نوعية الهواء في داخلها.
الغزو الصيني
إفتتح جناح للثياب المصنّعة في الصين (باب أول، كما يُقال عندنا) في المركز التجاري الشهير BHV الواقع في وسط باريس. لم يرق الأمر للماركات الفرنسية المتواجدة في المركز منذ عقود كثيرة. ولم يقتصر الأمر على عدم الرضى، بل تعدّاه إلى تظاهرات واعتصامات قرب المركز التجاري، شارك فيها أفراد وهم عراة، كما قيل لي، في إشارة إلى أنهم يفضّلون العري على شراء ملابس صينية من شركات صارت تزاحمهم، من خلال عرض بضاعته بأسعار أقل بكثير من أسعار الماركات الفرنسية. حتى أن بعض الماركات فضّلت الإنسحاب من ال BHV كي لا يصبح أصحابها شهود زور على انفلاش المؤسسات الصينية.
لا تقتصر القصة على المثال المذكور، بل تتعداه إلى أماكن وأحياء ومجالات أخرى. إذ من النادر أن تجد متاجر لبيع الألبسة تعود لفرنسيين في منطقة Belleville، شبه الشعبية (مسقط رأس المغنية الأسطورية إديت بياف). سيطر الصينيون على سوق الألبسة، من دون منازع. وللمناسبة، لا بد من القول إنهم تجّار ماهرون ونشيطون، ولا يضيعون وقتهم في احتساء القهوة أو البيرة أو أي شيء آخر. أما العاملون ضمن هذه المتاجر فهم على درجة عالية من اليقظة، كي لا يتم استغفالهم وسرقة شيء من البضاعة، وهي مسألة واردة في كل الأحيان. كما يمكن مصادفة المطاعم الصينية في المنطقة نفسها عند كل زاوية، إضافة إلى مخازن الأطعمة، وحاجات منزلية أخرى.
ولجت إلى أكثر من مقهى في المنطقة المذكورة، أو سواها، لأجد أن العاملين فيه ينتمون إلى الأمة الصينية، وهم بدورهم يتمتعون بنشاط ظاهر، وبإقبال على العمل بطيبة خاطر، حسبما يبدو. العاملات وراء البار شابات جميلات، وكنّ صبغن شعورهن بلون "المغرة" (بحسب التسمية التقنية، وهو لون يتراوح بين الأصفر الصافي، والمائل إلى الذهبي). يبتسمن للزبائن من أجل اجتذابهم، والبسمة تجتذب حتى المتشائمين والناقمين على الحياة والناس، هذا، في حين تبقى وجوه العاملين والعاملات الفرنسيين في مؤسسات مشابهة خالية من أي شعور أو معنى، كمن يقوم بهذا العمل مرغماً، علماً أن هذه الملاحظة قد يختلف وقعها ودرجتها من مكان إلى آخر.
أخيراً، وليس آخراً، صار من المعتاد رؤية فتيات صينيات يمارسن مهنة البغاء. يمكن رؤيتهن من دون جهد على الأرصفة المحيطة بمحطة المترو Strasbourg- Saint- Denis وقد طلين وجوههن بأنواع المساحيق، ما ذكّرني بنساء "الغيشا" Geishas اليابانيات، فقط من حيث الشكل الذي نراهم فيه في السينما. علماً نساء الغيشا اليابانيات لسن عاهرات في المعنى المتداول للعبارة، بل هن فنانات ووصيفات، يتمثل دورهن في الترفيه عن الأثرياء بفنون كالموسيقى والرقص والمحادثة المطوّلة أحياناً. أما فتيات سان دوني، فينتهي دورهن بعد ربع ساعة، وربما أكثر أو أقل، بحسب قدرة الزبون عل الصمود قبل بلوغ الهدف الذكوري النبيل.
