في خضم النقاشات الدائرة حول الهوية السينمائية السورية وإعادة تعريفها بعد سنوات الحرب، تبرز تجربة المخرج فراس محمد (38 عاما) كحالة فريدة تستحق القراءة والتأمل، فهو من القلائل الذين اختاروا العمل من داخل سوريا، محاولاً خلق بصمة سينمائية خاصة ضمن هامش ضيق من الحرية والإمكانات. تمثل مسيرة فراس المستمرة منذ عقد من الزمن وانتقاله من الهندسة الميكانيكية إلى السينما، نموذجاً للتحول الفكري والفني الذي يشهده جيل جديد من السينمائيين السوريين. كما أن اختياره البقاء في دمشق بالرغم من كل التحديات، والعمل على توثيق حياة المهمشين عبر أفلام مثل "عتمة مؤقتة" و"الناس اللي فوق" الحائز جائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج، يجعلانه صوتاً مهماً في مشهد سينمائي يحاول إعادة تعريف نفسه.
هذه المقابلة مع "المدن" تفتح نافذة على رؤية فنان يؤمن بأن السينما "مضادة للزمن"، ويسعى عبر عدسته لالتقاط خلاصات المرحلة السورية بكل تعقيداتها، ذلك عبر تجربته في التوثيق والرواية، ومناقشته لإشكاليات الهوية السينمائية، وعلاقة المخرج بالواقع، يقدم فراس محمد إجابات عملية على أسئلة ملحة حول شكل السينما السورية في مرحلة إعادة البناء ومستقبلها.
-
في البداية، لنأخذ مسافة من الإخراج بمعناه العام، حدثنا عن تفاصيل البيئة الاجتماعية والثقافية التي تَكَونت داخلها؟ وكيف أثرت تلك البيئة في تفاصيل خياراتك الشخصية، ودراستك وأعمالك الفنية لاحقاً؟
كنت أعتقد بأن هذا التأثير له شكل مباشر ومقحم، لكن عبر تراكم التجارب، اتضح لي بشكل تدريجي أن البيئة التي أثرت في شكل العمل الفني الذي أمارسه، مختلفة جذرياً عن تلك التي نشأت فيها، أنا كشخص وُلد ونشأ في العاصمة، ظل بعيداً عن ضجيجها أغلب فترات حياته، بيتٌ هادئ نوعاً ما، مستقر، يفرض على أطفاله الالتزام المدرسي والتفوق فيه، من دون ذرى أو تحولات درامية كبرى، حتى بالحد الأدنى من التنقلات السكنية. وُلدت في منطقة المزة، وما زلت فيها للآن، هي بيئة لا تخلق الكثير من الغنى والخصوصيّة؛ بل على العكس، السكون يغزو أغلب مفاصلها، حتى في أشد سنوات الحرب.
بتحليلي الشخصي، تلك البيئة السكونيّة التي تضع العائلة في المرتبة عليا، والالتزام بالتحصيل العلمي كذلك، ترك مجالاً واسعاً للحصى بأن تحرّك المياه الراكدة، من مراقبة البيئات الهامشية والبحث عن الضجيج في العاصمة (وضجيج العاصمة في حوافها وجبالها)، أيضا التعرف على زملاء أتت بهم الدراسة من مناطق بعيدة (وأنا خريج الهندسة الميكانيكية)، وربما اتخاذ قرار الابتعاد عن تلك الدراسة بعد التخرج، والميل تجاه السينما التي بدأتها من بوابة النقد والتحليل، هو ما ساعد في البحث عن الأكثر مغايرة بالنسبة للبيئة التي نشأت فيها، ولا شك، اكتشافي للسينما الايرانية (التسعينات) والمصرية (الثمانينات والتسعينات)، واقتحامها للعشوائيات والشوارع وأماكن التصوير الحقيقية، ساعد في معرفة ما أريده حقاً من السينما، والتي لربما أتت على شكل اقتحام للبيئات المغايرة أو البديلة، كنوع من أنواع التعرف على الواقع، وربما التعرّف أكثر على البلد الذي أنتمي اليه .
-
كيف ومتى حدث لقاؤك الأول مع الصورة السينمائية وما أثر هذا اللقاء في شكل أعمالك؟
إن كنت تقصد السينما، كانت مع الفيلم الشهير فوريست غامب، الذي شاهدته للمرة الأولى العام 2004، وأعتقد أنه الفيلم المسؤول عن تحريك غريزة التحليل السينمائي، أكثر من الحلم بصناعة فيلم، بما يحتويه من سرد متين وحكائية مسيطرة على كل أدوات الفيلم، وهو ما يتقنه الأميركيون عموماً، هذا كان المفتاح، فن الحكاية البصرية. أما اللقاء الحقيقي مع الصورة السينمائية أتى مع الفيلم الأول الذي شاهدته للمخرج السوفياتي أندريه تاركوفسكي، فيلم طفولة إيفان 1962، شاهدته مصادفة في العام 2007، وهو يتناول الانعكاسات النفسية للحرب على الطفل إيفان، كان أشبه ببوق عريض الصوت يصدح داخلي، متناغم جداً مع مخاوفي حول المستقبل، كان هذا الفيلم اكتشافاً مذهلاً، ليس فقط لشاعر السينما؛ بل للسينما نفسها، للأبعاد الشعرية التي من الممكن أن يحملها الصوت وتحملها الصورة السينمائية، أو بالأحرى، كان الصدام الأول بالمعنى الفني للسينما، بعد العديد من المشاهدات التي اعتنت بالحكاية أكثر من اعتنائها بالصورة. وبتصوري أن قيمة هذا الفيلم تضاعفت بالنسبة لي مع دخول سوريا ساحة صراعاتها الداخلية العام 2011.
لكن لكي أكون صريحاً، لم أكن أملك الجرأة، لإعادة تشكيل تلك القوة البصرية والبلاغية في أفلامي، كنت أبحث عن شكل أبسط من التعبير، بعيد من الجماليات المفرطة وألا يكون حمالاً لأوجه أو لمستويات تأويل عدة أو لملامح الشعرية. كون علاقتي بالسينما كصناعة بدأت بالتعرف على أدواتي، ومحدوديتها، ومحاولتي المستمرة لإعطائها هامشاً للتطور، بعيداً عن ركوب الموجات العالية، خصوصاً في التجارب الأولى القصيرة، وربما كان همي الأول، هو الفصل بين فهمي للصورة عبر ممارسة النقد، وصناعتي لها.
-
لماذا جازفت بأن تصبح مخرجاً سينمائياً بعدما درست الهندسة الميكانيكية، وماذا يعني أن تكون مخرجاً في عصر الصورة، العصر الذي يُتداول فيه بأن المخرج قد مات؟
أتفق معك حول أنها مجازفة، لكن اكتشاف المرء لنفسه يبقى إنجازه الأعظم، كما قال لي يوماً أحد الغرباء في قهوة شعبية اعتدت ارتيادها. قرار الابتعاد من الهندسة بعد التخرج، كان قراراً سهلاً للغاية، وتبقى علاقتي مع السينما هو علاقة قائمة على المراحل، كل مرحلة ولها معطياتها، ومهمتي أن أستغل شغفي بها للحد الأقصى، قبل أن تستهلك السينما نفسها، سواءً، داخلي أنا، أو بشكلها العام.
هذا العصر سريع لدرجة تشعرك بأن أفكارك وأدواتك كمخرج أو حتى ككاتب للنص السينمائي، تعتق بسرعة، معرضة للتلف، ذلك قبل أن يمر عليها الزمن، أنت تفكر الآن بشيء قد يصبح غداً بحكم القديم، لكني شخصياً أؤمن أن الفن مضاد للزمن، مهما تغيرت المعطيات الزمنية، جرّب أن تشاهد فيلم "التوت البري" لإنغمار بيرغمان في قاعة السينما الحديثة ذات التقنية العالية، أو في شاشة موبايلك، ستكتشف أن عبورك للزمن متاح، والفيلم ما زال راهناً والدماء تسير في عروقه، يبقى حلم كل صانع فيلم هو أن يلتقط الزمن، ويلتقط خصاله وملامحه الثقافية، حينها ستسقط كل المخاوف الزمنية. فيلم "أحلام المدينة" لمحمد ملص لا تكمن أهميته الآن في معالجة دمشق الخمسينيات، كفترة للانقلابات العسكرية؛ بل أصبح محمّلاً بمشاعر وشوارع ومعطيات زمنية، تستحضر التاريخ لا كوثيقة؛ بل كحالة حسية، كحالة اجتماعية، كوجهة نظر من الزمان والمكان، ولا أخفيك سراً، بأنها كانت إحدى الأشياء التي سعيت لتكريسها في فيلمي الروائي الطويل الأول "عتمة مؤقتة"، بالنزول إلى الشوارع، وتقديم وجهة نظر من الزمان والمكان، ولدي رغبة شديدة في معرفة ردة فعل المُشاهد عند مشاهدته لِـ "عتمة مؤقتة" بعد نصف قرن مثلاً، أعتقد حتى المعيار النقدي والتحليلي حينها سيختلف، تحت وطأة لقطة لشارع أو سوق شعبي أو ملهىً ليلي ستمر عليه خمسة عقود.
-
ثمة مقولة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، أن على المخرج قول كل ما يريد قوله داخل الفيلم نفسه، وليس خارج إطاره (أي من دون الاعتماد على تفسيرات أو توضيحات لاحقة). هل تعتقد أن فيلمك الأول Seven Days (2014) كان تجسيداً عضوياً لهذه المقولة؟ وكيف تقرأ اليومَ تلك المحاولةَ الأولى لتُعلّم الصورةَ أن تتكلّم؟
سبعة أيام هو مثال للشحنة المكبوتة التي انفجرت وتطايرت في كل الاتجاهات، لا أنظر له اليوم بعد أحد عشر عاماً على صنعه باعتباره فيلماً وثائقياً يطغى عليه التوجه الذاتي صُوّر بأدوات بدائية؛ بل هو بالنسبة إليّ حكاية عن شخص متهور ضاع في المكان، ليصبح أشبه برحلة من مقولة لأندريه تاركوفسكي "لا يمكن حمل كاميرا والنزول إلى الشارع لتصوير فيلم"... إلى "بمجرد أن تحضر الكاميرا تختفي السينما"، أيضاً وثق للعلاقة الاشكالية بين الكاميرا والشارع، زادت قيمته بالنسبة إلي على الأقل بعد سقوط نظام الأسد، كونه أتى من قلب العاصمة التي سارت على خط رفيع بين اعتبارها مدينة حرب، أو مدينة تتجاهل الحرب وتدير لها ظهرها بعناد، يوثق الحيرة والخوف، يتناول الفوضى بمعناها الحسي والمكاني، وبمعناها التقني أيضاً، انظر له باعتباره العشوائية الداخلية التي تحولت لمجموعة لقطات ومونولوغات وهواجس خاصة بآخر سبعة أيام من عام 2014 والتي ستبقى كذخيرة بصرية لمدينة من وجهة نظر طائشة تتلمس طرق التعبير وتكتشفها، أيضاً كفيلم يلتقط العشوائية التي عليّ أن أتعلم تنظيمها مع الوقت، وبالتأكيد كان فيلم سبعة أيام هو صدامي الأول مع دمشق، وأنا لم أفهمه سوى في غرفة المونتاج.
-
بناءً على مشاهدتي لأفلامك الأولى، السينما الوثائقية التي تريد أن تؤرخ الأشياء كما حدثت، تنتهي إلى الخيال، هل المونتاج هو عملية صناعة الخيال؟ وإذا تطرّفنا في فهم السينما إلى الحد الأقصى، هل يتحول المكان الذي نعيش فيه إلى السينما وما نراه في الشاشة يغدو الواقع؟
لا يمكن تجاوز فكرة أن حياكة اللقطات بعد تصويرها وفق وجهة نظر خاصة، تحمل شكلاً من أشكال الأفلمة، حتى ولو صورت ما يحدث بحرفيته. أولاً لأن السينما تعتمد على التأطير، أنت كمخرج تختار ضمن الإطار ما تريد للمشاهد رؤيته، حتى ولو كانت الحقيقة كاملة خارج هذا الإطار، يأتي بعدها المونتاج لخلق السياق، أستطيع أن أجري مقابلات وثائقية مع خمسين امرأة، وأسألهن عن حياتهن الزوجية، سبع منهن تعرضن للتعنيف الجسدي، أما البقية فيعشن حياة زوجية طبيعية أو فيها الكثير من التفاهم.
أنا كمخرج، أستطيع في غرفة المونتاج أن أتخذ قراراً بصنع فيلم وثائقي انطلاقاً من شهادة النساء السبع اللواتي تعرضن للتعنيف، ليظهر بنتيجته أننا أمام مجتمع تتعرض فيه النساء للتعنيف، هل هذا خيال؟ لا أعتقد، هل هذا اجتزاء من الواقع، أيضاً لا أعتقد؛ إنه تكثيف أخلاقي، إنه إعادة ضبط للمعايير الاجتماعية التي من أجلها صُنع الفيلم، المونتاج كما أفهمه في الفيلم الوثائقي، هو خلق السياق، أو النافذة التي نطل بها على الأفكار والأزمات والمعضلات، لا على الواقع.
-
بين مصطلح 'التسجيلي" الذي يرفض الترجمة، ومصطلح "الوثائقي" الذي يتنكر بأزياء متعددة، ثمة هوةٌ جمالية تطرح سؤال الذات والشخصية السينمائية، رؤية الشخصية لنفسها كما تعتقد، ورغبتها الخفية كما تتمنى، وصورة المجتمع لها كما يفرض، كيف ترى هذا الثالوث الدرامي بين فهمنا لمصطلح التسجيلي ومصطلح الوثائقي؟
أفضّل الذهاب نحو توصيف أبسط للمفاهيم، لتندرج تحت التعريف العام للسينما، وشخصياً أتبنى رأي الناقد المصري عصام زكريا، حول التطابق بين الوثائقي والتسجيلي، كون جذرهما اللغوي واحداً، وإن سمحت لي التبسيط أكثر، علينا أن نتوقف عن الانشغال في الفيلم الوثائقي تحديداً بما هو حقيقي، وأن ننشغل ونتفاعل مع ما هو صادق. المادة الدرامية مهما كان جنسها، قيمتها ومقدار صدقها هما نتيجة معالجة الشخصية وعلاقتها بظرفها، وبالتالي زمانها ومكانها.
-
تعيدنا الأفلام التسجيلية إلى سؤال المونتاج باستمرار، يُعَرْف تاركوفسكي المونتاج على أنه حياكة الزمن، هل هذا تعريف كافٍ برأيك؟ وهل لديك تعريفٌ آخر؟
هذا تعريف بليغ، لكنه يستدعي بعض الشرح، لا شك أن تاركوفسكي لم يستطع أن يرى السينما خارج معناها الزمني، لكن ما المعنى الزمني المقصود؟
الزمن في السينما أشبه بوعاء، يحمل الدلالة والمدلول، يحمل الظرف، وملامح الزمان والمكان، يحمل المعطيات الحسية، والمفردات الخاصة بالشخصية، ورواسب تاريخها، وجزءاً من السرد (قرارات الشخصية وحركتها كفعل وردّ فعل). عند دخول غرفة المونتاج، خصوصاً في الفيلم التسجيلي أو الوثائقي، تعيد قرارات المخرج تشكيل كل المكونات؛ أي تُعيد تشكيل الحياة، والموقف من هذه الحياة.
كثر يعتقدون أن الفيلم التسجيلي هو تسجيل ما يحدث من دون تدخل، لكن المونتاج يعطي المخرج صلاحيات التقاط هذه اللحظات الزمنية وإعادة رصفها، لتصبح الشخصية وكأنها مكتوبة داخل سكريبت، سحر المونتاج يكمن في قدرته على خلق السياقات التي لم يستطع الواقع أو الشخصية خلقها في حياتها المعاشة، لكن هذا يبقى شكلاً من أشكال التكثيف، هذا يطرح سؤالاً لطالما كان إشكالياً حول أخلاقيات الفيلم التسجيلي (أو الوثائقي).
-
المكان يشكل فضاءً واسعاً من الذاكرة، له مكانته الجمالية لدى المثقفين والفنانين. دمشق ولياليها حاضرة في كل أفلامك، كيف تفكر في الزمان والمكان كبطَلين في أفلامك؟
لا أخفيك، أني وعلى نحوٍ غير واعٍ تماماً، أختار البيئة التي ستنتمي لها شخوصي، سواءً في الفيلم الروائي أو الوثائقي ذلك، قبل اختياري للشخصيات، ربما بسبب الإدراك المسبق بأن الشخصية، في السينما وفي الحياة، هي حصيلة بيئتها، أستكشف المكان وأتعامل معه بمنطق وثائقي، حتى ولو كان فيلماً روائياً. تكرر الأمر في فيلم "الناس اللي فوق" ومن ثم "خردة" وأخيراً في "عتمة مؤقتة".
إلى جانب أن تحويل المكان لشخصية درامية، يمثل حاجة خاصة جداً لفهم إيقاع الشخصية ومنطق حياتها، وبالتالي آلية كتابتها والتعامل مع طريقة مونتاجها، ففي "خردة" مثلاً، وهو فيلم قصير، يتناول رجلاً يعود لقريته المدمرة. الدمار يعني اختفاء الملامح، وبالتالي انخفاض الإيقاع وبالتالي حضور الزمن بمعناه الميت. كنت أعتقد أن سيطرة اللقطة العامة على الفيلم وتصوير ضآلة حجم الشخصية أمام كل هذا الدمار سيعكس موتها الداخلي واستسلامها، على عكس "عتمة مؤقتة" حيث تعيش الشخصيات ليلاً صاخباً ملوثاً، فتكاثرت اللقطات الضيقة والحركة السريعة للكاميرا، كلها قرارات تقنية أتت عبر قراءة المكان، في حين في "الناس اللي فوق" تم التعامل بحياد وموضوعية وثبات أكثر عند محاولة تصوير الشخصية وكأنها تنتمي بالكامل للمكان وليله.
-
في أفلامك، يصبح الدخان المتصاعد من السجائر واليأس المتسرّب من تذاكر اليانصيب شخصيتين أساسيتين تتنفسان بين أزقة دمشق. كيف تفسرهما، وماهي الحدود بين الواقع والسينما؟
أفسرهما ضمن سياقهما، في "تأويل" (روائي قصير) و"سبعة أيام" (وثائقي قصير)، كانت رغبتي في الإخلاص للبنية الكلاسيكية والحدوتة المحدودة، لكن رغبتي في التجريب طغت عليها، ومع الوقت اكتشفت أن جرأة التجريب تتضاءل مع تراكم التجارب. بالعودة لسؤالك، الدخان المتصاعد كعنصر سينمائي جُرّد ومُنح بُعداً رمزياً نوعاً ما، أتى ليتشابه مع الشخصيات في أهوائها ومزاجيتها وتحررها من المبرر الدرامي، في حين أتت ورقة اليانصيب تعبيراً عن واقع يصعب تغييره، وهذا العنصر بالمناسبة، تكرّر مرتين، في "سبعة أيام" وفي "الدائرة السحرية" وضمن التأويل نفسه، وأستطيع القول إن هذه العناصر أيضاً تحمل خصوصية المكان، ورقة اليانصيب الرابحة في دمشق، مختلفة عن أيّة ورقة رابحة في أي مدينة اخرى، الفرق، أنها رابحة، لكن ليس بالنسبة لشخصيات ضائعة في دمشق.
-
في فيلمك "عتمة مؤقتة" (2023)، يبدو ظلّ السينما التركية (نوري جيلان) والإيرانية (أصغر فرهادي) كضوء خافت ينفذ من شقوق السرد، حاملاً معه هُويتك السينمائية الخاصة. ما هي تلك الأصوات الأخرى - ربما المختبئة في زوايا المشهد - التي ساهمت في تشكيل لغتك البصرية وشخوصك المأزومين؟
من ناحية التأثر، فرهادي أقرب إلي من جيلان، بالرغم من إعجابي بسينما جيلان أكثر، لكن إذا كان الشكل نتيجةً للمضمون، فمنطق الفيلم وطبيعة شخصياته، وآلية كتابة النص، والتي كانت بالمناسبة هي المحاولة الأكثر نضجاً مني للاقتراب من البنية الكلاسيكية، لكن ببطلين اثنين، هذا المنطق سمح لسينما فرهادي بأن تؤثر على نحوٍ أوضح، سواءً بستايل حركة الكاميرا، أو إدارة الممثل، لكن المرجعية الأوضح كانت بالنسبة إلي في سينما المكسيكي اينياريتو، صاحب فيلمي (بابل - 21 غرام).
ولكي أضع المرجعية الخاصة بهذا الفيلم ضمن سياقها الصحيح، فالمرجعية الأكثر سيطرة كانت الفيلم الوثائقي القصير (الناس اللي فوق)، كان لي حظ الحصول على التانيت الذهبي في قرطاج عنه، هذا دفعني لإعادة بناء روائية لشخوص حقيقية عشت معهم أياماً وأسابيع خلال عملية التصوير، وحاولت اقتحام بيئتهم وفهم أزماتهم، ربما هذا سهّل عملية إعادة الصياغة الروائية، عبر حكاية تتكون من بطلين من القاع، يتحول كل منهما لملجأ بالنسبة للآخر، مع تفعيل خيار المونتاج المتوازي لخطين زمنيين يلتقيان في لحظة تقرير المصير.
-
الجزار والراقصة شخصيتان حاضرتان في فيلمك الوثائقي "الناس اللي فوق"، كانت شخصيات تتكلم وتعبر عن نفسها، أما في "عتمة مؤقتة " وهو فيلم روائي، فأنت كتبت وصغت شخصية الجزار وشخصية الراقص درامياً، ما الفرق بين هذه العملية وتلك؟ وما هذا الشعور بالذنب الذي يلتصق بشخصياتك كظلٍّ لا يفارقها، هل بسبب اعتقادها (الذي ورثته منك) بأنها نجت من الحرب؟
للحظة من لحظات التحضير للفيلمين، بدا أن لا فرق واضحاً وجوهرياً بينهما، لكن في صلب العملية، المتعة بدت في اكتشاف الفوارق، كان مثيراً للاهتمام بالنسبة اليّ، العمل على فيلمي الروائي الطويل الأول، بالاستناد على فيلم وثائقي قصير آخر، فيلم "الناس اللي فوق" مكنني من الاشتباك المباشر مع عالم الليل وشخصياته، هواجسهم وأزماتهم وصبرهم ريثما يحل الفجر، دمشق ليلاً مختلفة تماماً عنها نهاراً، عوالم تنمو وأخرى تضمحل على نحوٍ يومي لتصنع حياة هذه المدينة، الاقتراب من تلك الشخصيات سمح لي بإعادة كتابتها ضمن "قصة" تحمل لحظات التقاء، تماماً كما حدث في "الناس اللي فوق" عبر مشهد الفجر الذي تلتقي فيه شخصية الراقصة بسائق الدراجة النارية (المشهدان صورا في نفس المكان والزمان، مرة وثائقي ومرة روائي)، ربما من جهة لإيجاد نهاية بديلة توضح شعور الذنب، أو لمنحهم القدرة على التعبير عن خساراتهم بوضوح أكبر، ففي الفيلمين نحن أمام نتاج وواقع مدينة تنتمي لحافة الحرب، لم تنهر كغيرها من المدن بالمعنى العمراني، ولكنها تجرعت الأثر النفسي كاملاً، الأثر الذي حدد بالنهاية خيارات الشخصيتين، بالعموم الحرب في الفيلمين كانت على الهامش وحضرت فقط في الخلفية، هم ضحاياها بلا شكل (مثلي ومثلك)، ولكنهم ناجون أيضاً على نحوٍ أو آخر (مثلي ومثلك)، ولا يمكن لنجاة بهذه الطريقة سوى أن ترسم محدودية الحياة والخيارات والتيه في متاهة من العشوائيات، كما لو أن الفيلم يكرس الأثر السلبي للنجاة.
-
ما رؤيتك للهوية السينمائية السورية بشكل خاص؟ هل تعتقد أن عدم وجود هوية سينمائية سورية من حيث الشكل الفيلمي، وليس الموضوع التجاري، له علاقة بتنوع البيئات المحلية وتمايزها عن بعضها البعض؟
اتفق معك حول غياب هوية للسينما السورية، لكن هل سينما البلد تحتاج هوية خاصة؟ أُتابع الإنتاج السينمائي في العالم، وأتابع غالبية المهرجانات السينمائية الدولية، لا أتذكر شكلاً لهوية وطنية جامعة تقاسمتها الأفلام المنتجة في إيطاليا مثلاً أو فرنسا. إذا ما تحاشينا الحديث عن اللغة والمكان، شخصياً أعتقد أن هوية الفيلم وانتماءه للبلد، ناتج بطبيعة الحال عن انتماء مخرجه، ولا أتحدث هنا عن انتمائه لقضايا بلده أو إخلاصه لها؛ بل تشرّبه ثقافتها ووعيه بسماتها السياسية والاجتماعية، التباين الأسلوبي والفكري لدرجة التضاد هو ما يسمح للهوية بالتبلور، إسقاط الأهداف الأيديولوجية قادر على فتح مجال كبير لهذا التبلور، لكن الأهم برأيي من كل هذا، هو وجود مخرجين قادرين على ضخ كل تلك الأفكار في أفلامهم بما في ذلك البحث في الهويات الصغرى لمجتمعاتهم المتنوعة، من دون خطابية، ومن دون أن تتحول هذه الأفلام لمنافيستو سياسي، ومن دون تحويل العناصر الثقافية لمجرد فولكلور مغرِ بالنسبة للمُشاهد الغربي، السينما التي تتمكن من مخاطبة الداخل، ستجد طريقها للخارج، والأمثلة كثيرة على ذلك .
-
ما العوامل التي تحدد أن فيلماً ما هو فيلم سوري؟
بالشكل البروتوكولي، أن تكون الشركة المنتجة والممولة سوريّة، لكن إذا أردنا أن نبحث أكثر في جنسية الفيلم، شخصياً انظر إلى الزمان والمكان، هيتشكوك البريطاني، صنع أفلاماً أميركية، فيم فندرز الألماني، صنع فيلماً يابانياً، وأيضاً كيارستمي. لكن هذا لا يتم إلا بإحدى طريقتين، إما يكون الفيلم باحثاً في القضايا الكبرى التي تجمع كل الناس، كالحب مثلاً. أو أن يكون ابن البيئة التي يصورها، حتى ولو لم يحمل جنسيتها.
-
في ظلّ واقعٍ سينمائي سوريٍّ ممزق بين صالات العرض المُتداعية، ونوادي السينما النادرة والنخبوية، والمؤسسة العامة للسينما التي تُعاني من شللٍ إبداعي وبيروقراطيةٍ خانقة، يبرز السؤال عن كيفية بناء مستقبلٍ سينمائي سوري يجمع بين حفظ الذاكرة وصناعة الهوية وإعادة تأهيل المجتمع سينمائياً. من أين وكيف نبدأ؟ هل تعتقد بأننا بحاجة لعقد اجتماعي جديد يرى في السينما أداة؟
لا أعتقد أني الشخص المناسب للحديث عن هذا الموضوع، لكن أستطيع تشخيص المشكلة التي بموجبها نحن بحاجة لهدم لا لإصلاح، السينما السورية المنتجة في عهد بشار الأسد، وخصوصاً التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما، يمكن اعتبارها سينما جاهلة بكل تقنيات التوزيع والانتشار المعمول بها (عربياً على الأقل). نحن بحاجة لخلق شراكات جديدة مع الجميع، وأن تتكفل الجهات الراعية داخل البلد بمد اليد للجميع، بدلاً من التجاهل والتعالي وانعدام الاهتمام السائد سابقاً. شخصياً أعتقد أننا أمام فرصة تاريخية الآن لإعادة صياغة ملامح الصناعة السينمائية لدينا، ولا سيما على الصعيد البيروقراطي والرقابي.
-
إذا افترضنا أنك حصلت على تمويل مفتوح وحرية تامة، ما العمل الذي ستصنعه؟
هذا افتراض مثالي نوعاً ما، وحقيقةً أعتقد أن التمويل المفتوح يزيد القيود لا يخففها، لكن بالنسبة إلي ما أرغب في العمل عليه هو فيلم يتناول القضاء والبنية القضائية في البلد.
