ترفض الممثلة الكبيرة سميرة أحمد الاعتراف بأنها في حالة اعتزال فني رغم أنها في التسعين من عمرها (من مواليد 15 تشرين الثاني 1935 على الأرجح)، وسنة الميلاد نفسها تلتزم بطلة "الخرساء" حيالها الصمت، وتترك للآخرين مساحة للاجتهاد فيها رغم أن شواهد الأحداث تؤكد أنها في التسعين.. وتؤكد في الوقت ذاته، أن الأعوام الـ14 التي قضتها بعيداً من الكاميرات منذ قدمت مسلسلها الشهير "ماما في القسم" كانت بفعل فاعل، وأن لديها عملين جاهزين للتنفيذ قد ضاع فيهما الوقت بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المهيمنة على سوق الإنتاج الدرامي في مصر وبين الهيئة الوطنية للإعلام التي يرأسها حاليا الكاتب أحمد المسلماني، أحد هذين العملين بعنوان "ماما اتجننت" من تأليف ابنتها الوحيدة جليلة، والآخر عنوانه "بالحب ح نعدي" تأليف يوسف معاطي الذي سبق وكتب لها آخر مسلسلاتها "ماما في القسم" العام 2010.
أعرف سميرة أحمد جيدا منذ أربعين عاماً، ووضعتُ عنها كتابين، أحدهما بمناسبة تكريمها في المهرجان القومي للسينما المصرية العام 1999 تحت عنوان "نجمة من زمن الحب"، والآخر وقت تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي سنة 2008 وحمل عنوان "في جدار القلب"، والعنوانان من وحي مسلسلين شهيرين لها. وأعرف أيضاً أنها تعيش حالة عناد دائم حتى مع نفسها ومع قدراتها، وهي دائماً ما تقول لي إنها المثال النقي لعناد برج العقرب، وأنها على استعداد للسير حتى نهاية الشوط ما دامت على قناعة بما تفعله. لذلك فأنا على يقين من أنها ستمشي وراء عملَيها المعطلين، وأن واحداً منهما سيظهر للنور قريباً ما دام في صدرها قلب ينبض، وتعاريج مشوارها الفني الطويل الذي أخذ من عمرها حتى الآن أربعة وسبعين عاما تؤكد ذلك. فهي حالة خاصة بين نجمات السينما المصرية، لا تشاركها فى جيلها إلا هند رستم ومن قبلهما سامية جمال. فقد بدأت سميرة أحمد المشوار من أوله، أتت من بين المجاميع، لتترقى إلى الأدوار المساعدة فالثانية، ثم أدوار البطولة، فإذا ما أمسكت بها أجادت وأخلصت حتى لا تفلت من بين يديها. فهي تؤمن بأن من تحمّل عناء صعود السلّم عليه ان يفعل المستحيل حتى يحافظ عل توازنه وهو في أعلاه، ومن ذاق مرارة البدايات لا يفرط مطلقاً في حلاوة النجاح، وهذا يفسر تلك الإرادة الفولاذية التي ضمنت لسميرة احمد استمراريتها وعطاءها الممتد، بعكس شبيهتيها في بدايات المشوار سامية جمال التي توقفت قبل نحو ربع قرن من رحيلها سنة 1995، وهند رستم التي اعتزلت مع نهاية السبعينيات والتزمت بيتها حتى رحيلها العام 2011 .. وربما من منطلق ذلك كله يصعب التحديد الدقيق لبداية مشوار سميرة أحمد مع السينما: هل مع المرة الأولى التي وقفت فيها وسط المجاميع أمام الكاميرا، أم حينما نطقت للمرة الأولى، أم حينما أمسكت بسيناريو فيه دور لها واضح الملامح حتى لو كان قصيراً، أم حينما أصبحت بطلة أولى؟
على أية حال، فقد ساقت الأقدار سنة 1951، ابنة السادسة عشرة إلى ما خلقت له، نعم كانت أقداراً قاسية وظروفاً أسرية صعبة حرمتها من استكمال تعليمها لكنها فتحت لها أبواب المجد والشهرة وحب الجماهير. ففي سعيها الدؤوب للبحث عن عمل وجدت نفسها، وشقيقتها الممثلة خيرية أحمد، تطرقان أبواب مكاتب شركات الإنتاج، ومن فتاة بسيطة تظهر في الكادر أمام شادية في فيلم "في الهوا سوا" إخراج يوسف معلوف، أو مع فاتن حمامة وشكري سرحان في فيلم "ابن النيل" للمخرج يوسف شاهين، إلى فتاة أخرى تتمايل أمام شادية وهي تغني في فيلم "بشرة خير" للمخرج حسن رمزي، ثم يلتقطها أنور وجدي من وسط المجاميع لتقول لليلى مراد في فيلم "حبيب الروح" جملة واحدة "تشربي شامبانيا يا ليلى هانم؟" ومن هذا الفيلم إلى آخر، وهو "أنا بنت ناس" لحسن الإمام حيث ظهرت وهي تهبط مع فاتن حمامة من مترو مصر الجديدة وتردد عبارة "اللي يكسب البريمو"، وفي هذا الفيلم تعلمت على يد مخرجه حسن الإمام أول درس في حياتها حين مزق الفستان الأنيق الذي كانت قد استعارته للدور، وقال لها كيف لبائعة اليانصيب ان ترتدي مثل هذا الفستان الأنيق؟ فهل هذه هي البداية؟
ومع أوائل العام 1952 أمسكت سميرة أحمد بأول سيناريو مكتوب حينما رشحتها رائدة السينما المصرية، عزيزة أمير، لتؤدي أمامها دوراً معقولاً في فيلم "أمنت بالله" من إخراج محمود ذو الفقار، زوج عزيزة أمير في ذلك الوقت. وتحمست رائدة السينما المصرية لهذه الموهبة الناشئة، فقررت أن تنتج لها أول فيلم تقوم ببطولته وتقدمها فيه للجمهور مثلما فعلت من قبل مع محمود ذو الفقار وشكري سرحان وسعاد محمد ونجاة الصغيرة وغيرهم. لكن – ويا لمفارقات القدر – حدث أمران مهمان أخّرا على سميرة أحمد فرصة بطولتها الأولى في السينما.. فقد وقع حريق القاهرة في 26 كانون الثاني 1952، وأتت النيران على جانب كبير من علب فيلم "أمنت بالله" قبل تحميضها، وبعد أربعة أسابيع فقط من حريق القاهرة رحلت عن الدنيا السيدة عزيزة أمير بصورة مفاجئة لينصرف المخرج محمود ذو الفقار إلى إصلاح ما أتى عليه الحريق ناسيا تماماً مشروع الفيلم الموعود.. غير أن تجربتها المحدودة مع عزيزة أمير في فيلم “أمنت بالله " كانت كفيلة بلفت انتباه المخرج الايطالى المتمصر فيرنيتشو، الذي اختارها لبطولة جماعية مع برلنتي عبد الحميد وسناء جميل وزينات صدقي وحسن فايق وشكوكو في فيلم "شم النسيم" ومنه إلى بطولة ثانية مع المخرج نفسه في فيلم "من عرق جبيني" أمام فاتن حمامة، لتخطو سميرة أحمد بهذه الأدوار الثلاثة خطوة مهمة في مشوارها الفني، فهل هذه هي البداية؟
وكانت شركة أفلام الهلال (بطرس زربانيللي أو شريف زالي لاحقا)، تعدّ سنة 1953 لفيلم بات من أهم كلاسيكيات السينما المصرية هو "ريا وسكينة" فاختارت مع مخرجه صلاح أبو سيف الوجه الجديد سميرة أحمد، لتكون بطلة هذا الفيلم المهم أمام أنور وجدي وفريد شوقي ونجمة إبراهيم. وبعد النجاح الساحق الذي حققه الفيلم عرف السينمائيون والجمهور على السواء أن هناك ممثلة جديدة اسمها سميرة احمد، فهل هذه هي البداية؟
غير أن هذه الموهبة الناشئة بمجرد أن بدأت تتنسم هواء النجومية واتسعت مساحات أدوارها، كان عليها أن تواجه واقعاً سينمائياً غاية في الصعوبة أول ملامحه وأكثرها وضوحاً حالة التشبع التي كانت تعيشه الساحة السينمائية في ما يتعلق بنجمات الصف الاول. لم تكن فقط حالة تشبع من حيث عدد هؤلاء لكن الواقع الأشد صعوبة، أن جميعهن سبقنها بسنوات عديدة وربما بعشرات الأفلام، ففي الوقت الذي كانت فيه سميرة أحمد تقدّم فيه أولى بطولاتها الواضحة "ريا وسكينة"(1953)، كانت فاتن حمامة قد شاركت في 43 فيلماً، بينما أدت صباح بطولة 22 فيلماً. أما شادية فكانت حتى العام 1953 قد قدمت 51 فيلماً، فيما كانت ماجدة قد ظهرت في 20 فيلماً. كذلك كانت نعيمة عاكف بطلة لعشرة أفلام وهدى سلطان صاحبة 11 فيلماً، فضلاً عن الوجود القوى والمؤثر لنجمات ما قبل الحرب العالمية الثانية: تحية كاريوكا، سامية جمال، نور الهدى، ليلى مراد، وغيرهن.
ولم يكن هذا هو التحدي الوحيد الذي انتصرت عليه سميرة أحمد في بداياتها، وإنما واجهت تحدياً مهما آخر تمثل في الوقوع على ملامح شخصيتها الفنية التي تميزها وسط هذا الكم الهائل من الطاقات الفنية الموجودة في الساحة. فهي بالتأكيد لا تتمتع بالقدرات الغنائية التي تمتلكها كل من صباح وشادية وهدى سلطان، ولا الطاقات الاستعراضية لنعيمة عاكف، ولا هي كذلك تميل إلى بكائيات فاتن ومريم وماجدة واختياراتهن المليودرامية، أما الكوميديا فلم تكن حتى ذلك الوقت أمراً مرغوباً فيه من صاحبات البطولات النسائية الأولى اللواتي تركن الأمر تماماً للنجوم الرجال واكتفين بالأدوار الثانية والمساعدة كحال ماري منيب وزينات صدقي. فضلاً عن ذلك، فإن السينما المصرية لم تكن حتى ذلك الحين أيضاً قد صنعت نجمات للإغراء بحجم هند رستم وبرلنتي عبد الحميد وهدى سلطان، وكانت الموجودات يملأن بالكاد المساحة الممنوحة للأدوار الثانية على غرار لولا صدقي وزمردة، فماذا يمكن أن تقدّم سميرة أحمد لجمهور لم يتعرف عليها بعد؟
اختارت أولاً أن تجرب نفسها في أدوار الشرّ، فأدت دور الفتاة التي يحركها جنون الغيرة في فيلم "قرية العشاق" لأحمد ضياء الدين، أو الفتاة التي يقودها الطمع إلى الاستغلال الخاطئ للثروة المفاجئة في فيلم المخرج حسين فوزي "مليون جنيه". لكنها في الشر الخالص أو ما هو أقرب إلى الضعف الإنساني، لم تجد نفسها في هذه النوعية من الأدوار، فراحت تؤكد على الصورة التي ظهرت عليها في أفلامها الثلاثة الأخرى في تلك الفترة: ريا وسكينة، المجرم، والأستاذ شرف. وهي صورة الفتاة الرقيقة الناعمة التي لا تغرق في الرومانسية ولا تبتعد عنها في الوقت ذاته، مع اختلاف التفاصيل التي أبعدتها من إطار المليودرامات السائدة في ذلك الوقت. وفي العام 1955 كانت خطواتها السابقة قد أنضجتها ورسخت قدميها، وباتت مهيأة للقائها المهم مع المخرج عز الدين ذو الفقار في فيلم "أغلى من عينيه". هذا اللقاء الذي تعتبره سميرة أحمد نفسها بدايتها الحقيقية في السينما.. كان الرجل يريد أن يقدّم تناولاً جديداً لشخصية كفيفة البصر لا يثير فينا الشفقة على النحو العاطفي المباشر الذي حدث مع المطربة نور الهدى بطلة فيلم عبد الوهاب الشهير "لست ملاكاً" للمخرج محمد كريم سنة 1946، أو على الطريقة البوليسية المثيرة التي اختارها المخرج حسن الإمام لفاتن حمامة في فيلم "حب في الظلام" سنة 1953، وأيضاً لا تبدو بالحدة التي ظهر عليها مكفوفو البصر من الرجال كحال أحمد سالم بطل فيلم "المنتقم" لصلاح أبو سيف، وسراج منير بطل فيلم "أسير الظلام" لعز الدين ذو الفقار نفسه، وهما بالمصادفة من إنتاج سنة 1947. كان عز يريد في بطلته أن تكون مكفوفة البصر نعم، لكنها ليست على هذا الضعف الذي يتصوره الآخرون في فاقدي البصر، صحيح تعتريها لحظات انهيار لكنها حالة من حالات الضعف الانساني التي يمكن أن تصادف أي شخص آخر يصيبه الإحباط في موقف أو تخنقه الأزمة، وقد وجد ذو الفقار ضالته في من تقوم بأداء هذه الشخصية، ولم تكن هذه الممثلة سوى سميرة أحمد التي كانت تتعاون معه للمرة الأولى.
تفهمت سميرة أحمد الشخصية جيداً، وعرفت كيف تفرق تماماً بين لحظات اليأس والانهيار التي يمكن ان تهاجمها أحياناً، وبين معنى الأمل الذي تعيش عليه انتظاراً لليوم الذى تجري فيه الجراحة في عينيها وتستعيد بصرها من جديد، وفطنت إلى أن هذا الأمل يعطى تلك الشخصية قوة في مواجهة ظروفها القاسية، بل ويمنحها القدرة على العطاء باتجاه زوجها وإسباغ حنانها عليه بدلاً من أن تكون هي التي بحاجة إلى ذلك الحنان والذي يكون عادة مصحوباً بالشفقة مثلما يحدث في أي معالجات أخرى لشخصية المعاق أو المعاقة. لقد كان الضعف الانساني إذن هو الاستثناء، والنعومة والحنان والدعة هي القاعدة، وفيما كانت تعيش حالة النضج هذه بعد هذا الفيلم، أدرك صناع السينما ملاءمتها لتقديم أدوار أصحاب الإعاقات، فأدت دور فاقدة البصر خمس مرات، ودور المجنونة في فيلم "هل أنا مجنونة"، والقعيدة في فيلم "الضياع"، فضلاً عن درة أفلامها "الخرساء" سنة 1961 من إخراج حسن الإمام.
ورغم نجاحها وتميزها في تقديم الدراما النفسية في شاشة السينما، فإن لها كثيراً من العلامات الأخرى المستقرّة في أذهان عشاق السينما: البنات والصيف، شاطئ الحبّ، صراع الأبطال، أم العروسة، صاحب الجلالة، خان الخليلي، السيرك، الشيماء، عالم عيال عيال، امرأة مطلقة، وغيرها. لقد قدمت سميرة أحمد حتى الآن 74 فيلماً بين مصر وسوريا ولبنان وتونس وتركيا. لم يثبت يوماً أنها تنازلت أو حادت عن القواعد الصارمة التي وضعتها لنفسها منذ نجاحها في أفلامها الأولى، وعندما أعطت اهتمامها للأعمال التلفزيونية في المرحلة الأخيرة قدمت مجموعة من المسلسلات باتت هي الأخرى علامات في مسيرة الدراما التلفزيونية مثل: امرأة من زمن الحبّ، ضد التيار، أميرة في عابدين، يا ورد مين يشتريك، وماما في القسم.
