ندى أبو فرحات "للمدن": بالكتابة ومَسرَحة نَصّي الخاص...شُفيت

محمود وهبةالثلاثاء 2025/11/25
Image-1764092220
ندى أبو فرحات في "آخدة كسرة"
حجم الخط
مشاركة عبر

تخرج ندى أبو فرحات من "آخدة كسرة" كما لو أنّها تخرج للمرة الأولى من ذاتها. في مسرَحي "لا سيتيه" و"مونو"، تقف أمام جمهورٍ يعرفها ويجهلها في الوقت نفسه، وتقدّم عملاً لا يختبئ خلف الشّخصية وإنما ينطلق مباشرة من سيرة حادثة سقوطها في حفرة. هذا العمل الذي وُلد من حادثة حقيقيّة، يتجاوز حدود الحكاية الفرديّة ليلامسَ روح المدينة، وحياة الجمهور الذي يبحث معها عن معنى التعافي.

للمرة الأولى تكتب ندى نصّها وتواجهه وتعيد تركيبه، ثم تقف داخل الجرح بلا قناع أو زينة. تتحدّث بطلاقة غامرة عن جرحها، تنكؤه وتعيدُ رسم المشاهد كما حصلَت معها. 

يُمكنُ للناظر إلى المسرحية أن يرى أنّ عمل فرحات ينقسم إلى قسمين: الأول له علاقة بالمرأة في خمسينياتها، فترة "المينوبوز" جينما تواجه تغيّرات جسدها وما يترافق معها من حالات شعوريّة ونفسيّة مهولة كفيلة بتحويلها إلى كائن فائق الهشاشة. أما القسم الثاني فيقوم على سرديّة خالصة لحكاية سُقوطها، بلا خجل، بلا خوف بلا أقنعة وكأنّها تبعث المشهد حياً من جديد.

في هذا الحوار، تروي أبو فرحات لـِ "المدن" كيف وُلد النص، والأدوات التي ساعدتها لتجاوز الحادثة، وما أخافها في مواجهة الجمهور، وكيف تحوّل هذا السقوط الشخصي إلى مساحة لقراءة ما يحدثُ في المدينة. عن السياسة التي تتسرّب رغماً عنها إلى الخشبة، وعن دور الصّورة داخل المسرح، وعن السؤال الأعمق: هل يساعد الفنّ صاحبه فعلاً على الشفاء؟ وعن تحوّلات المرأة بعد الخمسين، كان لـِ "المدن" معها هذا اللقاء.

( تجدر الإشارة إلى أنّ مخرج العمل إيلي كمال حضر الحوار وشاركناه بعض الأسئلة التي تتقاطع مع العمل ورحلته، موجودة في ختام الحديث).

 

- متى ولدت لديك فكرة تحويل الحادثة إلى عمل مسرحي؟

 

حين عدتُ من المشفى إلى المنزل، وبعد زوال كلّ التعب والمعاناة والأوجاع وزيارات الأهل والأصدقاء. جلستُ مع نفسي للحظة بعد كلّ هذا الضجيج فجاءني شعور بأنني عاجزة وأريد أن أعبر بالكتابة. ورحتُ أسألُ نفسي ما الذي قد تُخرجُه مني حادثة السّقوط هذه؟ بدأت تخرج الأفكار والذكريات، وكأنني في حالة من التداعي الحرّ. مشاهد وصور وصراخ وأوجاع وتحسّر. كل الأفكار هذه جمعتُها ووصلتُها ببعضها البعض وكان هذا النّص. 

 

 

- النص الذي كتبته هو ما رأيناه كما هو؟ أم خضع لتعديلات؟

 

كما هو، كما كتبته وكما خرج في البداية.

 

- علامَ ساعدكِ النص أثناء كتابته؟ 

 

بدأ الأمر على شيء من الغرابة؛ إذ أنني أكتبُ للمرّة الأولى. لكني شيئاً فشيئاً شعرتُ أنّ الكلمات التي أكتبها والمشاهد التي أصفُها هي عبارة عن مشاهد حقيقيّة ومضحكة بالرغم من ألمها. تعوّدتُ على فكرة أنني أكتب وصرتُ أستيقظ صباحاً وبي حماس لإكمال الكتابة وهكذا كان. تستطيع القول أنّ فعل الكتابة على النحو الذي حصل معي كان فيه شيء من العلاج والتشافي.

 

- ما أوّل ما خطرَ لكِ حين بدأتِ الكتابة وحين فكّرتِ بأنّ النص قد يتحوّل مادة مسرحيّة؟

 

لا أخفيكَ أنني بمجرد أن فكرت في النص كعرض مسرحي انتابني شعور كبير بالخوف. هذا الخوف مردُّه أنني أوّل أكتب للمرّة الأولى. عادة ما أكتبُ يومياتي وقصصي، لكني لم أنشرها ولم أحوّلها إلى عرض. مع ذلك، كان لديّ إصرار على أن أكمل الكتابة وأكملت. 

 

- ما الذي ساعدكِ؟

 

صورةُ الجمهور التي رسمتُها في مخيلتي. الجمهور الذي خطر لي للوهلة الأولى هو الذي دفعني للمضيّ قدماً. وأيضاً أن أتخيّل نفسي بالتحديد وأنا واقفة على خشبة المسرح أؤدي نصي. فكرة مغرية. 

 

- ما الذي أعطاكِ إياه الجمهور بالتحديد؟

 

الجمهور في الحقيقة هو جزء من الأفكار التي خطرت لي أصلاً. لا يمكنني أن أفصل بين النص كما هو والجمهور الذي يتلقاه. كلّ ما مرّ عليّ يمكن أن يتعرّض له أي شخص من الجمهور الذي يسمع ويرى. أنا مواطنة لبنانية أعيش في هذه البقعة من الأرض، أنا امرأة في الخمسين، ما يهمني يهم كثيرات من الحاضرات. كلّ هذا المزيج يُمكن للناس أن يشاركوني إياه. 

 

- لاحظنا قبل بدء العروض أنّك سجّلتِ لحظات عديدة من المشفى، ما الذي كان يدور في بالك؟ 

 

نعم صحيح. لقد قمتُ مع شريكي بتسجيل لحظات كثيرة من المشفى والمنزل والحادثة وما بعد العمليّة. لم أكُن أفكر في شيء بالتحديد، لكني كنت على يقين من أني إما سأعرض هذه اللقطات في السوشال ميديا، أو سأقوم بتحويلها إلى عرض وهذا ما حصل.

 

- ماذا عن تجربة النص الأوّل؟ 

 

قبل الحادثة هذه، كنتُ قد بدأت بكتابة عمل آخر مختلف. العمل كان في نهاياته، هو مزيج من الخيال والقصة. بعد الحادثة تبدّل كلّ شيء وبدأتُ بنص عن التجربة. 

 

- ما الذي أخافكِ في الجمهور؟ وفي أي قسم من المسرحية بالتحديد؟

 

أستطيع القول إنني كنتُ أعلم أن الجمهور آتٍ ليعرف ما حلّ بي وما قصة هذه الحادثة. لكن ما أخافني هو القسم الأول، "المينوبوز" أن أطرح هواجسي هكذا وأكون بلا أقنعة، كان فعلاً أمراً مخيفاً. أما مقطع الحادث فكنتُ على ثقة تامة بأنّ الجمهور سيتقبّل على نحوٍ صحيح وسنتأثر جميعاً.

 

- إلى أيّ حدّ يمكننا القول إنّ حادثة سقوطكِ أنتِ تُحيلُ إلى سقوط مدينة؟

 

بلا شك. بلدنا كله في حفرة. لا أظن أن التحليل قد يفيد في شيء. ما عانيته ورويته في العرض هو عرض بسيط لما يعيشه اللبناني في بلده. هو تجسيد حيّ لحياة اللبنانيين ومشاكلهم وأزماتهم المستعصية. البلد يريد أن يخرج من الحفرة ولا يعرف كيف يخرج منها، الشعب عاجز أيضاً. كلّنا في هذه الحفرة. إحالتكَ صحيحة وفي مكانها.

 

Image-1764092373
"آخدة كسرة"

 

- هناك يأس في كلامك!

 

ربّما هذا الشعور الذي أنقله لكَ، يُفسّر على أنّه يأس، لكنّنا في بلد قائم على اللامبالاة وأشياء أخرى. المسرحيّة ليس فيها رسالة سياسيّة، فيها نقمة، وجع، عتب، شهادات لأشخاص سقطوا في الحفرة ذاتها. لا أدري. هناك لامبالاة لا علاقة لها بالسياسة.

 

- أين المتلقي مما تقولين ومما قدَّمتِ في العرض؟

 

ربما الحادثة شكّلت عندي مساحة للتفكير في ما أريد ومساحة للدخول إلى ذاتي والكتابة منها وعنها. 

 

- الشهادات والفيديوهات التي قدّمتِها لنا أثناء العرض ما هدفكِ منها؟

 

الفيديوهات هي قيمة مشتركة مع الآخرين. أضفتُها كي تكون أشيائي مشتركة مع الآخرين. أتت الفيديوهات كشهود عيان على ضحايا المصائب. الحروب والانفجارات كي لا نشعر أننا وحدنا. أنا واحدة من مجموعة كبيرة نجت.

 

- هل ساعدكِ العرضُ على التشافي؟

 

نعم. ساعدني العرضُ كثيراً على التشافي، وعلى تقبّل فكرة أنني لا أستطيع المشي لأشهر. الجمهور أيضاً كانت له حصّة في ذلك. أن أتحدث عن الأمر بهذه الطريقة، نعم ساعدني. هذا المزيج بين ضحك وبكاء وألم ووجع وتمرين وغيره، فعلَ فيّ فعلتهُ وجعلني أفضل.

 

- ماذا عن رحلة العمل؟ 

 

قرأتُ النص للمخرج. عملنا على تعديله وبدأنا رحلة الاشتغال عليه كنص مسرحي لمسودّتين. وبدأنا رحلة التمرين. لم أكن على علم في ما يفكر فيه كمخرج. رحلة العمل تخلّلها الكثير من الصّمت. هذا الصّمت سمحَ لي بأن يتخمّر هذا النص في ذهني. علمتُ قبل يومين من العرض بخطته للعرض خصوصاً أنني لا أستطيع السير والمشي أبداً. في الحركات البسيطة التي أديتها على المسرح كان هناك جوّ ينقلُني من حالتي كشخص معطوب إلى مؤدٍّ يقوم بدوره على نحوٍ ممتاز ويتحرّك قدر استطاعته. 

 

Image-1764092551

 

- كيف تمكّنتِ من هذه التوليفة بين المينوبوز والحادثة؟

 

نوعية الحادثة وما جرى، كلّها ربطتُها بالعمر، وبكل ما مر عليّ سابقاً. أنسى أنني في الخمسين ويجب عليّ الانتباه لجسدي وأتعاطى معه على أساس العمر والمشاغل والقدرات. 

 

- هل تفكّرين بتخصيص نصّ عن المرأة في الخمسين؟

 

أفكِّرُ فعلاً في الموضوع.

 

سحر الذات بين يدي إيلي كمال

في حوارنا مع إيلي كمال، على هامش المسرحيّة، يُدخلنا إلى تفاصيل ورحلة العمل مع ندى أبو فرحات، وعن أهميّة تحويل حادثة شخصيّة إلى مادة فنيّة يتقاطع فيها الشخصي مع العام. فنسأله عن رحلة النص وتفاصيله فيجيب قائلاً:"من أهم عناصر العمل المسرحي هو الصدق، أن نقرأ نصاً بلا تكلّف ولا ادعاء. وأيضاً أن يكون النص بعيداً من اجترار العواطف. حين قرأتُ النص وجدتُ كل هذه الصفات التي ذكرتها وأضف أيضاً وجدتُ كمّاً كبيراً من التهكم. وهذا ما ساعدني على الدخول أكثر في تفاصيله ومنعرجاته".

 

قاطعناه لنقول إنّه أحياناً تكون رحلة الكتابة عن حادثة على نحوٍ سريع أمراً خطيراً فأجاب:" لا تخيفني فترة الكتابة عن حادثة مباشرة، أنا عادة أتروّى أكثر. كان هناك نوع من التوازن بيني وبين ندى. اتفاق ضمني على العمل، كلٌّ منا بطريقته".  أما حين سألنا عن العفويّة وعن التعديلات التي خضع لها النص، فقال: "ينبغي أن نترك الأشياء على سجيتها. هناك سحر للذات وللتخبيص والعفوية. راهنتُ في العمل على هذه الجوانب لأن الهم الأساسي هو نقل حالة شعوريّة تولّدت نتيجة حادثة سقوط وهذا ما حصل". 

 

وبالكلام عن المتلقي وإمكانية التفكير فيه كعنصر مهم خلال صناعة النص أوترتيبه، فأكّد:" أنا عادةً أفكّر في النص أولاً، ثم يأتي المتلقي. النص يصل إذا كان صادقاً ونابعاً من قلق ذاتي. الجمهور ليس مستهلكاً، هو سيتلقى هذه الدعوة ونرغب في أن يلبّيها!". ويضيفُ مؤكداً:" ما أرغب فيه حقاً هو أن تبقى من العمل جملة واحدة يمكن أن يبنى عليها للأمام".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث