جبران سعد شاعر سوري على درجة ملحوظة من الحيوية والنشاط في حقل الشعر الواسع، يكتب بالفصحى والعامية، يختار من قصائد الآخرين، مرة للحرب وأخرى للحب، وحاضر في الترجمات إلى اللغات الأجنبية، حيث صدرت في الآونة الأخيرة مختارات من شعره بالفرنسية، ثانية بعد ترجمة سابقة بالسويدية، وقبل ذلك "أسلحة الحب – أنطولوجيا سطور شعر الحب اللبناني" بالألمانية.
ثوان حمراء هو عنوان الترجمة التي صدرت بالفرنسية في مقابل نصها العربي عن دار "المنار"، نقلها الى الفرنسية محمد العمراوي، وكتب لها مقدمة الفيلسوف والشاعر الفرنسي فيليب تانسلين، الذي رأى أن "قوة هذا الديوان تكمن في ضوئه الذي لا عزاء له عن تبددنا في ظلمات الزمن"، فالقصيدة هنا "صمت عمودي ينتصب ويستضيف الحب ضد شهية الفراغ، ضد حضنه الجاهل".
يتضمن الكتاب الجديد قصائد قديمة، قصائد الخوف، قصائد المهاجر كتبها في السويد 2012-2023، وفي هذا القسم هناك عدة نصوص مكتوبة بالمحكية. ويحتوي الكتاب الثاني على قصائد متفرقة من دون تبويب وهو قديم في تاريخ صدوره يعود لعام 2020 وكتب مقدمته الفيلسوف الفرنسي نفسه، وينقسم الى قسم فصيح ومحكي، ويلاحظ القارئ اختلافا واضحا في مستويات الكتابة واجوائها ولغتها، وفي البداية يبدو الشعر حرا على سجيته، ومن ثم تنقبض أنفاسه بسبب الخوف، ومن ثم ينفلت نهائيا الى التجريب في اتجاهات عدة، ويتطور قاموس الشاعر وتتعدد عوالمه، وتنفتح على مدى اوسع نحو بلدان وشخصيات ومدن، لتغدو القصيدة متعددة، والخيارات متنوعة، أفكار جديدة ومشاعر، وتطلعات ومغامرات وحب. يعيد الشعر إنتاج نفسه بقوة التجربة وبفعل الحرية من الداخل، بعد أن سافر الشاعر بعيدا عن بلاد الخوف.
تسعى نصوص جبران سعد في الديوانين لإيقاظ عين القارئ الداخلية، ومناشدة حواسّه، وهذه، في نهاية المطاف، قوة الشعر فهو، ليس مُتَصَوَّرا مُجَرَّدا في العقل، بل هو التجلي الداخلي الذي يرفض الاختزال إلى دلالة واحدة، يحلق في فضاءٍ لا حدود له. وتعد قصيدة "ثوان حمراء" التي حملها عنوان الديوان مثالا على القصيدة المستقلة بذاتها. تتخذ كنيسة الساغرادا فاميليا في برشلونة كنقطة انطلاق، ولكنها تطور أفكارها الخاصة، لتبدو كترنيمة في قداس ينشده "الفازعون إلى سكينة لا تعرف سنين الخوف"، يحل فيه الشعر محل الدين، والعلامات الشعرية محل النبوية، ويمارس فعله ككشاف، ما تراه العين، وما تلمسه اليد، ليس إلا ظلالاً، والصوت الذي يطرق الأذن، ليس إلا صدىً لصوت حميم وغامض، مما يهطل في البال من "شارع الأعياد السماوي"، والسفر الذي يشبه الانتقال من الظلمات الى النور، في رحلة "المياه الشامية التي عمدتني".
يكتب جبران سعد قصيدته التي نجد فيها تقاطعات ملحوظة مع قصيدة النثر السورية اللبنانية، لكن ما يميزها هو أنها نص متصل بنفس طويل، تتدفق فيه المفردات كما لو في نص سردي، ذات طقوس خاصة لجهة القاموس اللغوي الثري والمتنوع، محلي جدا، ومن بيئات متنوعة من الرحيل والسفر، وفي البنيان العام في الجملة الشعرية وخيال الصور ومقاربات المكان والزمان، ذات نبرة غنائية مشبعة بالنفس الانجيلي، ومن النقاط المهمة التي تستحق التنويه هي انتباه الشاعر إلى أن التشابه الشكلي والمضموني الطاغي في عالم قصيدة النثر العربية، يعني التفريط بالشعر، والوقوع في السهولة، ويوصل صاحبه إلى طريق مسدود، ويبقى ضمن دائرة ضيقة مغلقة.
لا يقمع جبران سعد هواجسه المحكية، بل تأخذ حيزا مهما من نصوصه، ويكاد يكون الشاعر السوري الوحيد الذي ينفرد بهذه الازدواجية أو التقاطع النصي، حيث تبدو العلاقة صريحة بين بنيتين أو عالمين في وحدة دلالية متكاملة من خلال الموضوع، والصورة، والمفردة، ورغم ميله الواضح للتعبير بالفصحى عن هوية متعددة الأوجه، فإنه لا يدير ظهره للمحكية وما تزخر به من شعر، بل تبدو وكأنها نافذة جانبية محلية يطل منها على العالم، فيرى الصور على نحو مختلف اقل صرامة، أو رئة اضافية لتنفس هواء مختلف من طبيعة أخرى، بمواصفات لا تشبه تلك التي تتشكل وتلد فيها قصيدة اللغة الفصحى، وهو أمر في نهاية المطاف قد يكون ضربا من مرح الكتابة، لكنه مقصود لذاته، يتم من أجل العزف بآلة ايقاعات ذات تحفيز عال على الغناء بصوت عال. ومن دون شك يبدو جبران ملما بأدوات المحكية، التي تنهل من قاموس البيئة السورية، تفوح منها رائحة الأهل والقرى والطقوس والافراح والأحزان، ذات مجاز بلاغيّ يسود فيه التعبير المباشر على نحو أكثر بساطة.
تستحق الترجمة الى الفرنسية وقفة تأملية، خصوصا وأن الكتاب وضع النصين العربي والفرنسي في تقابل تشكيلي، حقق جمالية شكلية ملحوظة. ويبدو النص الأصلي بالعربية مشبعا بالأفكار والصور، إنه أكثر اكتمالا وثراء، وهذه ميزةٌ قد يعود الفضل فيها إلى البنية اللغوية، التي لا يُمكن إعادة إنتاجها بالترجمة، عندما يسقط منها أغلب ما هو غنائي، وهذه خاصية ملازمة للشعر العربي ذي الحمولة الملحمية، وهو ما ينتج عنه هنات في الترجمة نتيجة مبالغة بعض المترجمين في توصيل المعني الحرفي، الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى نحت صور مطابقة بلا روح في اللغة الجديدة، والسبب في ذلك هو عدم إدراك شمولية العربية، وجميع فروقها الدقيقة. وعلى هذا تضيع العديد من المفردات، أو تأخذ معنى مختلفا، وهناك مفردات أخرى لا يستطيع المترجم توصيل معناها بشكل مفهوم، ويبدو الارتباك واضحا. لو عرفنا كيف نفسر لغة الشعر الرائعة، لو استوعبنا أسرارها على نحو تام، لانكشف لنا عالم القصيدة!
