يصدر قريبا عن دار نوفل / هاشيت أنطوان كتاب "سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع" للكاتب السوري بشير البكر. كان البكر، وهو الشاعر الذي يملك في سجلّه سبعة دواوين منشورة، يعلم، عندما غادر البلاد قبل 45 عاماً، أنه سيعود يوما ما إلى سوريا، لأن الشِعر وعده قائلاً: "لا تخف/ سيكون هناك وقت وفير/ لنا نحن الذين لم نتكلّم بعد!"
وجاء في نبذة الناشر:
بعد 45 عامًا من الغياب القسريّ يعود الكاتب إلى سوريا. يحاول استرجاع هويّةٍ يشعر بأنّها امّحَت وتذكُّرَ مدينةٍ ظنّ أنّه نسيها، ليكتشف أنّها محفورة في قلبه بشوارعها وأزقّتها، إذ أمكنه أن يسير فيها مغمَض العينَيْن: حيّ الصالحيّة، الشيخ محيي الدين، العمارة التي سكنها شابًّا، جامعة دمشق...
يبحث عن صداقاته القديمة ليُفاجَأ بأنّ كثيرين مِمَّن عرفهم قد غادروا؛ بعضهم مات، بعضهم سافر، وأحدهم فقَدَ النطق!
يقوده ترحاله إلى مقهى الروضة الذي صار ملتقى العائدين بعد سقوط النظام، حيث يلتقي بأصدقاء ومعارف. وفي كلّ ذلك يستحضر أسماءً في الثقافة والشعر والفنّ والنضال... ويرصد أحوال المقيمين والعائدين، المثقّفين، أحوال النساء، العمران، والذوق العامّ... ويستحضر أمكنةً وشوارع ومدنًا تقود إلى محطّاتٍ وأزمنةٍ في سوريا وخارجها.
في فصولٍ تستهلُّّها مطالع شعريّة، وبسردٍ شفيفٍ بين حنين المشتاق ولوعته، يذرع الراوي دمشق والمدنَ المحيطة كروحٍ حلّتْ في جسد المدينة. غيرَ آسفٍ على سقوط النظام السابق، ينظر الكاتب العائد إلى سوريا الجديدة بعين مَن يُدرك سُنَن البلدان وحاجتها إلى الوقت للتعافي والإزهار من جديد.
هنا مقتطف حصري من كتاب "سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع" للكاتب السوري بشير البكر - خاص بـ"المدن"
طريق بيروت (مقطع من الفصل)
قبل أن أستقلّ الطائرة من الدوحة إلى دمشق في أول زيارة يوم 19 شباط الماضي بعد 45 عامًا، رأيت في المنام أنّي هبطت في مطار بيروت قادمًا من باريس. «سأذهب إلى دمشق لن أنام هنا»، قلت للضابطة اللبنانيّة التي ختمت جواز سفري الفرنسي، حينما سألتني عن عنواني في بيروت. وأضفتُ أنّي سأبحث عن سيّارة أجرةٍ تأخذني إلى منطقة الحدود في المصنع، ولن أقضي الليلة في بيروت، «لديّ حالةٌ من الفرح لا أريد أن أبدّدها هنا». كنت أخشى إذا مكثت لبعض الوقت في بيروت، أن تفتر حماستي لدمشق.
يتواصل المنام كما لو أنّه واقع، في الطريق إلى نقطة الحدود في المصنع يلقي الشتاء بظلّه على كلّ شيء، طعم برد شباط، ولون السماء الرمادي، يرفعان من منسوب الحنين، يعلو ويهبط الأدرينالين، كلما صعدت السيّارة مرتفعًا، أو نزلت في منحدر، تآكل بفعل الزمن، لكن لحسن الحظ حواجز الرعب السوريّة لم تعد موجودة. كنّا نسمع حكاياتٍ كثيرةً عن المعاملة السيّئة التي يلقاها السوريّون على هذا المعبر، الرشوة التي لا بدّ من تسديدها كضريبة، الفحص الأمني وممارسة التنمّر. كلّ ذلك اختفى ولم يعد له أثر، وقد تحوّلت النقطة الحدوديّة إلى جهةٍ تيسّر دخول العائدين.
كنّا من هذه النقطة نهرب من سوريا، والآن نرجع منها. ما بعد المصنع ندخل إلى سوريا، وتبدأ الذاكرة البعيدة بالعودة تدريجًا، تتعثّر، تخلط بين الواقع والخيال، تؤوّل الأمكنة وفق مزاجها وعلى قدر ما اختزنت أماكن أخرى. لكنّها في لحظة ما تستقرّ على حالٍ من الصفاء وتعيد تركيب المشاهد التي تبعثرت على مدى الأزمنة والأمكنة. فجأةً يعصف بها برقٌ خاطف، لا يمكن تفسير مصدره. نعم هذا هو طريق دمشق، تلك التلال التي لم تكن تحضر سوى في قصائد سعيد عقل، وأغاني فيروز بدأت تقفز إحداها على أثر الأخرى.
«نسمت من صوب سوريّة الجنوب». يأتي بردٌ ناشف، إنّه من تلك البلاد، عرفته، قادمًا في مسيرة الآباء والأجداد، يمشي بخطًى وئيدة، يمسك بأصابعي، ويحطّ على وجهي لأرجع عدّة عقودٍ إلى الوراء نحو كانون الدمشقي الماطر، إلى قرى ريف الحسكة وحلب، رائحة خبز الصاج وطعم السحلب وشاي المدفأة في الصباح والنعاس، والوحل على طريق المدرسة.
أتأمّل فقط، أريد لعينيّ أن تنقّبا في كلّ جنبات الطريق. قلت سأترك الجانب الآخر لرحلة العودة. سأكتفي بالجانب الأيمن، رغم أنّي جلست بقرب السائق، لأرى الطريق في صورةٍ بانوراميّة. هو يتحدّث ويدخّن وأنا صامت، يسألني ولا أجيب، يلحّ عليّ، يودّ أن يعرف سبب شرودي الطويل. قلت له إنّي أتأمّل الطريق. أخذه العجب من جوابي. هي تلالٌ جرداء. نعم جرداء لكنّي لم أرها منذ 45 عامًا. وفجأةً تضغط قدمه على المكبح وتقف السيّارة. ينظر نحوي وهو غير مصدّق. «حرام عليك»، ويستدرك: «حرام عليهم، الله لا يوفقهم. منعوك طيلة هذا الوقت من زيارة بلدك». ونصمت معًا، هو يعضّ على السيجارة وينفث الدخان، وأنا أستنشق جرعةً كبيرة أغصّ بها وأصحو من نومي، لأكتشف أنّي نائمٌ في الدوحة في بيت ابني هشام، الذي فتح باب الغرفة ليوقظني من النوم، ويخبرني بأنّه سيوصلني إلى المطار قبل أن يذهب للعمل. ننطلق سريعًا إلى المطار لأستقلّ الطائرة التي تقلع مبكرة، وأنا أفكّر في هذا المنام الغريب الذي خرج من مكانٍ في أعماقي. ذلك يعني، بما أنّي غادرت سوريا في المرة الأخيرة من بيروت، أنّه يجب أن أعود على الدرب نفسه. هذا ما رسمه اللاوعي الباطن، وما تشكّل في الذات المسافرة، التي تقرّر خريطة طريق الذهاب والإياب في كلّ سفر، ومنها هذه، التي تشكّل بالنسبة إليّ رحلة العمر، بدأت على درب بيروت شابًّا، ولم يكن في وسع حاسّتي للسفر أن تقبل مسارًا مختلفًا لها.
بيروت هي التي فتحت لي طريق الخروج من دمشق، والتي ستعيدني أيضًا. كأنّي أوكلتها شأني. كلّما خطر لي أنّي وحدي في مكانٍ ما، تحضرني، كما بيت الأهل حين تضيق الدنيا. كنت كلّما تخاصمت مع أحدٍ من أهلي، أو صديقتي في دمشق، أذهب إلى كراج دمشق بيروت، وأركب أول سيّارة أجرةٍ نحو بيروت. لا أسأل أين سأنام، لكن ما إن أصل إلى شارع الحمرا، حتّى أجد أكثر من صديقٍ أو صديقةٍ يدعوني إلى منزله، وهكذا.
أهرب من دمشق إلى بيروت، وانا أفكّر في خفّة الحياة وغناها وباب الفرص الذي تفتحه أمام الكائن. صالات السينما المنتشرة في الحمرا ووسط البلد، المكتبات الكبيرة والواسعة، قاعات عرض اللوحات التشكيليّة، الندوات الثقافيّة، الحديث من دون رقابة، النقاشات الثقافيّة والسياسيّة الحامية، يتبعها خروج الأطراف المختلفة بالرأي إلى المقهى معًا، وكأنّهم من عائلةٍ واحدة. حضرت ندواتٍ لقادة الأحزاب؛ جورج حاوي، فوّاز طرابلسي، إنعام رعد، عاصم قانصوه، بيار الجميّل، كميل شمعون، نجاح واكيم. خمّنت أنّ الرصاص سوف يلعلع بعد الجلسة، وإذا بهم يضحكون! عشت فترةً طويلة داخل غابة البنادق الفلسطينيّة حسب تعبير ياسر عرفات.
سألني صديقي الشاعر أمجد ناصر، ونحن نتناول الإفطار في بيته بالطابق السادس في طلعة أبو شاكر بالفاكهاني، بعدما أمضيت ليلتي الأول عنده:
– ماذا ستفعل في بيروت؟
قلت له:
– سأبحث عن عملٍ وسكن.
نظر نحوي باستغراب:
– ليس وراءك تنظيمٌ فلسطينيٌّ هنا حتّى تتسهّل أمورك بهذه السرعة.
قلت له:
– لا تقلق، أبو عمار لن يتخلّى عنّي، وإن حصل ذلك فسأجد عملًا في تنسيق الحدائق، لديّ خبرةٌ حياتيّة ومدرسيّة في الزراعة.
ضحك بسخرية، تلك الضحكة التي كان يطلقها من الأعماق. وفي الطريق من بيته نحو الفاكهاني صادفت أحمد دحبور، الذي قادني ليعرّفني إلى زياد عبد الفتّاح، المدير العام لوكالة الأنباء الفلسطينيّة «وفا»، الذي أجلسني إلى طاولة، وقال: «هذا مكتبك".
بشير البكر
كاتب وشاعر سوري (مواليد الحسكة). حائز جائزة الصحافة العربية (2008). رئيس تحرير سابق في «العربي الجديد» وأحد مؤسّسيها، ومشارك بتأسيس مجلّة «بيت الشعر» في أبو ظبي. له مؤلّفات في السياسة وأعمال شعريّة، وتُرجمت قصائده إلى الفرنسيّة، الإنكليزيّة، والتركيّة. «سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع» هو كتابه الثاني الصادر عن دار نوفل بعد «بلاد لا تشبه الأحلام" (2025).
