عبرت السنوات الأخيرة نحو تحوّلٍ واضحٍ في الطريقة التي يتلقّى بها الجمهور أعمال المفكرين والكتّاب، حيث لم يعد النص هو مركز الثقل، ولا النظرية هي البوابة الأولى للقراءة، بل صارت السيرة الشخصية - بما تحمله من التباسات وأخطاء وما يكشفه الزمن المتأخر من طبقاتها – هي الفلتر الذي تمرّ من خلاله الأعمال قبل أن تُقرأ.
هذا التبدل، الذي يمكن وصفه بأنه انتقال من الفكر إلى الشخص، يكشف تغيراً عميقاً في الحساسية الأخلاقية المعاصرة وفي علاقة الجمهور بالكاتب، بل وفي مكانة المعرفة داخل المجال العام. لذلك أصبحت القضايا التي تُثار اليوم حول نعوم تشومسكي، الفيلسوف واللغوي الأميركي المعروف بنقده للقوى الكبرى والإمبريالية، وعلاقته مع المتهم باغتصاب القاصرات جيفري أبستين، أو تلك التي ظهرت قبل سنوات بشأن ميشال فوكو، أمثلة حيّة على هذا المسار.
في القرن العشرين، وخصوصاً نصفه الثاني، هيمنت فكرة الفصل بين المؤلف والنص. إذ رفع النقد البنيوي وما بعد البنيوي هذا المبدأ إلى مرتبة القاعدة، وربما كان رولان بارت هو من أعطاه صيغته الأكثر راديكالية حين أعلن "موت المؤلف". لم يكن المقصود محو المؤلف بوصفه شخصاً، بل تحرير النص من سلطته، وتركه ليُقرأ وفق بنية داخلية، لا يحتاج القارئ وفقها أن يمرّ عبر حياة كاتبه. بهذه الروح أمكن للجمهور المهتم أن يتعامل مع فكر هايدغر من دون ربطه المباشر بنازيته، أو يدرس ألتوسير ضمن مشروع نظري متماسك، رغم معرفة الجميع بأنه قتل زوجته خنقاً، أو يقرأ سارتر بوصفه بنية فكرية لا بوصفه حياةً شخصية مضطربة. وكذلك كان يُنظر إلى فوكو: المنظّر للسلطة والجسد، لا رجل السيرة.
غير أن هذا النموذج بدأ يتصدّع تدريجياً. ومع دخولنا العقدين الأخيرين، إذ حولت السوشال ميديا حياتنا كلها إلى مساحة مشاهدة ومتابعة مكشوفة أمام الجميع، بدا واضحاً أن الحساسية الأخلاقية تغيّرت، وأن الجمهور لم يعد مستعداً لقراءة الفكر بمعزل عن الشخص. الأمر الذي أدى إلى فتح الباب أمام كل ما كان يُعدّ هامشياً أو منسياً في سِيَر المفكرين، وصعدت مطالب جديدة بالشفافية والمحاسبة، مع انتشار حركات اجتماعية عالمية جاءت لتهزّ السرديات التقليدية حول السلطة والسلوك الشخصي. هكذا انتقل الجمهور من سؤال: ماذا كتب المفكر؟ إلى سؤال آخر: من كان؟ وكيف عاش؟ ومن رافق؟ وما الذي سكت عنه؟
تظهر هنا النقطة الأكثر حساسية: لم يعد الجمهور يقرأ الفكر ثم يمرّ على السيرة، بل أصبح يفعل العكس؛ يقرأ الإنسان أولاً، ثم يعرض عمله على ميزان السيرة. أسباب هذا التحوّل، متداخلة. أولها أن العصر الرقمي وسرعة الوصول للمعلومات، فتحا حياة المفكرين والأدباء والفنانين على مصراعيها. وما كان يختفي خلف ورق الرسائل أو خلف زمن مضى، صار محفوظاً الآن في ذاكرة لا تنسى؛ مراسلات قديمة، رسائل إلكترونية، صور، شهادات تظهر فجأة. ويمكن لواقعة هامشية في الماضي أن تعود وتتحول إلى مادة نقاش عام، ومع هذا الانكشاف، لم يعد النص وحده كافياً لحماية صاحبه.
والسبب الثاني أن المفكّر لم يعد يُرى بوصفه منتجاً للمعرفة فحسب، بل بوصفه شخصية عامة أو نجماً، يُعامل وفق مقاييس أخلاقية مشددة. الجمهور اليوم لا يكتفي بكتاب دسم أو نظرية لامعة؛ يريد أيضاً قدوة خالية من التناقضات، وصوتاً أخلاقياً ينسجم مع خطابه. لذلك بدا الجدل حول تشومسكي عنيفاً: ليس لأن الوثائق أثبتت تورطاً مباشراً، بل لأن مجرد وجود اسمه في محيط شخصية مثل أبستين بدا منافياً للصورة الأخلاقية التي بناها الناس عنه. الأمر ذاته مع فوكو، حيث تحوّل اتهام غير مثبت إلى مادة لإعادة النظر في مدى انسجام حياته مع خطابه عن السلطة والحرية والجسد.
أما السبب الثالث فهو ثقافي ونفسي في آن واحد. لقد تغيّر معنى "القدوة" الفكرية أو الأخلاقية*. كان المثقف في الماضي مطلق اليد في حياته الخاصة، حيث يُنظر إلى تناقضاته على أنها جزء من تعقيد الوعي. اليوم، اختفى هذا الهامش. المفكر مطالَب بأن يكون نسخة أخلاقية من أفكاره، وأن يعكس في حياته ما يدعو إليه في نصوصه. وهذا التوقع الجديد يجعل أي انحراف حقيقي أو محتمل مادة لإدانة واسعة.
ولا يمكن فهم هذا كله من دون الإشارة إلى السياق العالمي الذي جلبته حركات مثل #MeToo وغيرها، حيث صار السلوك الشخصي جزءاً من النقاش السياسي والأخلاقي. لم يعد ممكناً التعامل مع الانتهاكات كأمور خاصة. لقد دخلت الحياة الشخصية للمفكرين في نطاق الفضاء العام، حتى لو كانت الأحداث قديمة أو غير مؤكدة. ومع ذلك، تظل المفارقة قائمة: نحن في زمن يطالب بأعلى قدر من الأخلاق، لكنه في الوقت نفسه يكشف حياة أصحابه بأقسى درجة ممكنة. وبين هذين القطبين يتعرض المفكرون لمحاكمات علنية لا ترحم.
يبقى السؤال: هل هذا التحول خطوة أخلاقية نحو مزيد من العدالة، أم أنه شكل جديد من الرقابة الاجتماعية التي تُضيّق مساحة الفكر؟ الواقع أن فيه الإثنين معاً. فمن جهة، يَسمح بمحاسبة لطالما تأجلت، ويمنح الضحايا صوتاً كانوا محرومين منه. ومن جهة أخرى، يحمل خطر اختزال المعرفة في سيرة صاحبها، وخطر إلغاء أعمال مهمة لأن أصحابها لم يكونوا قديسين.
العودة إلى زمن "موت المؤلف" لم تعد ممكنة. لكن ما يمكن فعله هو إيجاد توازن جديد: أن نقرأ المفكر داخل مشروعه الفكري، وأن نضع حياته في سياقها التاريخي، وأن نواجه تناقضاته من دون إعادة كتابة فكره على مقاس سيرته. هذا التوازن صعب، لكنه الطريق الوحيد لحماية المعرفة من التشويه، وحماية الأخلاق من التحول إلى أداة تسوية قسرية تُلغى فيها الفوارق ويُختزل الفكر كله في سلوك صاحبه.
(*) قبل سنة من الآن، ضربت الأوساط العامة الفرنسية فضيحة كبرى تتعلق بالأب بيير، الشخصية الشهيرة المعروفة لجهة الالتزام بقضايا المشردين والفقراء، ليتبين أنه أيضًا معتدٍ على النساء ومتحرش ومغتصب. انظر مقال سلام كواكبي عن القصة في المدن.
