محمد خضير... أيام الوصل في سوق السّراي

المدن - ثقافةالأحد 2025/11/23
Image-1763884084
كنت أميل الى اقتناء المجلات أكثر من الكتُب
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 تبدّلت الأحوال، وتغيّرت الوجوه، غير أنّ ذكرى الدخول الأول لبغداد، تقترن بذكريات لها رائحة الورق بالدرجة الأولى؛ وبمواعيد لم تُوَفّ كلّها في سوق السَّراي؛ ولن توفّيني خارطةُ اليوم، ولا تقارير الفضائيات الباهرة، ما فقدتُه من مواقع ومواسم خلّفتها زيارةُ السوق "كباقي الوشم في ظاهر اليدِ"...

 

 كانت لي في مطلع غربتي عن منشأي، البصرة، أكثر من خارطة ترشدني إلى مواقع بين الريف والمدينة. واحدة من هذه الخرائط كانت ستؤدي بي إلى سراي بغداد، وسوقها الشهيرة، قبل تسميتها الحالية "سوق المتنبي". كانت تلك أسطورتي الخاصة باكتشاف منابع القراءة والبحث والاستكشاف. السوق التي قامت على طبقات من دكاكين الورّاقين العباسية. سوق السراي المتفرّعة من جهتين: جهة المتحف البغدادي، وجهة الباب المعظم.

آنذاك كنت معلماّ في قضاء الرميثة، خلال الأعوام 1964- 1968، وكانت عطلة نهاية الأسبوع مُرتقاي إلى السوق، أجتني منها ما يكفيني أسبوعاً واحداً من الكتب والمجلات القديمة. أسطورتي- خارطتي مؤشَّرة بعدد من دكاكين الكتُب، لكنّ أعمقها رسوخاً على الخارطة كانت دكاكين المجلات التي صدرت في العهد الملكي، وبداية العهد الجمهوري، وتلك التي وفدَت مع الصحف من عواصم العرب، وأكبرها حينذاك القاهرة وبيروت.

 

 كنت أميل الى اقتناء المجلات أكثر من الكتُب. فمنها أقتفي خُطى كتّاب وصحفيّين مجهولين، يكتبون مقالاتهم وقصصهم للمرّة الأولى، إضافة إلى أسماء راسخة ما زالت في أوج عطائها الأدبي، وأخصّ بذلك المجلات اللبنانية والمصرية ذات الورق الأسمر والرائحة العتيقة (أهمها مجلة الكاتب المصري الأربعينية، وقرأتُ في أحد أعدادها فصلاّ ترجمه لويس عوض من رواية "يولسيس"، إضافة إلى افتتاحيات طه حسين، ومجلة الأديب اللبنانية الموازية لها، وكانت نشرت قصص عبد الملك نوري الأولى. بعدئذ بدأت اكتشافاتي لمجلات عراقية مطبوعة في طقوس خاصّة، أهمّها مجلة (الأسبوع) الخمسينية التي كان "السياب" يكتب فيها حكايات من تأليفه، ومجلة (العاملون في النفط) واحتوت أعدادها الأولى تجارب الأدب الستّيني، قبل أن تستولي مجلة (الكلمة) على المشهد الأدبي الجديد.

وإذا كان لي أن أعتزّ بمقتنياتي من المجلات الأجنبية، فاعتزازي وافتخاري يرجعان إلى أعداد فريدة من مجلة "لايف" الأميركية، ومنها اقتنصتُ صوراً نادرة لمارلين مونرو وفريق البيتلز وفنّاني الپوب آرت وقصائد مصوّرة للشاعر الإسباني لوركا، فضلاً عن صور لمواقع أثرية ومُدن بعيدة ومجهولة من عالمنا؛ وكنت حتى وقت قريب احتفظ بأرشيف خاص بالصفحات المنتزعة من تلك المجلة، أرجع إليه كي أنعِش ذاكرة تلك السنوات

سوق السراي: يا له من موقع لا تغيّر الخرائط الشبكية طُرقَه وزواياه، أحنّ إلى جنائنه الورقية ورائحة دكاكينه وأرشيف صحفه، كلما افتقدتُ الدليل إلى بداياتي الأدبية.

 

(*) مدونة نشرها القاص محمد خضير في صفحته الفايسبوكية

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث