في الذكرى 91 لولادة فيروز.. مشاهد من يوميات لبنان

محمد أبي سمراالسبت 2025/11/22
lllebanoin1c2.jpg
...وبكت المرأة المسنة فيما هي تدلنا على بيت والدة فيروز
حجم الخط
مشاركة عبر

حلّت في 20، وربما في 21 من الشهر الحالي (تشرين الثاني 2025) الذكرى 91 لولادة من لم يُمنح لبنان صوتًا أسمى من صوتها الملاك: فيروز، ملاك الحنين إلى زمن البطء القديم. البطء الضائع والمندثر، مثل بيتَيّ أهلها وطفولتها وفتوتها: في زقاق البلاط، الحي البيروتي المصنّف كالبيت إياه "تراثيًا"؛ أي للإهمال والخراب في أعراف وتقاليد ما يسمى وزارة الثقافة اللبنانية. وهذه حال بيت أهلها الآخر في الدبّية، القرية الموقوفة وشبه المهجورة على رابية من روابي ساحل الشوف بجبل لبنان.

 

أحلام تتساقط كالجثث

حلّت هذه الذكرى، بينما لم يبق للبنان تراثٌ وإرث سوى ما أرسته ورسخته حروبه المديدة، المستمرة كقدر مقيم ومحتوم، كتواريخ وذكريات مَقاتل أهله، كموجات أحقادهم واقتتالهم وتهجيرهم وهجراتهم وخراب بلادهم. بلادهم التي غنتها فيروز بكلمات الأخوين رحباني، وبصوتها الابتهالي في مطلع الستينات: "ع إسمك غنيت/ ع إسمك رح غني/ ركعت وصليت/ والسما تسمع مني".

لكن لا السماء سمعت ولا أهل لبنان سمعوا ذاك الابتهال. لا لا بل هم سمعوه مديدًا، فأطربهم وصفقوا له مبتهجين ابتهاجهم النرجسي بأنفسهم، بمشهدهم الاستعراضي في سهرات تلك الليالي البعلبكية الصيفية المقمرة. لكنهم سرعان ما نسوه في غمرة انسياقهم كالمنوّمين إلى أقدراهم الأفدح في نرجسيتها، حينما امتشقوا السلاح وراحوا، حسب الشاعر وديع سعادة، "يحصدون بعضهم (...) في الجبال والمدن"، على التلال والسفوح وفي الأودية. وأخذت "الأحلام تتساقط كالجثث من سماء لبنان". وهناك أناس "لم يجدوا وقتًا لارتداء أحذيتهم قبل الرحيل"، فيما "المذيعة تنقل أسماء جثثهم، وتنهي بأغنية"... أغنية، بل أغان لفيروز غالبًا: "خذني على تلاتها الحلوين/ خذني على الأرض اللي ربتنا/ (...) بواب العتيقة عم تلوحلي/ صوت النهورا ينده الغيّاب/ وعيون ع شبابيك تشرحلي/ صحاب عم تقول نحن صحاب".

وغالبًا ما كان المتحاصدون بالرصاص والقنابل، وأهلهم المختبئون في الملاجئ، والمشرّدون على الطرق، والمهجّرون في بلادهم، والمهاجرون إلى بلاد بعيدة... يضربهم حنين جارف مشترك إلى البلاد التي يقتتلون فيها وعليها... حنين جارف كالأحقاد والثارات، فيما هم يستمعون إلى تلك الأغنية وأمثالها، ثم يشرقون بالدموع.

 

أحياء في حراسة موتى 

وبكت المرأة المسنّة فيما هي تدلنا على بيت والدة فيروز، ليزا البستاني، في الدبّية. وهو البيت الصغير، بحجارته السوداء المتداعية كبيت الإنسان الأول. وقد ورثته ليزا عن والدها نجيب البستاني، المزارع المتواضع في الدبية، ثم سكنته مع زوجها والد فيروز، وديع حداد الملتبس المنبت والأصل والوفادة إلى لبنان، وفق روايات كثيرة مختلفة، تقول تارة إنه من سوريا، وطورًا من فلسطين، إلى رواية تعيده إلى ماردين.

لكن الأرجح أن نهاد حداد (فيروز) ولدت في زقاق البلاط في العام 1934، وفي غرفة من بناء قديم يعود إلى القرن التاسع عشر. شُيّد ذاك البناء على طراز معماري تراثي. وكانت أسرة وديع حداد واحدة من الأسر المتواضعة والحديثة العهد في الهجرة إلى بيروت، فتقاسمت غرف المنزل لسكنها المشترك. 

 

1090346-1145472793.jpg

 

وكان وديع حداد عاملًا في مطبعة بيروتية، ويصطاف أحيانًا مع زوجته وأولادهما في الدبّية التي قالت المرأة المسنة الباكية إن ليزا البستاني ووديع حداد دفنا في مقبرتها. 

لكن حداد كان قد توفي في غرفة منزله القديم بزقاق البلاط، بعد سنوات كثيرة من بلوغ ابنته فيروز قمة نجوميتها الفنية، وإقامتها في منزلها الزوجي بإنطلياس. وروت بعض المجلات الفنية الكثيرة والواسعة الانتشار في ذاك الزمن، أن أكداسًا من أعدادها أُخرجت من غرفة حداد حين إخلائها بعد وفاته. وكانت أعداد تلك المجلات تحوي في معظمها صور وأخبار ابنته النجومية. وروت بعضها آنذاك أن الرجل المسن كان يقيم وحيدًا في غرفته قبل وقاته، ونادرًا ما كان يزور فيروز في منزلها الزوجي. وعندما يزورها كان يشعر أنه غريب عن نفسه، ربما بسبب المسافة النجومية والطبقية التي كانت تفصل بينهما.   

وحدها مدافن المقبرة على تلة تعلو الدبية جُدِّدت، مثل كنيستها التي نقرأ على لوحةٍ حجرية تعلو بابها أنها شيدت في العام 1812. كأنما صون المقبرة وتجديد مدافنها للقول إن أهلها الميتين هم من يحرسونها، ما داموا أكثر عددًا بكثير من الأحياء المقيمين فيها، يحرسون موتاهم والبيوت الصغيرة المهجورة.

 

قرية الاستديو السينمائي

والعابر المتمهل في دروب الدبّية الضيقة بين البيوت، لا يفارقه شعور بأن ما يبصره أقرب إلى صورة قديمة بالأسود والأبيض منه إلى مشهد حي ماثل. مشهد يمشي فيه العابر حائرًا متسائلًا أيمشي في دروب بين بيوت حقيقية أم في ذاك الاستديو السينمائي الذي صوّر فيه يوسف شاهين فيلم "بياع الخواتم"، المسرحية الرحبانية - الفيروزية التي أخرجها شاهين فيلمًا عُرض في العام 1965.

 

Image-1763715075

 

وبيت أهل فيروز المتداعي أقرب إلى أكواخ الرعاة بحجارته غير المشذبة التي عادة ما تستعمل في بناء حيطان الجلول على السفوح الجبلية. وربما تتردد في سمع الناظر إلى هذا الكوخ تلك الأغنية الفيروزية: "بيتك يا ستي الختيارة بيذكرني ببيت ستي/ تبقى ترندحلي أشعارا والدنيي عم بتشتي".

وها هي مجمعات بنايات الإسمنت الجاهزة الكثيفة المتراصة على التلال، تحاصر منمنمات الدبّية المهجورة. أمام واحدة من بنايات أحد مجمعات الإسمنت، كان مهندس جالسًا على كرسي إلى طاولة في دكان- مقهى يشبه دكاكين أحياء الضواحي المشيدة عشوائيًا بناياتها. على الطاولة أمام المهندس خريطة للمجمع وبناياته الجاهزة شققها المعروضة للبيع بالتقسيط. ويمكن تخيل طبيعة الحياة ونوعيتها في مثل هذه المجمعات الضخمة في أحراج عذراء قرب قرية توقف نموها الديموغرافي وشبه مهجورة، وتسوق إذاعة دينية شققها في أوساط فئات اجتماعية عجزت عن الإقامة في بيروت، بعد أن حاصرتها موجات متلاحقة من تضخم أسعار العقارات والشقق السكنية في أحياء المدينة.

 

حمانا ومسلسل "الهيبة"

مثلما حاصرت مجمعات البنايات الجاهزة الضخمة منمنمات الدبية شبه المهجورة، احتلت ديكورات مسلسل "الهيبة" التلفزيوني الشهير الشارع الرئيس والسوق التراثي القديم في بلدة حمانا في المتن بجبل لبنان.

روى أحد أبناء حمانا المعمرين حتى نهاية القرن العشرين الذي ولد الرجل المعمر في بدايته، أن حياة الحمانيين آنذاك كانت لاتزال على حالها منذ أيام المسيح والنبي محمد، ثم تسارع الزمن في ذاك القرن بقوة قلبت حياتهم وحياة البشر جميعًا انقلابًا لا مثيل له من قبل.

وفي روايته أن بيوت العامة في قرى لبنان بدايات القرن العشرين، كانت من حجر وتراب وأخشاب. بيوت صغيرة متواضعة، يتوسطها عمود وفي إحدى زواياها "حارون" أو موقد يشتعل فيه الحطب و"الشومار": روث البقر المجفف مخلوطًا بالتبن والتراب. وطوال أيام الشتاء الطويل كانت النار تشتعل في المواقد، فلا يكترث سكان تلك البيوت بالدخان الذي يجعل سقوفها سوداء كالزفت أو القطران. وكان أهل جبل لبنان سعداء مرتاحين في قراهم الجبلية في زمن البطء القديم ذاك.

وتوفي الراوي قبل سنوات كثيرة من أن يشهد كيف صار سياح ومتنزهون يتدفقون أفواجًا إلى حمانا نهارات السبت والأحد. وهم غالبًا أفواج من مريدي المشي والتنزه فيها، كأنهم في مشاهد صور المسلسل التلفزيوني يتمشون ويتنزهون. وذلك بعدما تحول الشارع الرئيس في حمانا وسوقها التراثي القديم ديكورًا لـ"الهيبة" الذي صوّرت حلقاته في البلدة العام 2017، ويدور موضوعه حول الجريمة والثأر وتجارة التهريب الحدودية. 

فشهرة المسلسل وكثافة مشاهديه لبنانيًا وعربيًا، حملتا بلدية حمانا النشيطة، وأصحاب المتاجر والمقاهي والمطاعم فيها، على تجهيز الشارع والسوق القديم بديكورات ملونة تشبه ديكورات المسلسل، وعلى تسمية مطاعم ومقاهٍ باسمه. وطغى "الهيبة" اسمًا وشهرة على مهرجان مواسم الكرز الحماني الصيفي الشهير في البلدة. 

 

Image-1763714972

 

لذا صارت باصات تصل من بيروت ومناطق لبنانية أخرى إلى حمانا، حاملة جموعًا من السياح والمتنزهين الذين يروحون يسألون عن سوق "الهيبة". لقد جاؤوا إلى البلدة راغبين في أن يعيشوا أوقاتًا في مشاهد المسلسل الشهير وصوره التلفزيونية. وبعضهم يقف وسط الشارع والسوق مؤدين وسط الديكور حركات بعض أبطال "الهيبة"، فيما يلتقط لهم آخرون صورًا بكاميرات هواتفهم المحمولة. وأحيانًا تصل إلى الشارع المرصوف بحجارة الغرانيت السوداء، سيارات دفع رباعي ضخمة، فيترجل فجأة منها رجال متخيلين أنهم يؤدون مشهدًا في المسلسل.

هذا في الوقت الذي لا تزال فيه حتى اليوم قصور حمانا الفخمة، مهملة مهجورة في أعاليها، والشبيه بعضها -المبني بالحجر البني المحروق بوهج شمس أيام الصيف القديمة- ببناء البيت الأبيض الأميركي. وهي بقيت على هذه الحال منذ هجرها أصحابها في أيام حروب لبنان (1975- 1990)، وسكن بعضها حتى العام 2005 أرفع أهل المراتب في الجيش السوري والأجهزة الأمنية السورية.   

 

مشهد في شارع بيروتي

أما في بيروت فاستجدت منذ أيام ظاهرة لافتة غير مسبوقة بكثافتها: إقدام رجال قوى الأمن الداخلي على تنظيم ممنهج لمحاضر ضبط بالسيارات التي يركنها سائقوها كعادتهم على جنبات الشوارع ويغادرونها إلى أعمالهم ومشاغلهم في المدينة المضطربة والمزدحمة بأرتال السيارات. 

وفي مشهد يشير إلى تفشي هذه الظاهرة المستجدة والممنهجة، شوهدت شرطية سير في شارع بيروتي رئيسي، تتنقل بين صفّي عشرات السيارات المركونة، وتلصق بالتتابع محاضر ضبط على زجاجها الأمامي. ولما شاهد الشرطية رجل ركن سيارته إلى جانب رصيف الشارع وخرج منها، سألها عن نوع المخالفات التي تستدعي ما تفعله، فالتفتت الشرطية إليه حائرة بماذا تجيبه، فبادرها قائلًا: الأرجح أنهم يأمرونكم بتكثيف محاضر الضبط على هذا النحو المنفلت، كي تجمع الحكومة شطرًا مما تحتاجه خزينة الدولة المفلسة، للمساهمة في دفع رواتب الموظفين الشهرية. ولما ظلت الشرطية النحيلة الخجولة صامتة، سألها الرجل مجددًا: كم محضرًا يطلبون منكم أن تنظموا في النهار الواحد؟

وفي هذه اللحظة وصلت فجأة سيدة، وانتزعت بحركة غاضبة محضر الضبط عن زجاج سيارتها المركونة، وصاحت بالشرطية مزمجرة: ما بتستحي، لشو ومن شان شو الضبط؟ ثم دخلت السيدة إلى سيارتها، فشغلت محركها وانطلقت بها مسرعة، تاركة خلفها سيلًا من الشتائم على البلاد والحكومة والدولة، وأهل هذه البلاد. هذا في الوقت الذي ظلت فيه الشرطية النحيلة واقفة في مكانها صامتة وممتقعة الوجه. أما الرجل الذي كان يوجه إليها أسئلته، فأخذ يعتذر من الشرطية، بينما كان رجل آخر يجلس خلف مقود سيارته يمزق بغضب صامت محضر الضبط الذي كان انتزعه عن زجاج سيارته الأمامي.

وفجأة تكلمت الشرطية بانكسار يوشك أن يسيل دمعًا من عينيها، فقالت: إذا لم أفعل ما فعلته يمرُّ شرطي بدراجته النارية مكلفٌ بمراقبتنا، ويروح "يبهدلني" على تقصيري في عملي.

أطال الله عمر فيروز، وقصّر أيام.. بل سنوات نكبة لبنان.   

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث