"سقوط جنتلمان".. تحفة صغيرة منسية

أسامة فاروقالأحد 2025/11/23
Image-1763881385
واصل لويس التنقل بين نيويورك وهوليوود، يكتب للسينما والإذاعة، وشارك في فيلم رُشح للأوسكار عام 1947
حجم الخط
مشاركة عبر

في ربيع عام 2009، وأثناء تصفحه لأرشيف مجلة "تايم"، صادف الكاتب والمحرّر الأميركي براد بيجلو مراجعة قديمة لرواية كانت قد نشرت عام 1937 بعنوان "سقوط جنتلمان"، تساءلت المراجعة: "كيف يشعر من يسقط من سفينة في منتصف المحيط الهادئ؟" ثم أجابت بأن الكاتب هربرت كلايد لويس وصف هذا الإحساس بعمق وهدوء كأنه خبره بنفسه. كان بيجلو وقتها يبحث عن كتب منسية ذات طابع خاص لموقعه الإلكتروني الذي يسلّط الضوء على الكتب المهملة، فرأى في الرواية اكتشافاً يستحق الإحياء. قرأها بانبهار، وكتب بدوره مراجعة وصفها فيها بأنها تجربة أدبية فريدة.

 

بعد فترة، تواصل معه محرّر من دار نشر أرجنتينية صغيرة يسأله عن كتاب مهمل يقترح إصداره، فاقترح بيجلو فورًا سقوط جنتلمان. أعجب المحرّر ورئيس التحرير بالرواية، ونشرت بالفعل بالإسبانية عام 2010 بعنوان "الجنتلمان الذي سقط في البحر". ورغم صعوبة الترويج لكتاب منسي، لاقت الرواية استقبالاً واسعاً، ووصفها النقاد بأنها "بسيطة وعظيمة"، واعتبروها "لؤلؤة صغيرة". وفي عام 2019، تبنت الروائية الهولندية بولين فان دي فين إعادة نشر الرواية بالإنجليزية في طبعة هولندية بعنوان Overboard، بعد أن عثرت على نسخة قديمة منها بين مقتنيات أحد أقاربها. كتبت في مقدمتها أنها قرأتها من دون توقف، مبهورة بلغتها المكثفة وبعدها الإنساني، واعتبرتها تحفة وجودية تقف جنباً إلى جنب مع "موت إيفان إيليتش" لتولستوي، لما تحمله من تأمل عميق في وحدة الإنسان أمام مصيره.

امتدّ صدى الرواية من الأرجنتين إلى إسبانيا وتشيلي وهولندا، وفي 2021 أعادت دار بويلر هاوس تقديم الرواية إلى القراء الإنكليز مجددًا، بل ودشنت بها سلسلتها للكتب المستعادة. منوهة بضرورة البحث باستمرار عن أولئك الكتاب الذين سقطوا من التاريخ الأدبي وأصبحوا في طي النسيان.

 

انزلاق

كانت "سقوط جنتلمان" رواية تستحق الإنقاذ بكل تأكيد، ليس فقط لأسلوبها المكثف والذكي والمتقدّم على زمنها، ولا لما تحيل إليه من عوالم كافكا وتشيخوف وحتى همنغواي، بل لحداثة موضوعها الذي يزداد راهنية كلما توغل الإنسان في عزلة الحداثة، وللأسئلة القديمة التي تعيد طرحها عن حيرة الإنسان وضعفه أمام حتمية وجوده في حياة متغيرة وضاغطة.

منذ الفصل الأول، يلقي الكاتب ببطل الرواية، هنري بريستون ستانديش، في التجربة: تنزلق قدمه على بقعة شحم فيسقط من سفينته إلى عمق المحيط، ليبقى وحيداً مع أفكاره. شيئاً فشيئاً نكتشف حكايته: رجل ناجح ظاهرياً يعمل في السمسرة المالية في نيويورك، متزوج وأب لطفلين، يعيش حياة مثالية متوازنة إلى حد الملل. كان يفعل كل شيء "باعتدال" حتى صار رمزاً للرتابة: "يشرب باعتدال، ويدخن باعتدال، ويضاجع زوجته باعتدال".. في الحقيقة كان ستانديش "من أكثر الرجال إثارة للضجر في العالم". ثم، في أحد أيام الربيع، يصيبه اضطراب غامض يدفعه لترك كل شيء. يسافر دون وجهة محددة، متنقلاً بين المدن حتى يستقل السفينة أرابيلا بالصدفة. وهناك، في اليوم الثالث عشر من الرحلة، يسقط في البحر بينما يهم بالبحث عن كوب قهوته الثاني. المدهش أن أول ما شعر به لم يكن الخوف، بل الخجل: فـ"الرجال من طبقة ستانديش لا يسقطون من السفن". وحتى حين صرخ طلباً للنجدة، بدا صوته أقرب إلى الهمس، لأن "ثلاثة أجيال من الجنتلمانات حولت البوق في حنجرة آل ستانديش إلى كمان رخيم"!

 مع مرور الساعات في البحر، يتلاشى يقينه بالنجاة، ويبدأ في مواجهة وحدته وحقيقة ضعفه أمام الكون الواسع. يفهم أن ما أصابه في نيويورك لم يكن تعباً جسدياً، بل مرضاً وجودياً يسميه "الانتفاء الكامل": لم يعد يرغب في أي شيء. كانت حياته مفرطة في الامتلاك، خالية من الحاجة، حتى صار العدم هو الشيء الوحيد الذي يشعر به. وفي لحظة الاستنارة بعد أكثر من عشر ساعات في البحر، يدرك المفارقة الكبرى: لقد عاش عمره دون جوع أو عطش، ينال كل ما يريد بسهولة، وها هو الآن يحرم من أبسط رغبة - أن يعيش. يرى في ذلك حكمة الطبيعة القاسية: تعطيك خصائص معينة تخوض بها معاركك، إما أن تنجح وإما أن تفشل في تدبر حالك بما منحتك إياه "لا يمكنك العودة إلى الالهة والحصول على مميزات أخرى". وفى حالته كان مثقفاً مهذباً لبقاً، لكن لا الثقافة ولا الذكاء ينفعان أمام التجربة الهائلة التي وقع ضحية لها.

في صرخته الأخيرة قبل أن ينفطر قلبه، يطلب ستانديش أن يسمعه أحد "اسمعوني! فليستمع إلى أحدكم، رجاء!" مؤمنًا بأنه يستحق النجاة، وأن حكايته تستحق أن تروى، وأن عشرات غيره ممن لا يتمتعون بأدبه وثقافته ونبله لاقوا مصائر أفضل، لكن لم يكن هناك أحد ليستمع، فاعتبر أن عدم وجود جمهور "أحقر خدعة على الإطلاق".

 

اكتشاف

جاءت "سقوط جنتلمان" كبيان فنيّ وسيرة رمزية في آن. ورغم الاعتراف النقدي الذي نالته، لم تمنح مؤلفها مجداً أو استقراراً. تراكمت عليه الديون، وابتعد عن الأضواء، يكتب في عزلة لا يقرأه فيها أحد. كانت حياته كلها تمريناً طويلاً على فكرة السقوط التي كتب عنها، وبحثاً عن الجمهور الذي اكتشف خدعة غيابه

من براد بيجلو الذي تتبع سيرته، نعرف أن هربرت لويس ولد في بروكلين 1909 ونشأ في حي براونزفيل، أحد أهم مراكز الهجرة اليهودية في نيويورك مطلع القرن العشرين. ترك المدرسة في السادسة عشرة من عمره، وتنقل بين وظائف صحفية، ثم التحق لفترات قصيرة بجامعة نيويورك وكلية مدينة نيويورك، قبل أن يكتشف أن الدراسة الأكاديمية لا تناسبه. عاش شتاء 1929–1930 في باريس، ثم عاد إلى الولايات المتحدة ليعمل مراسلاً رياضياً، قبل أن ينتقل إلى شنغهاي حيث أمضى عامين يعمل صحافياً في صحيفتين إنكليزيتين. هناك بدأ شغفه بالسفر وكتب قصصه القصيرة الأولى المليئة بالمغامرة والغموض. خاض تجربة المسرح عبر مسرحية "اختر سمّك" لكنها فشلت سريعاً. ظلّ القلق يطارده؛ كلما اقترب من حياة مستقرة، أحس أن الفراغ يبتلعه. من هذا الإحساس ولدت "سقوط جنتلمان" روايته الأولى 1937، وروى لاحقاً في حديثه لمجلة نيوزويك أن فكرة الرواية ولدت في إحدى أمسيات عام 1936، حين كان يقف على سطح شقته في قرية غرينيتش يتأمل الشارع أسفله. تساءل في تلك اللحظة: "كيف يستطيع الإنسان أن يجسر تلك الهوة الذهنية السحيقة بين الأمان الراسخ تحت قدميه وذلك العالم البعيد هناك في الأسفل؟". ومن هذا التساؤل بدأت القصة. قرر لويس أن يكتب ليبحث عن إجابة، واختار أن يجسد تلك الهوة لا من خلال شخصية تشبهه - الصحافي الجوال - بل عبر رجل يمثل الاستقرار ذاته في حياته ومكانته، ليضعه في مواجهة السقوط المفاجئ من الطمأنينة إلى المجهول. كان البطل ربما الصورة الضد أو صورة مشوهة من الكاتب نفسه - تائهاً بين شغف الفن وقسوة الواقع.

 

غرق

بعدها استدعته هوليوود للعمل براتب جيد، وانتقل مع أسرته إلى كاليفورنيا. غير أن عالم السينما لم يمنحه الاستقرار الذي حلم به؛ فقد ظل مثقلاً بالديون، منزعجاً من زيف الأضواء وبريق الاستوديوهات. كتب لاحقاً فيلمين موسيقيين دون أن يحقق نجاحاً يذكر، ثم عاد إلى نيويورك ليصدر روايته الثانية "حملة الربيع" عام 1940، وهي عمل مناهض للحرب تزامن مع الاجتياح الألماني لأوروبا، فاختفت في زحمة الأحداث. في عام 1941 نشر روايته الثالثة "تهاني العيد" التي تناولت العزلة في نيويورك عشية عيد الميلاد. كانت رواية حزينة رغم لغتها الغنية وصورها النابضة بالحياة، إذ صورت الوحدة كقدر إنساني في مدينة تضم ملايين البشر، وأكدت مجددًا ضغط الفكرة على كاتبها. ورغم المراجعات الإيجابية، أطفأ هجوم بيرل هاربر كل بريق ممكن للعمل، فخمد صوته الأدبي مرة أخرى.

واصل لويس التنقل بين نيويورك وهوليوود، يكتب للسينما والإذاعة، وشارك في فيلم رُشّح للأوسكار عام 1947. لكن إدمانه الكحول والمهدئات دمر حياته الخاصة، فانفصل عن زوجته جيتا بعد زواج مضطرب. زادت متاعبه حين أُدرج اسمه في قوائم المشتبه بانتمائهم للحزب الشيوعي خلال حملات لجنة الأنشطة غير الأميركية. رفض لويس الخضوع للترهيب ووقع بياناً احتجاجياً، فكان نصيبه التهميش والانقطاع عن العمل، قبل أن ينهار نفسياً تماما عام 1948.

عاد إلى نيويورك عام 1949 مفلساً ووحيداً، يعمل في صحف صغيرة ويكافح لتسديد ديونه. وفي أكتوبر 1950، وُجد ميتاً في غرفته بأحد الفنادق. سُجّل سبب الوفاة "أزمة قلبية"، لكن كثيرين اعتقدوا أنه انتحر. كان لويس قد كتب في روايته: "الغذاء الوحيد الذي يمكن أن يقتات عليه الغريق هو الأمل في أن ينقذ". وربما فقد هو نفسه ذلك الأمل، كما يقول بيجلو أخيراً.

 

في تقديمه للرواية يشير الشاعر والمترجم جورج سيرتش إلى قصيدة ستيفي سميث كأصدق تعبير عن الرواية وكاتبها:

"كنت بعيدا في البحر، أكثر مما اعتقدتم

ولم أكن ألوح بل أغرق".

(*) ترجمت النسخة العربية من الرواية المترجمة إيناس التركي وصدرت مؤخرا عن دار "الكرمة".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث