استقلال لبنان:هكذا أخفت فايزة الصلح وثيقة تعديل الدستور(2/3)

محمد حجيريالسبت 2025/11/22
Image-1763818485
رياض الصلح وعقيلته فائزة وبعض نساء جمعية العناية بالطفل (مجلة "الحوادث")
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد حلقة أولى بعنوان صرخة إفلين بسترس(1/3)  هنا الحلقة الثانية من سلسلة "استقلال لبنان في سرديات النساء".

 

يروي الصحافي باتريك سيل في كتابه "رياض والنضال من أجل الاستقلال العربي"(الدار العربية للعلوم) أنه عندما تزوج رياض الصلح، الحلبية فايزة الجابري، ابنة نافع باشا الجابري، وابنة شقيق سعد الجابري بطل استقلال سوريا ورئيس وزرائها العام 1934، انتقل وزوجته للعيش مع والديه في المنزل الواقع في ميناء الحصن على واحة بيروت البحرية، وهو المنزل الذي ورثته والدته وأمضى فيه معظم طفولته. بُني هذا البيت على طراز قصر إيطالي، واتسم بغرفه الواسعة واطلالته الرائعة على البحر الذي يعلو وينحسر على الصخور أسفله. أحب رياض هذا المنظر على نحو خاص. لكنه، عندما اتخذ الفرنسيون إجراءات ضده في العام 1935، فأبعدوه إلى القامشلي بسبب دوره في إضراب سائقي سيارات الأجرة، صادروا أملاكه التي لم تُبع- الأرض في جنوب لبنان والبيت في ميناء الحصن- وعرضوها للبيع القسري. بِيع البيت في بيروت إلى عائلة جوستان اليهودية الإيطالية، فهدمته على الفور وشيّدت عمارة سكنية وافتتحت ناديا ليلياً في الطابق الأرضي يدعى "دومينو".

 

وينقل باتريك سيل عن علياء الصلح (ابنة رياض الصلح): "لا شك أن زوجته (زوجة رياض) شعرت بالفخر حين لمع اسمه في سماء السياسة العربية.... لكنها ربّما لم تعش حياتها الزوجية كما ترغب. فغالباً ما كان رياض غائباً أو منفياً. وفي فترة الانتداب اعتبره الفرنسيون عدوا لهم، فقاست عائلته من جراء ذلك. كانت تمضي فترات طويلة من دون أن يجرؤ أحد على زيارتهم. وعندما يعود إلى البيت، ينشغل رياض عادة مع مناصريه وزعماء الأحياء الإسلامية في بيروت في الطابق السفلي. كان كثير من الرجال الصاخبين والخشنين يأتون ويذهبون، بينما تعزف فائزة موسيقى شوبان في الطابق العلوي. ربّت بناتها بمفردها الى حدّ ما...".

 

Image-1763801427
رياض الصلح في منفاه بالقامشلي (من كتاب "رياض الصلح في زمانه" لأحمد بيضون)

 

 ربّما في هذه السردية جانب من واقع وأحوال نساء السياسيين أو العاملين في الشأم العام في زمن الانتداب وحتى في الزمن العادي. فهن، رغم الوجاهة والشهرة، يعشن جانباً من الفقدان والخواء. أزواجهن كأنهم ملك الشأن العام، وما على الزوجات سوى مكابدة العيش مع الأبناء في المنزل، لكن هذا لا يعني أنه لم تكن لهن أدوارهن السياسية. تنقل مجلة "الحوادث"(20/11/1970) أنها عثرت في قصر رياض الصلح القريب من الأوزاعي، على أوراق بقلم فايزة الجابري، أرملة رياض الصلح تقول: "طوال الأسبوع الذي رافق تعديل الدستور كان رياض يتوقع ذيولاً تعقبه. وقد طلب مقابلته في السراي المسيو لوسير، فرفض رياض المقابلة، فاغتنم لوسير فرصة دخول رياض الى المجلس في جلسة التعديل التاريخية (تعديل وثيقة الدستور)، وأسرّ في أذنه: هل تستطيع أن تؤخر هذه القضية قليلا؟ فأجابه رياض ضاحكا: فات الأوان".

 

تضيف فايزة الجابري: "كان حين يأتي الى البيت يحدثني وكريماتي عن محادثاته في ذلك اليوم، فلم نتمالك أنفسنا من التخوف، وكنا نبدي اضطرابنا، فكان يضحك ويجيب كعادته في أصعب الأوقات: مشيناها خطى كتبتْ علينا". وفي ورقة أخرى تقول: "ليلة 11 تشرين الثاني، يومئذ كان سبيرز (المفوض السامي البريطاني في سوريا) قد دعا بعض الشخصيات إلى مأدبة عشاء، لكن رياض لم يذهب إليها وأرسل محله المرحوم سليم تقلاـ وقد قيل في السهرة أن جان هللو (المفوض السامي الفرنسي آنذاك) أقسم بشرقه وشرف فرنسا بأنه لم يفعل شيئاً يعكر الصداقة اللبنانية الفرنسية، وبعد ساعات من ذلك التصريح، أي في الساعة الرابعة صباحاً، سمعنا طرقاً عنيفاً على باب بيتنا، فاستيقظت الخادمة مذعورة، وقامت تستطلع، قالت من الطارق، فأجابها صوت تعرفه: أنا أحمد. وقد كانت الخادمة تعرف أحمد هذا جيداً، لأنه كان يتردّد على رياض الذي كان عينه أخيراً في الأمن العام... سألته الخادمة: ماذا تريد؟ فأجاب: شيء مهم أريد أن أخبره للبك. وأدارت الخادمة ظهرها تقصد غرفتنا، فإذا بأحمد يمدّ يده من نافذة الباب إلى القفل، فيفتحه، ويدخل منه مدير الأمن العام الفرنسي بوتيون، وتدفق وراءه الجنود السود، وعدد من موظفي الأمن العام اللبنانيين واقتحموا رأساً الحجرة التي أنام فيها مع زوجي، وفتحت عيني على رجل صوب مسدسه إلى رأس رياض، فإذا ببوتيون يقول له: يجب أن تنهض حالاً وبثياب النوم".

Image-1763821495
بشارة الخوري وزوجته

تتابع فايزة الجابري: "استوى رياض في فراشه، وقال لا أنهض إلا إذ خرجت من الغرفة وانتظرتني في الخارج. ألا تحترم الحرمة والتقاليد؟ (كانت فايزة الجابري متدينة ومحجبة ولا تزال في ثياب النوم)، ثم إنني لا أذهب بثياب النوم هكذا. سكت بوتيون وكنت أنا قد تدثرت بالغطاء: وتطلع نحوي وانسحب من الغرفة. وهنا قال لي رياض إنهم: سينبشون البيت ويقلبونه تفتيشاً. لا شك أنهم سيبحثون عن النسخة الأصلية عن تعديل الدستور (وكان يضعها تحت وسادته)، فخبيها وأخفيها معك. ثم قال لي: حين أذهب تلفني للشيخ بشارة والباقين".

 

Image-1763801769
هوغيت كالان عن مجلة "الحوادث"

 

ولم تكن فائزة تعرف ان اعتقال بشارة جرى في الوقت نفسه، فنهضت فوراً وأخفت الوثيقة ضمن ردائها، وتظاهرت بوجع في معدتها، وضمت يدها على الرداء فوق معدتها، لتخفي الوثيقة وتمنعهم من تفتشيها إذا حاولوا ذلك... وتروي ابنتها علياء أنهم فتشوا سرير اختها الرضيعة بهيجة بحثاً عن الوثيقة.

 

أيضاً اعتقل بشارة الخوري بوحشية كبيرة. تغلبت القوات الفرنسية على الحراس واقتحموا بيت الرئيس وأخذوا يفتشون الغرف. سمع الرئيس وزوجته ركلات الجنود على الأبواب وضرباتهم بأعقاب البنادق عليها، فحاولا التحصن في الداخل بدفع سريرهما المعدني خلف الباب. لكنهما عندما سمعا صراخاً آتياً من غرفة ابنتهما التي لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، أسرعت والدتها إلى الحمام المحاذي للغرفة لتجد جنديين من البحرية الفرنسية، أحدهما يحمل مسدساً والأخر بندقية ثبت عليها حربة، يسألانها على مكان والدها. وكما كانت كريمات رياض الصلح طفلات شاهدات على ليلة الاستقلال وعنف المنتدب، كذلك كانت هوغيت كريمة بشارة الخوري التي أصبحت تعرف في ما بعد بهوغيت كالان نسبة إلى زوجها فرنسي الأصل بول كالان الذي يهوى تربية المواشي واستثمار المزارع. أصبحت هوغيت رسامة معروفة، وفي سرديتها لمجلة "الحوداث" تقول: "كانت غرفتي أول غرف الدار التي دلف داخلها الجنود السنغاليون. لم أكن اتجاوز يومذاك الرابعة عشرة من عمري. وكنت نائمة في سرير أرخيت فوقه الناموسية، فشك أحد الجنود السنغاليين الناموسية وأزاحها برأس حربته، ففتحت عيني على منظر ملأني رعباً وفزعاً. منظر جنود سود يسددون إليّ رؤوس حراب رُكزت ببنادق طويلة. وأذكر أن الجنود حطموا باب الغرفة حيث كان ينام أخي الصغير ميشال ومنها نفذوا إلى غرفة والدي... لقد سطا الجنود على ما عثروا عليه من أوراق نقدية لبنانية، نحو ألف وخمسمئة ليرة، وكل ما ادخره طاهي والدي فأخدوها في جملة ما أخذوا.. أما شقيقي الأكبر خليل، فقد كان يومئذ يبلغ الثانية والعشرين من العمر، وقد قبض عليه الجنود وأوسعوه ضرباً بأعقاب البنادق، وساقوه إلى دائرة الأمن العام ليفرجوا عنه بعد ساعة، فأسرع الى السفير البريطاني الجنرال إدوارد سبيرز يقص عليه ما حدث للوالد".... 

وهذه إشارة إلى أن مرحلة الاستقلال كانت أيضاً جزءاً من صراع الانتدابات، بين فرنسا وبريطانيا ولاحقاً أميركا.

 

(يتبع)

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث