الأندية السينمائية الخاصة...مقاومة السوريين الثقافية

جواد ديوبالثلاثاء 2025/11/25
Image-1764058617
رشا ملحم خلال تصوير فيلمها "على الحافة"
حجم الخط
مشاركة عبر

تتقاطع معظم آراء عشاق السينما والمشتغلين فيها مع الفكرة التي ترى أن نوادي السينما الخاصة في غاياتها النهائية هي فسحة ضرورية للنقاش، ووعدٌ مؤجلٌ بمجتمع سوري أكثر تآلفاً. "المدن" اطلعت على تجارب شباب سوريين أسسوا وأداروا نواديَ سينمائية، وكانت لكل منهم حكايته.

 

يقول ناصر منذر مؤسس "نادي سينما جرمانا": نحن موجودون في جرمانا (ريف دمشق) لكسر احتكار العاصمة للنشاطات الثقافية، ولإغناء هذا التجمع البشري المتنوع طائفياً من بيئات سورية وعراقية وعربية مختلفة. ومنذ البداية كنا واعين لأهداف النادي في التقريب بين الناس من خلال فكرة العرض ذاتها والنقاش الذي يليها". يدرك منذر أن تلاقي أناس وشباب من مختلف البيئات والطبقات والخلفيات الدينية هو هدفٌ من أهداف النادي، رغم حساسية هذا التلاقي -كما يعبّر- مع ما حصل مؤخراَ من أحداث جرمانا الماضية ومجازر السويداء، وما يلي ذلك من نقاشٍ ساخنٍ بين أفراد جمهور النادي!

 

 ويلفت منذر إلى نوعية الأفلام الخاصة والنادرة التي يحرص على مشاركتها مع جمهور النادي، ويضيف: "بعد سقوط الأبَد الأسدّي بدأنا تظاهرة "سينما الحرية" وعرضنا فيها 23 فيلماً عمّا عاشه السوريون خلال السنوات السابقة، وعرضنا فيلم "طعم التفاح أحمر" للمخرج إيهاب طربيه، تدور أحداثه ضمن إحدى قرى الجولان المحتل في بيئة الموحدين الدروز، وهو مشغولٌ قبل السقوط لكن على خلفية الثورة السورية... لنتعرف من خلاله على القلق الوجودي عند تلك الطائفة وحيثيات المعيش اليومي عندهم."

 

Image-1764058561

 

دحض مركزية الفن 

الشاب المخرج محمد اليسّوف يحكي لنا كيف أنه بجهود ذاتية فردية منذ 2017، ومن دون أي دعم مالي من أي جهة، اشتغل على "نادي اللاذقية السينمائي" حيث كان يستأجر بروجكتور العرض، وغالباً ما يتكفل بأجرة المقاهي المتنوعة حيث يعرضون الأفلام، كل أسبوع في مكان، مدفوعاً بقناعة تامة بضرورة أن تكون هناك في مدينة اللاذقية "سينما بديلة" عن تلك التي "تحتكرها" دمشق لمجرد كونها العاصمة، حسبَ تعبيره. ويقول للمدن: "عملنا على دحض مركزية الفن في المركز.. أي فكرة وجود كل ما يخص الفنون في العاصمة وحدها، فحتى المعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد السينما موجودان في دمشق... لذلك حاولنا تشجيع فكرة أن مدناً سورية أخرى تحتاج للفنون بكل أشكالها".

 

"ولم نتوقف سوى أسبوع واحد بعد سقوط النظام"، يضيف اليسوف، "رغم تخوف مرتادي النادي السينمائي من التضييق عليهم... أو دعني أقول بدقة أكثر: رغم وجود خوف حقيقي سببه الأحداث الدامية التي حصلت في الساحل، فإن جمهور الشباب في مدينة اللاذقية كانوا مصرّين على الحضور من مبدأ أن حضورهم ذاته هو فعل حفاظ على الحياة، لا سيما بعد الهجرة الكثيفة لشباب اللاذقية خلال سنوات الحرب وبعد سقوط النظام، بل من وجهة نظرهم أن الفن السينمائي هو حل لمواجهة الخوف ذاته عبر تحويل المُشاهدة والسينما إلى طقس أسبوعي بعد اندثار ما كان يسمى شارع السينمات، وإغلاق صالته الأربع كلها".

 

خسارات بالجُملة

المخرج الشاب فراس محمد، الحاصل على جوائز وتكريمات عديدة، يتأسى لوضع السينما في سوريا عموماً، ويأسف للحال الذي انتهت إليه تجربته كمؤسس نادي "بيت السينما". يقول: " بيت السينما كان مساحة للنقاش، تمكنّا من الحفاظ قدر الإمكان على استقلاليتها، كان أشبه بمشروع سينما من أجل السينما، بعروضه المجانية من جهة، ووجود عروضه ضمن صالة سينما، وبشروط عرض سينمائية، وهذا أتاح لبيت السينما استقطاب عدد كبير من المتابعين و"السينفيليين" ، ومن جهة أخرى فإن النقاش بعد العروض وطريقته الحرة إلى حد ما، حوّلا بيت السينما إلى مساحة تعبير بديلة ومغايرة لغالبية مشاريع المؤسسة العامة للسينما في ذلك الوقت."

 

Image-1763680411
فراس محمد

 

كان فراس محمد يأمل، بعد سقوط النظام، في إعادة افتتاح هذا المشروع، واقتراح تظاهرات وأفلام كان من المستحيل عرضها سابقاً، بل وإتاحة مناخ من المشاهدة الجماعية لأفلام لم يسبق نقاشها على المستوى الجماعي. ويضيف: "طُرح هذا الموضوع في وزارة الثقافة وقوبل بالترحيب مبدئياً… لكن ما حدث بعد ذلك كان مجموعة كبيرة من الخسارات السينمائية التي لحقت ليس فقط ببيت السينما، بل بمشروع بناء السينما السورية المرتبط بحقبة ما بعد الأسد، خسارات أتت من ضعف الرغبة في تحقيق مشروع سينمائي، وضعف الكفاءة لتنفيذه، فما بالك بنادي سينمائي لا يتجاوز عمره ست سنوات؟! لذلك بات بيت السينما أحد الضحايا بدلاً من أن يكون أحد المشاريع التي يُعاد إحياؤها، وترافق ذلك مع خسارتنا أهم صالة سينما في دمشق (صالة الكندي) وكانت تُعدّ مقراً للنادي، للأسف الرضوخ لإغلاق الكندي كصالة عرض سينمائية تشبه مهادنة الصمت أو الاحتماء به، وهذا عكس الغاية الحقيقية لنادي السينما."

 

تواصُل وقيمة مضافة

رشا ملحم، مخرجة سينمائية شابة، سيعرض فيلمها الجديد "على الحافة" في المهرجان السينمائي في الجامعة الأميركية الدولية في الكويت. تقول "للمدن": "أعيش خارج مركز العاصمة في ضاحيةٍ تضم تجمعاً سكانياً ضخماً جداً، لكنها لا تحتوي صالة سينما واحدة، ولا أي نادٍ سينمائي، ولا حتى أي مظهر لنشاط ثقافي يؤالف بين الناس. لذلك، وبصفتي مخرجة ومتابعة، كانت تجربتي مع النوادي في قلب دمشق قيمةً مضافة، أتاحت لي التواصل مع خبرات السينمائيين الآخرين ومع آراء مختلفة، شاهدَتْ الأفلام من زوايا نظر شخصية جديدة، وأضاءتْ أو اكتشفتْ تفاصيل جديدة في السيناريو أو في الصورة لم تكن من قصديّات وشواغل المخرج نفسه."

 

وتشير ملحم إلى أهمية تجربة نادي "سينما بناء" في مقر حركة البناء الوطني بدمشق، لكنها ميالة إلى تجربة "بيت السينما"، بسبب مميزاته في عرض أهم الأفلام العالمية بشروط عرض عالية، فقد كان يستفيد من صالة الكندي (الرسمية) وكل طقس الفرجة المتكامل تقنياً، وهذا ما لم يكن موجوداً في باقي النوادي حيث قد تخسر الأفلام الكثير من جماليات الصورة السينمائية ومتعة الأصوات والموسيقى، حين لا تعرض على شاشة عملاقة حقيقية مع تقنيات صوت عالية بدلاً من عرضها عبر بروجكتور عادي وعلى حائط في مقهى ما. تخيل أن تشاهد مثلاً فيلم ( In The mood for Love) على تاب أو لابتوب او جهاز إسقاط... كيف لي آنذاك أن أقدر قيمته العالية وهو واحد من جواهر السينما العالمية!؟"

 

خريطة السينما المجتمعية

جميع من التقتهم "المدن" يتفقون على الأمل العنيد في بقاء واستمرار النوادي السينمائية في سوريا، لأنها، في رأي رشا ملحم، يجب أن تؤدي دوراً أبعدَ من حيث ضرورة انتشارها في المدن والقرى والضواحي، ودوراً أعمقَ من حيث تعزيز النشاط السينمائي في البلاد بما يحاكي مهرجانات العالم، إضافة إلى أنها تتيح عرض أفلام للشباب كنوع من الدعم، سواء للمخرجين الشباب أو لجمهور سوري ابتعد نهائياً عن حضور الفعاليات بسبب ظروف البلد المؤلمة.

 

كذلك الأمر بالنسبة غلى المخرجة الشابة رغد باش، مديرة "مقهى السينما" في الشام القديمة، إذ أرادت أن تثبت من خلال المقهى، الذي افتُتح بعد سقوط النظام "أنه ليس مجرد مكان لعرض الأفلام، بل هو منصة للتواصل والحوار، تعيد إحياء دور السينما كجسر للتواصل الإنساني، في زمن يحتاج فيه السوريون إلى الفن أكثر من أي وقت مضى". وتقول "للمدن": "ستستمر نشاطاتنا، بل إن مقهى السينما سيفتح أبوابه لكل مخرج يرغب في عرض أفلامه. هذا المقهى فسحة لتواصل ايجابي، بغض النظر عن المستوى التقني للفيلم، فسحة لا تشبه مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت غالباً مكاناً للتنفيس عن المشاعر السلبية والكراهية وعقد النقص". 

 

Image-1764058385
محمد اليسوف

 

 

كما أن فعل الحياة الذي تحدث عنه محمد اليسوف، يتجلى أيضاً في الاستمرارية في مشروعه والاحتفال بالرقم خمسمئة لعروض نادي اللاذقية، وهو لن يتوقف حسبما يقول، "مهما حصل من ضغوط أو تضييق من أي جهة أمنية كانت، حتى لو اضطررنا للعرض في بيوتنا، لأن ما نفعله هو بالنسبة لنا فعلُ مقاومة ثقافية".

 

وهكذا أيضاً ينهي ناصر منذر حديثه "للمدن" ويطلعنا على أنه يعمل على خريطة ما يمكن تسميته "مساحات السينما المجتمعية" غير الربحية وغير الرسمية، بالتعاون مع مؤسسة "أفلامنا"، وفي الخريطة يُدوّن اسمَ أي مكان في سوريا يعرض أفلاماً، سواء كان مقهى أو study zone أو مخيم نازحين أو شارعاً... "لنتمكن لاحقاً من التعاون المثمر وإيجاد المكان الأمثل في حال قرر أحد المخرجين أو إحدى الجهات الثقافية السورية وغير السورية، تقديم عروض سينمائية جديدة، لأن لدينا قناعة ترسخت بالتجربة أن السينما لها تأثير كبير في تحقيق تغيير اجتماعي عميق".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث