باسم يوسف المُعدّل: إلى متى تصمد إعادة تدوير السخرية؟

شريف الشافعيالخميس 2025/11/20
Image-1763630178
باسم يوسف بين "كلمة أخيرة" و"البرنامج"
حجم الخط
مشاركة عبر

هو ذكاء باسم يوسم بالتأكيد، الذي جعله يختار أن يكون ضيفًا وليس مقدّمًا أو محاورًا، في أحدث إطلالاته الفضائية الموسّعة على الجمهور من خلال الإعلام المصري (خريف 2025). هي احترافية الحسابات أيضًا، الفنية والمادية، في تفجير المغامرة وتسويقها بوعي تخطيطي وانضباط تكتيكي. ففي حالة النجاح المتوقع أو فوق المتوقع يعود السبب إلى ظهور الضيف، الغائب الحاضر، وليس إلى البرنامج وصنّاعه بطبيعة الحال، وفي حالة حدوث غير ذلك، فالضيف مجرد ضيف لا أكثر، وليس مسؤولًا عن أي شيء.

 

كانت الأنباء التمهيدية المتداولة بعودة باسم يوسف إلى الظهور التلفزيوني المصري من جديد، بعد مرور أكثر من 11 عامًا على توقف برنامجه الشهير "البرنامج"، كفيلة بجعل اسمه، الذي اتضح أنه لا يزال برّاقًا، هو الأكثر تداولًا في منصة إكس، متصدرًا التريند. ومع ذلك، فضّل الإعلامي الفكاهي الأبرز أن يكون ظهوره عبر قناة "أون تي في" المصرية كضيف من خلال سلسلة حلقات أو فقرات خاصة يتحدث فيها لبرنامج "كلمة أخيرة" مجيبًا عن تساؤلات المُحاور أحمد سالم. 

 

إلى الجرأة الزائدة على الحد في كسر التابوهات، السياسية والدينية والجنسية على الأخص، يُعزى توقف برنامج "البرنامج" الأسبوعي الساخر على قنوات "أون تي في" و"سي بي سي" و"إم بي سي مصر"، بعد ثورة يناير 2011، إضافة إلى الأسباب الأخرى الظاهرية المعلنة من قبيل: عدم ملاءمة محتوى البرنامج للسياسات التحريرية لهذه القنوات، ووجود مشكلات تجارية، وما إلى ذلك. وإثر هذه الضغوط كلها، أفاد باسم وقتها، في أوج تحقيق نسب مشاهدات قياسية محليًّا وعربيًّا، بسأمه التنقل بين القنوات، والتعرض المستمر لتوقف بعد توقف، مفضلًا الانسحاب النهائي من المشهد على تصوير البرنامج خارج مصر، أو الرضوخ لترويض البرنامج أو التخلي عن استقلاليته وحياديته في الانتقاد لصالح أية جهة بعينها تسعى إلى استغلاله.

 

تلك هي شروط باسم يوسف التي برر بها اختفاءه لسنوات، قبل ظهوره الأخير المركّب في ضيافة "كلمة أخيرة"، كصاحب تجربة إعلامية وإنسانية مختلفة، وكمقيم في بلاد العم سام ومتابع للسياسات الأميركية والصهيونية من قرب، وكشخصية مصرية عامة، ومحلل سياسي واستراتيجي في شأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا سيما أن زوجته فلسطينية وعلى صلة وثيقة بوطنها وأهلها. وقبل هذا وذاك، جاء ظهوره وتقديمه كساخر ومهرّج فذ، يتخذ التندر والإضحاك وقصف الجبهة والقفشات الجريئة، وسيلة لفضح الزيف وتحسس الحقيقة، ولا يخجل على حد قوله من أن يوصف بالأراجوز، إذ إن إقناع المشاهدين بقضية ما، مهما بلغت جديتها ومصداقيتها ومأسويتها، يكون أسهل بكثير إذا تم من خلال التسلية والترفيه المحبب، وليس من خلال المحاضرات والخطب والاحتشاد بالمعلومات والوثائق والبراهين "الناس بيدفعوا فلوس في مقابل إنهم يتبسطوا"، كما أشار باسم في الحلقات. 

 

بهذه العُدّة، كسب باسم يوسف رهاناته العالمية، لا العربية فقط، في نقده الكوميدي للسياسات الإسرائيلية والممارسات الوحشية ضد الفلسطينيين في حرب غزة، وذلك في مقابلاته المتكررة مع الإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان، التي لقيت صدى هائلًا، واستطاع فيها بخفة فائقة قلْبَ الطاولة على مناصري إسرائيل والمتعاطفين معها في الدوائر الغربية، موضحًا أبعاد القضية الفلسطينية من خلال أمور مبسطة تكشف عوار المنطق الإسرائيلي في نشر البروباغندا وتغييب الحقائق وتزييف الصورة. 

 

وبِعُدّته نفسها، المنبنية على التهكم وخفة الظل وتقزيم الطرف الآخر وجذب المتلقي وكسبه من خلال الفكاهة وحدها، جرى تمرير باسم يوسف الجديد المعدّل أو باسم 2025 إلى الإعلام المصري، بالتزامن مع الذكرى الثانية لاندلاع شرارة حرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وتحت هذه المظلة، هو ليس مجرد باسم يوسف الإعلامي الساخر، بل المتحدث المعدود من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في العالم، والذي تُوكل إليه، وفق بيان المتحدة للخدمات الإعلامية في مصر، مهمة "تقديم محتوى نوعي يجمع بين الجرأة والمصداقية". 

 

أعاد باسم يوسف تدوير سخريته خارج المجال المصري هذه المرة، إذ لا يمكن لغير المقيم في بلاده والذي لا يتابع أحوالها إلا من خلال "فايسبوك"، بحد تعبيره، أن يتناول شؤونها من بُعد. لكن المحتوى الشيّق الذي يقدمه الطبيب الجراح المقيم في الولايات المتحدة، والحاصل على الجنسية الأميركية، في حلقاته الجديدة، هو أقل تأثيرًا في المشاهدين المصريين والعرب من تأثيره في الأميركيين والغربيين حال تقديمه السابق بالإنكليزية. ففضح إسرائيل وهمجيتها وعنصريتها، وتفنيد مزاعم الصهيونية العالمية، وحتى كشف مخططات هدم المسجد الأقصى والسعي إلى إقامة إسرائيل الكبرى وما إلى ذلك، غير بعيد من متناول المتلقي المصري والعربي، وغير صادم لأفق توقعاته المسبقة، بما يقلل وقع تكنيك الصدمة ويحجّم الإدهاش في فنيات التندر والسخرية والمبالغات المضحكة والإيحاءات الهزلية.

 

ليست السخرية وحدها التي صنعت نجاح باسم يوسف الاستثنائي في المزاج المصري والعربي، وإنما التوظيف السحري لهذه السخرية في تناول المسكوت عنه والجريء والتلقائي المتأجج في الضمير الجمعي، فإذا ما نطق الأراجوز فإنه يستخرج الكامن في الوجدان الشعبي، وينطق بألسنة العامة متهجّيًا ما لا يتمكنون من قوله تفصيليًّا أو الإفصاح عنه بحريّة كاملة. 

 

وبين باسم الأول وباسم الثاني، يمكن تفسير هذه المسافة بين "البرنامج" و"كلمة أخيرة" على صعيد نسب المشاهدة والانتشار والتأثير العريض والتفاعل في منصات التواصل الاجتماعي، لصالح التجربة الأولى بطبيعة الحال، رغم تعاطي التجربة الثانية مع موضوعات بالغة الأهمية تتعلق بالقضايا المحورية في المنطقة كلها، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، والإسلاموفوبيا، وسبل مواجهة آلة الدعاية الغربية، وغيرها. 

 

أما التوسع في استعراض جوانب من قصة نجاح باسم يوسف، وملامح من حياته ومواقفه وأسراره الشخصية وتفاصيل ما وراء الكواليس والرد على الشائعات التي واجهته، وما إلى ذلك من متعلقات نجوم السينما، فلربما كانت عبئًا على الحلقات، لعدم تماسّها الحيوي مع المرغوب والمطلوب من باسم لدى الجمهور، رغم أنه من المؤثرين وأصحاب الريتش، لكن في سياق آخر غير التحدث عما هو ذاتي ضيق. فإلى أي مدى تستمر المغامرة التليفزيونية الجديدة في الصمود فنيًّا وتسويقيًّا؟ وما مسار اتجاهات الجمهور نحو هذا المنتَج الذي يحمل علامة باسم يوسف، أو "أكل العيش" الذي يصفه بقوله "دي سلعة، تاخد اللي أنت عايزه، أو متخدهاش خالص"؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث