وقّع الرئيس اللبناني جوزاف عون، على منح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، الجنسية اللبنانية، "في خطوة تحمل بعداً رمزياً يؤكد تقدير لبنان للدور الذي يؤديه على مستوى تطوير اللعبة، ودعمه المستمر لكرة القدم اللبنانية" بحسب الاتحاد اللبناني لكرة القدم. بينما اعتُبر إعطاء أحد القضاة، الجنسية لامرأة مكتومة القيد "معجزة قضائية". وهذا يطرح سؤالاً قديماً جديداً عن معايير الجنسية والتجنيس في لبنان. مَن يملك الحق في التجنيس؟ مَن يملك الحق في الجنسية؟ وكيف يكون المرء لبنانياً؟ ومَن يحق له حمل بطاقة هوية، ومن لا يحق له؟
في الواقع منح الجنسية لرئيس الفيفا "لزوم ما لا يلزم"، وخبطة إعلامية لا تقدّم ولا تؤخر، و"لا تسمن ولا تغني من جوع" في زمن المعمعة والقيل والقال. أما قضية مكتومي القيد في لبنان فقضية شائكة، معقدة، مزمنة، عمرها من عمر الإحصاء السكاني الأول في "لبنان الكبير"، بداية الثلاثينات من القرن الماضي. أخطاء إدارية، ربّما مقصودة في الجمهورية اللبنانية، أفرزت جيشاً من مكتومي القيد في الشمال والجنوب، وفي وادي خالد وفي القرى السبع المحتلة، هذا عدا أخطاء بعض الناس الذين لا يسجلون أبناءهم في الدوائر بسبب السذاجة والإهمال، والنتيجة في كل الأحوال كارثية على مستقبل الأجيال، إذ يحتاجون معجزات قضائية وسياسية لحل مشكلاتهم. فـ"مكتوم القيد ليست مجرد صفة لفئة من اللبنانيين، وإنما هي شكل من التمييز تجاه مجموعة من الناس لا تمتلك بطاقة الهوية لأسباب مختلفة" حسبما كتبت احدى الصحف.
وأبعد من قضية مكتومي القيد. بعض العنصريين اللبنانيين لم يتوقفوا عن شنً حملات ضد عملية التجنيس التي حصلت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بزعم التغيير الديموغرافي. طبعاً كل الأمور تقاس بمقياس طائفي، ولكل تجنيس زمانه وألونه. يوضح الباحث صقر أبو فخر أنّ "الثقل المسيحي في لبنان الخمسينيات سمح بمرور عملية التجنيس يومها. وسياسيو تلك المرحلة أدركوا أن زيادة عدد المسيحيين في لبنان سيكون لمصلحتهم في ظل مخاوف دائمة وهواجس لم تغب عن أبناء الطائفة الأقلية"... يضيف: "في الستينيات قام بعض الفلسطينيين المقتدرين بما يشبه شراء الجنسية اللبنانية، إذ استحصلوا عليها لقاء مبالغ طائلة". وبعض المقتدرين أيضاً حصلوا على الجنسية في عهد ميشال عون، قيل الكثير حول الأسماء المختارة يومها والأموال التي دفعت والهدايات التي قدمت، وحكي الإثراء غير المشروع واللوحات الفنية... الكلام لا ينتهي في هذا المجال، والقضية أن بعض السياسيين يقومون بحملات إعلامية ضد النازحين و"الغرباء" في لبنان، ولكن حين يدر التجنيس عليهم بعض الفتات، تبقى الأمور طي الكتمان، وتكون حجة التجنيس المصلحة الوطنية.
عدا عن أن قانون التجنيس اللبناني يخضع للمحسوبيات والتوازنات و"الاقتدار" المالي العنصري والطبقي. ثمة عنصرية مقنعة ومباشرة وفجة ووقحة في ما يخص بعض الحاصلين على الجنسية، خصوصا حين يقع صاحب العلاقة في مشكلة. ومنذ أشهر شُنت حملات على النائب البيروتي وضاح الصادق باعتباره من المجنسين في منتصف التسعينيات، والحملة أتت من اليمين، وبعض رافعي راية العروبة، وبعض مدعي الفهم، مع أن الصادق بدا لبنانياً وسيادياً وبيروتياً في مواقفه السياسة والمطلبية. لم يجد بعض الغلاة الفاشيين وبعض خصومه السياسيين سبباً للهجوم إلا قضية تجنيسه. لست من مؤيدي وضاح الصادق ولا أعرفه، لكن هل يسأل خصومه أنفسهم كيف حصلوا على الجنسية والهوية، وهل يعلمون أن لبنان في الواقع مجموعة من الجاليات والسكان والوافدين، تحديداً من سوريا وفلسطين؟ واللافت أن الآلاف ممن يتعصبون للجنسية اللبنانية يغادرون الأراضي اللبنانية ويتخلون عن فولكلور فينيقيا والشعارات العريضة، يحصلون على جنسية في بلدان أوروبا وأميركا واستراليا وافريقيا، وينسون أجدادهم حيث يجدون رزقهم، بعضهم لا يتردد في أن يصبح في السياسة، على يمين ماري لوبان في فرنسا، أو يمين ترامب في أميركا. لا ضير في ذلك، بالطبع، لا سيما في هذه البلاد الطاردة لأبنائها، أمنياً واقتصادياً وسياسياً. لكن المزايدة على "اللبنانية" من ذاك الموقع لا تبدو قابلة للهضم.
لن أتطرق في هذا المقال العابر إلى قضية حق الأم اللبنانية في اعطاء الجنسية لأبنائها، فهي تحتاج إلى مقال خاص، لكن ثمّة حادثة تعري معايير التجنيس والخطاب السائد. في زمانه ناشد الشاعر سعيد عقل أحد وزراء الداخلية في الخمسينات "أن يسارع إلى منح المخرج صبري الشريف، هذا الفلسطيني الموهوب، الجنسية اللبنانية قبل أن يموت وهو غير لبناني". وفي مسرحية "أيام الحصاد" قرر صبري الشريف أن يجعل فيروز تصعد على صخرة، في معبد جوبيتر، وتصدح بصوتها النديّ وكأنها تطير في الهواء، وبعد هذه الحفلة علّق الرئيس كميل شمعون نيشاناً على صدر الشريف، ومنحه الجنسية اللبنانية.
