هل الشيعة مهزومون؟

أسعد قطّانالأحد 2025/11/23
حزب الله (Getty)
حزب الله (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أنا متطرّف، لأنّ مَن يعتدل بإظهار الحقّ يبيّن نصف الحقّ، ويبقي نصفه الآخر محجوباً» (جبران خليل جبران)

 

ثمّة قول للدكتور فارس سعيد فيه كثير من الحصافة. قوام هذا القول أنّه حين يربح حزب في لبنان، يربح وحيداً، وحين يخسر، تخسر طائفته معه. ترتكز هذه الملاحظة، أوّلاً، على واقع اجتماعيّ وسياسيّ مفاده أنّ غالبيّة الأحزاب اللبنانيّة نشأت من رحم الطوائف، ما يستتبع أنّ الذين لا ينتسبون إلى طائفة حزب من الأحزاب ينزعون تلقائيّاً إلى الابتعاد عنه، ولا يستسيغون الانضواء تحت رايته. وهي تستند، ثانياً، إلى محاولة بعض الأحزاب الاستئثار بالهويّة الطائفيّة واستخدامها في سبيل التجييش وشدّ عصب «الرفاق». فإذا سلّم أهل الطائفة، أو غالبيّتهم، بهذا الاستئثار، أو اضطرّوا إلى التسليم به لإحساسهم بأنّهم محاصرون، خامرهم فعلاً شيء من الشعور بالخسارة متى خسر هذا الحزب إحدى معاركه، أو تعرّض لانتكاسة كبرى

 

ربّما ينسحب الارتباط العضويّ بين الحزب والطائفة على معظم الأحزاب في لبنان. لكنّه يسري على حزب الله بصورة خاصّة، إذ هو يحسب أنّ إيديولوجيّته الحزبيّة امتداد للعقيدة الدينيّة الشيعيّة. غير أنّ الحزب لا يكتفي بذلك، بل يجنح إلى إضفاء صفة الإطلاق على تأويله العقيدة تأويلاً إيديولوجيّاً وإقصاء أيّ تأويل آخر، وذلك عبر تبنّيه فكرة الوليّ الفقيه. التعبير السوسيولوجيّ «الطبيعيّ» عن الصلة الوثيقة بين الإيديولوجيا الحزبيّة والمنظومة العقيديّة يتلخّص في أنّ الطائفة الشيعيّة هي منبت حزب الله، إذ يضرب جذوره في تربتها، ويستقي نسغه منها.

 

لكنّ هذا كلّه يجب ألّا يفضي بنا إلى الاستنتاج أنّ حزب الله يتماهى بالشيعة وهم يتماهون به. فلدى الشيعة من عراقة التاريخ وإبداعات الحاضر وتوثّبات المستقبل ونبض الفكر والتماعات الثقافة وانقداحات التنوّع ما يتخطّى حزب الله بأشواط، وما يجعل أيّ اختزال لهذه الجماعة بحزب من الأحزاب قاصراً وضحلاً ومُهيناً. المشكلة تكمن في كون الحزب قابعاً إلى اليوم في معادلة الاختزال هذه، حتّى إنّه لم يتوانَ عن محاولة تكريسها عبر اللجوء إلى الضغط والقمع والعنف اللفظيّ والجسديّ. طبعاً، حزب الله لا يقرّ بالهزيمة التي مُني بها على يد جيش إسرائيل. لكن إذا سلّمنا جدلاً بحقيقة هذه الهزيمة، وقبلنا نظريّة الاختزال التي ما برح الحزب يروّج لها، فإنّ الاستنتاج الذي لا مفرّ منه هو أنّ الشيعة في لبنان هُزموا فعلاً. بيد أنّ هذا الاستنتاج خدّاع. لا شكّ في أنّ حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان نكبت الشيعة وقصمت ظهورهم: قتلت شبابهم، ودمّرت قراهم، واستنفدت مدّخراتهم، وشرّدت الآلاف منهم. لكنّ الأمر الوحيد الذي يسوّغ فرضيّة هزيمة الشيعة جميعاً، لا هزيمة حزب الله وحده، هو ما يقوم به هذا الحزب ذاته منذ تأسيسه، أي محاولة تطويع هذه الطائفة واختصارها به وجعلها مجرّد جرم يدور في فلك الوليّ الفقيه المتربّع على مقربة من بحر قزوين

 

بعد هذا التحليل المتّصل بالمسوّغات، لا بدّ من طرح السؤال: مَن يدّعي أنّ الشيعة جميعاً هزموا؟ تقريباً لا أحد. لئن كَثُر منتقدو حزب الله، ولا سيّما بعد الحرب الأخيرة، إلّا أنّه يُسجَّل لهؤلاء أنّهم سعوا دوماً إلى التمييز بين الحزب والشيعة، عادّين أنّه لا يمكن اختزال طائفة من الطوائف بالخيارات الإيديولوجيّة والسياسيّة لأحد أحزابها. ومن ثمّ، محاولة إرساء ضرب من «التوازن» بين مَن يضرب منطق الدولة عرض الحائط من جهة، ومَن يدّعي هزيمة الشيعة من جهة أخرى، على قاعدة الستّة والستّة مكرّر، محاولة هشّة تنهار أمام النقد الثاقب، وهذا مردّه أمران: أوّلاً، ليس ثمّة توازن البتّة بين قطب عنفيّ يستقوي بالسلاح وقطب (حتّى إذا كان موجوداً فعلاً) يقدّم رأياً وحسب. ثانياً، الأمر الوحيد الذي يمكنه أن يوحي بفكرة هزيمة الشيعة ككلّ منطقُ حزب الله ذاته، لا منطق منتقديه، إذ ما انفكّ يحاول أن يختزل الطائفة الشيعيّة به، بحيث تصبح هزيمته هزيمتها. وهذا، كما سبق، مسألة فيها نظر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث