استقلال لبنان في سرديات النساء: صرخة إفلين بسترس(1/3)

محمد حجيريالخميس 2025/11/20
Image-1763634698
بعض نساء الاستقلال بعد الافراج عن زعماء الاستقلال، 20 تشرين الثاني 1943، الى اليمين افلين بسترس ونجلا كفوري
حجم الخط
مشاركة عبر

كتبت مجلة "الحوادث" عدد(732 – 1970) ضمن ملف "نساء الاستقلال": "في كل عيد استقلال يأخذ الأضواء والكلمات، بشارة الخوري، رياض الصلح، عبد الحميد كرامي، كميل شمعون، عادل عسيران، سليم تقلا، الأمير مجيد أرسلان، وحبيب أبو شهلا"، ويذكر التحقيق أسماء مثل الرئيس سعدي المنلا، راسم العلم اللبناني بقلم الرصاص، الذي دلف دخل شباك المجلس النيابي بمعاونة "شيخ الرياضيين" حسين سجعان حتى يتجنّب حراب جنود السنغال، أما النساء، زوجات المعتقلين، أو المطاردين، أو المتظاهرين، أو حتى اللواتي كان لهن دور شجاع على مستوى ما تسمح به إمكاناتهن، "فلا ذِكر لهن في عيد الاستقلال، بحيث غدا العيد عيداً رجالياً"... 

 

وتختار المجلة عبارات أُطلقت في تلك الحقبة، منها صرخة الشاعرة والأديبة، إفلين بسترس (1878 – 1971) في وجه الفرنسيين خلال تظاهرات المطالبة بالاستقلال عن الانتداب الفرنسي: "على من تستأسدون؟ أعلينا نحن النساء؟ نحن نحرّر بلادنا، فاذهبوا انتهم وحرروا بلادكم من أعدائكم أن كنتم رجالاً! أطلقوا رصاصكم يا جبناء". هذه الصيحة كانت صبيحة يوم 12 تشرين الثاني 1943، أمام دار الاعتماد الأميركية، وعندما وصلتْ إلى هناك فجأة سيارة عسكرية مكشوفة محملة بجنود فرنسيين سنغاليين، وإذ بالجنود يصوبون بنادقهم ورشاشاتهم على صدور السيدات وكأنهم يريدون إطلاق النار. ومن شبابيك المعتمدية الأميركية راح الموظفون يلتقطون بآلاتهم أو كاميراتهم الفوتوغرافية مشهد السلاح المصوب إلى صدور النساء، وكذلك مرّت من هناك في الوقت سيارة بريطانية والتقطت المشهد نفسه.

 

Image-1763628636

 

ولم تكن حراب الجنود الفرنسيين وبنادقهم قادرة على فعل شيء بسبب آلات التصوير، فـ"إطلاق النار يعني اعتداء من دولة على دولة أخرى، لا مجرد حادث عابر، لكن الجنود أنفسهم على ما يبدو تلقوا أوامر بمصادرة كل آلة تصوير أو فيلم يجري التقاطه لإحدى هجماتهم على النساء، أو لأحد المشاهد المؤذية إعلامياً بسمعة الانتداب الفرنسي في لبنان أو سوريا". وهذا ما حدث عند وصول التظاهرة النسائية، وفيها إفلين بسترس وفايزة الصلح (زوجة الرئيس رياض الصلح) ونجلا كفوري (زوجة القاضي جورج كفوري) وغيرهن، إلى دار الفتوى. فقد لحقت بالتظاهرة إلى هناك أربع سيارات كبيرة، واثنتان صغيرتان، محملة بالجنود السنغاليين، وعلى رأسهم ضباط فرنسيون. وتكتب "الحوداث" بأن المفتي الشيخ محمد توفيق خالد، خرج إلى حيث تجمعت حراب الجنود وبنادقهم ورشاشاتهم، وجعل من نفسه سياجاً للنساء اللواتي اجتمعن في دار الفتوى. 

 

وكتب الصحافي وليد عوض في مجلة "الأفكار": "أجمل صورة من كفاح هذا الرجل (المفتي الشيخ محمد توفيق خالد) كانت مسارعته إلى بسط ردائه حول نساء تظاهرن طلباً للاستقلال...". وهنا ظهرت آلة التصوير مرة أخرى. وقد حملها مراسلون أميركيون حربيون، جاؤوا إلى هنا بالمصادفة لسؤال رأس الطائفة عن رأيه في الأحداث الدامية التي كانت البلاد مسرحاً لها، وكان التركيز على التصوير، "لكن المصور الأميركي لم يغبْ عن عيون القائد الفرنسي وجنوده. كانوا ينتظرون أن يترك باب دار الفتوى لينقضوا عليه ويكتفوا بانتزاع الكاميرا، أو الفيلم على أقل تقدير، "وقد وقع المصور في أيديهم بعد تفرق المظاهرة، لكنهم لم يعثروا لا على آلة تصوير، ولا على فيلم". وتنقل "الحوادث" أن أحدى المتظاهرات مرت أمام عيون الجنود الفرنسيين من دون أن يفطنوا إلى أنها تهرّب في ثيابها الشاهد الحي على جنود الانتداب الذين تشاطروا على النساء. وتلك السيدة كانت جانيت تادرس، عقيلة التاجر ميشال تدرس، وكانت ترى أن ما فعلته "جزء من واجب وطني، فلو ضاع الفيلم، لفقدنا، يومذاك أمام الرأي العام العالمي دليلاً مادياً على ما نلناه من اضطهاد وعسف على أيدي الانتداب، بل لما كان أتيح لفجر الاستقلال ان يشرق بالسرعة التي تجاوزت أحلامنا". وفي رواية وليد عوض أن العسكر الفرنسي هاجم جانيت ميشال تادرس "لمحاولة انتزاع فيلم فوتوغرافي من يدها. لولا أن احتمت التظاهرة النسائية بالمفتي الشيخ محمد توفيق خالد، حيث فرد عباءته حول السيدة تادرس وزميلاتها وقال: إنهن جميعاً في حمايتي".

 

أما إفلين بسترس التي فتحت صدرها لبنادق السنغاليين تماماً "كما فعل الرجال، وعلى رأسهم عبد الحميد كرامي" (معيار النساء الرائدات بالنسبة للمجلة هو التشبه بعمل الرجال)، وصرخت بحسب مجلة "الحوادث": "أطلقوا رصاصكم يا جبناء"، فهي ساهمت في العديد من التظاهرات ولا سيما في الأعوام 1943 و1946 للمطالبة باستقلال لبنان "الغالي والمميز واللامع والبراق"، كما دافعت عن حقوق المرأة وعملت جاهدة طوال حياتها كي تكسب المرأة جميع الحقوق العائدة لها وتتساوى بالتالي بالرجل. وما يميزها في تلك الفترة انها دعت للعيش المشترك والتعايش المسيحي الإسلامي في لبنان الوطن الواحد لجميع أبنائه. واعتبرت أنّ الانتداب الفرنسي أحبط معظم اللبنانيين، فالغالبية منهم، وفق ما أشارت افلين في كتيبهاEvocations ، تعلّقت بلغتها وتقاليدها، واعتبرت أن الانتداب مرحلة انتقالية للوصول إلى دولة لبنانية ذات سيادة، وأن قلّة من اللبنانيين تمنّت أن يتحوّل لبنان ريفاً فرنسياً. وتستنج أنّ لبنان لا تنقصه المدارس والجامعات، إنما ينقصه الأمان والتماسك الديموغرافي المبني على قواعد الوفاق. وقدم كتاب "باحثات/ النساء العربيات في العشرينيات حضورا وهوية" بحثاً مفصلاً عن إفيلن بسترس يفيد بأن إن قوّة وعيها السياسي جعلتها تعقد صداقات مع الكتّاب والسياسيين بهدف المشاركة في الحركة الثقافية التي بدأتْ بالتشكّل، وغايتها مقاومة الانتداب والعمل من أجل وحدة الطوائف، وصولاً إلى وحدة لبنان، ولتأكيد "إرادة لا تذوب في إرادة فرنسا، وشخصية وطنية لا تقبل التبعية العمياء".

(يتبع)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث