مونيكا حنا: معارك الفرعونية الجديدة

شادي لويسالسبت 2025/11/22
Image-1763791003
تتهم حنا خصومها في مجال الآثار بالوقوف وراء الحملة التي تستهدفها
حجم الخط
مشاركة عبر

في الأيام القليلة الماضية، تعرضت مونيكا حنا، العميدة المؤسِّسة لكلية الآثار والتراث الثقافي في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، لحملة واسعة ومتواصلة من الهجوم في شبكات التواصل الاجتماعي. وبالأساس جاء ذلك الهجوم من صفحات "القومية المصرية" أو ممن يطلق عليهم "أبناء كيميت". ويركز نقدهم على تصريحات سابقة لحنا تتعلق بارتباط الحضارة الفرعونية بالحضارات الأفريقية، ونفيها لفكرة النقاء الجيني للمصريين، وبدلاً من ذلك، اعتبارها الهوية المصرية ثقافة وليست عرقاً، وكذلك مواقف أكثر آنية تتعلق بالسياسة اليومية في مصر.

 

والحال أن حنا تقدم صورة مغايرة للآثاري في مصر، مقارنة بما اعتدنا عليه لوقت طويل. كان ما يتبادر للذهن عند التفكير في علم المصريات هو وجه زاهي حواس، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للآثار. لعقود، داوم حواس على الظهور في الشاشات المحلية والأجنبية، وعلى رأسه قبعة آنجلينا جولي الشهيرة ومرتدياً سديري باللون الكاكي، محاكياً صورة المستكشفين والمغامرين الغربيين في العصر الاستعماري وهم يجوبون العالم المستعمَر. في الوثائقيات الغربية والبرامج التلفزيونية الترويجية، قدم حواس السردية الاستشراقية المعتادة بشأن الاكتشافات الأركيولوجية في مصر، بصيغة استعراضية ومعلومات ملفقة بغرض التشويق، وهو يلعب على تيمات الغموض والبحث عن الكنوز وبريق الذهب. في هذا كله، كان الجمهور المستهدف هو السائح الأجنبي بالأساس، فمنهج حواس الذي تولى مناصب هي الأعلى في سلم بيروقراطية الآثار المصرية هو تحويل المعالم الأركيولوجية إلى مصادر لا تنضب للدخل، بحيث تتحول الآثار من عبء على ميزانية الدولة إلى أحد مصادر العملة الصعبة.

 

Image-1763791229

 

في المقابل، تقدم حنا، ذات الحضور الواسع أيضاً في الإعلام والشبكات الاجتماعية، نقداً للجذور الاستعمارية للأركيولوجيا، يفك ارتباط علم المصريات بماضيه المليء بممارسات النهب والعنصرية والمركزية الأوروبية. وتركز في كتابها "مستقبل علم المصريات" (ديوان، 2025) ترجمة أحمد سمير سنطاوي، على ربط ماضي المصريين بحاضرهم، عبر تمكينهم من امتلاك تراثهم والتفاعل معه. بهذا المعنى، تعتمد حنا صيغة لعلم المصريات موجهة بالأساس إلى مواطنيها، لا إلى الخارج، ومعنية بالمعرفة وأدوارها المجتمعية، أكثر من كونها موجهة نحو توليد الدخل. علمياً، قامت حنا بالتصدي لعمليات نهب الآثار في صعيد مصر وتخريبها، أثناء فترة الانفلات الأمني عقب اندلاع ثورة يناير. وعلى المستوى الدولي، تقود حنا بشكل تطوعي حملة لاسترداد الآثار المصرية من الخارج، وعلى رأسها حجر رشيد وتمثال نفرتيتي.

 

تحت وطأة الهجوم الشرس، تتهم حنا خصومها في مجال الآثار بالوقوف وراء الحملة التي تستهدفها. وفي ذلك السياق تنزلق إلى استخدام لغة متعالية، وهي تصف الأصوات الناقدة لها بالغوغائية. والأرجح أن قسطاً من الهجوم الذي تتعرض له يمكن نسبته إلى عوامل تتعلق بها شخصياً. إلا أن ما يجب الاعتراف به هو أن "الكيمتية" قد تحولت من ظاهرة هامشية ومثيرة للسخرية قبل بضعة أعوام، إلى فقاعة هائلة تضم حشوداً إلكترونية غفيرة ومتحفزة في وسائل التواصل الاجتماعي. الخواء الأيديولوجي لخطاب النظام الحاكم وتبنيه للفرعونية الجديدة كإحدى أدواته الاستعراضية الأساسية، شجع على تجنيد جيش احتياط إيديولوجي عاطل سياسياً. فباستثناء معاداة اليسار والإسلام السياسي، لا يحمل برنامج الكميتية أي بنود سوى الفخر المحض المنغمس كلية في الماضي. لا تبدو الكيميتية مجرد ظاهرة محلية، فهي تتلاقي في كثير من محدداتها مع تيارات أقصى اليمين الصاعدة حول العالم. بالإضافة إلى الهوس بالنقاء الجيني والعرقي والشعور الطاغي بالهشاشة أمام الغرباء، يداوم أنصار الكيميتية على التحريض على اللاجئين والمهاجرين في مصر، وبالأخص أصحاب الأصول الأفريقية.

 

هكذا، وبفضل تجاوز حنا للحدود الأكاديمية الضيقة ونشاطها في المجال العام، بالإضافة إلى موقفها النقدي من داخل علم المصريات، كل هذا جعل منها هدفاً نموذجياً للهجوم وسط معارك طواحين الهواء حول النقاء الجيني للمصريين القدماء.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث