انطلق الكاتب فاسيل بافلوفيتش بيريجني (1918-1988) في رحلته "من أوديسا إلى فاليتا" على متن الباخرة السوفياتية "ليتوانيا"، خريف 1966، وكتب انطباعاته عنها في دورية "فسيسفيت" الكييفية في عدد حزيران/ يونيو 1967، في قسم "رحلات وانطباعات". جال الكاتب بين اسطنبول ولارنكا وبيروت وبعلبك، وتابع مساره البحري حتى وصل إلى عاصمة مالطا.
فاسيل بيريجني محقق صحافي وروائي أوكراني اشتهر في مجال الخيال العلمي. نُشر كتابه الأول بعنوان "في عوالم النجوم" العام 1956 وأُعيدت طباعته عام 1958، وهو استثناء ملحوظ في الحقبة السوفياتية. نشر بيريجني نحو خمس عشرة رواية في حياته، بالإضافة إلى أكثر من خمسين قصة قصيرة، نُشرت في الدوريات الأوكرانية، وتُرجمت إلى الإنكليزية والمجرية والإسبانية واللاتفية والمولدوفية والبولندية والروسية والسلوفاكية والفرنسية.
بعد عبور البحر الأسود، يقول: "لولا ضجيج الماء في البحر، وهديره الذي لا ينقطع لحظة، لظنّ المرء أن سفينتنا راكدة. لكن، في أعماق هيكلها الفولاذي، ينبض قلب المحرك بلا كلل، يُصدر أزيزًا، وإذا ما اتكأ المرء على الدرابزين، يشعر باهتزاز الهيكل. كل شيء هادئ في هذه الليلة الخريفية، ونحن نغادر خليج البحر الأسود، حيث تندمجت السماء بالماء، وكأننا معلقون في الفضاء...". لا يخبرنا بيريجني ما سبب الرحلة، ولماذا عرّجت السفينة المتجهة إلى مالطا على ميناء بيروت. لكنه على الأرجح لم يكن في جولة سياحية تجارية، بل كان مع وفد من اتحاد الكتاب في أوكرانيا السوفياتية، كما يظهر من بعض العبارات.
في بيروت
في ميناء بيروت، العاصمة اللبنانية، كما في إسطنبول، تمرّ بسرعة فائقة قوارب محملة بإطاراتٍ مستعملة. يهتف أستاذنا ساخرًا: "هل هذه هي الوحدة العالمية؟ إنه لأمرٌ مُرعبٌ حقًا". الميناء واسع، وفيه سفنٌ كثيرةٌ من شتّى أنحاء العالم. بعضها يُحمّل البضائع، وبعضها الآخر يُفرّغها. هنا جلبة وضجيج، وهدير خافت للمحركات، وأبواق مُدوّية، وصيحاتٌ حادة، وصلصلة احتكاك الحديد بالحديد.
بيروت مدينةٌ حديثة. معظم مبانيها جديد، وقليلٌ منها قديم. قبل عامين، توقف عمل الترامواي فيها، والآن تعمل الحافلات العمومية. لكن وسيلة النقل الرئيسة هي السيارات وسيارات الأجرة، والشوارع تعجّ بها حرفيًا. السائقون في غاية اللطف، فإذا تجاوزتَ إشارة السير الحمراء وشعرتَ بالارتباك، يتوقفون ويبتسمون ويطلبون منك العبور.
كنا نسير بسرعةٍ على طول النهر الإسفلتي عبر المدينة، وفجأةً انفرجت المنازل، ورأينا... سحب خضراء، كأنها معلقة في الهواء، وهي على وشك الهبوط إلى الأرض. ينحني الطريق برفق بين أسيجة معدنية، وتنجرف السحب الخضراء يمينًا ويسارًا... ما أجمل غابات الصنوبر هذه! أشجار نحيلة وتيجانها مسطحة، مثل المظلات، وكلها متشابهة. لا بد أن مواطننا الشهير، الباحث والشاعر الأوكراني أغاتانغل كريمسكي، قد أعجب بها أيضًا، فقد عاش في بيروت مدّة، حين درس اللهجات العربية.
عند دخولك المتحف الوطني للآثار، تنتقل على الفور إلى الماضي البعيد.
مِزوَلة (ساعة) حجرية، تماثيل نصفية، نقوش بارزة، جميع أنواع النواويس.. أحدها، على ما يبدو من أثينا، يحمل نقشًا بارزًا جميلًا لسفينة ذات شراع، بينما تحتوي توابيت أخرى على نقوش مثيرة للاهتمام. وهنا عدة صفوف طويلة من النواويس على شكل مومياوات. في المتحف فسيفساء أيضًا، والعديد من شظايا التماثيل، ومنها جذع جوبيتير. يا لها من عظمة! والمعروضات من المدن الفينيقية القديمة: صيدون، وبيبلوس، وتيروس. كثير منها يصل عمره إلى خمسة آلاف عام. بيروت نفسها ليست مدينة حديثة إذ يزيد عمرها عن ثلاثة آلاف عام. معظم المعروضات مرتبطة بطريقة ما بالموت، فالوثنيون القدماء، مثلهم مثل المسيحيين والمسلمين، اعتبروا حياتهم على الأرض مؤقتة، وهم يستعدون لحياة أخرى أبدية...
بيروت مدينة ثرية، ممتلئة بالمتاجر، بل حتى الأرصفة تتكدس بالبضائع. ويوجد متجر كبير متعدد الأقسام، يمكن الدخول إليه بالسيارة. واجهات العرض ذات المرايا مزينة بشكل فني وذوق رفيع. إنها تدعو الزبائن، وتُنبئهم، وتجذبهم. تفضل، لا تمرّ، ستجد كل ما قد ترغب به هنا! نعم، كل شيء متوفر هنا، من الملابس عالية الجودة، إلى الأحذية من ماركات عالمية، مع تشكيلة واسعة من أدوات الخياطة. لكن المتسوقين لا يزدحمون في أقسام المتجر. لماذا؟ الأسعار هنا أعلى بكثير من أي مكان آخر. هذا متجر للأثرياء. فمن منا، نحن الأشخاص العاديين، يمكنه أن يشتري نمراً يتلألأ رأسه بالأحجار الكريمة؟ أو أنياب فيل عاجيّة مزخرفة بشكل جميل، سعر الواحد منها ثمانمئة دولار؟ حسنًا، بالتأكيد هذه البضائع ليست للبنانيين ذوي العيون الداكنة الذين يعملون في الميناء أو يتجولون في المدينة بسراويل غريبة، ضيقة على الرجلين تحت الركبتين، ويتدلى منها بينهما كيس قماشي نحو الأرض.
تفوح رائحة التوابل الشرقية والقهوة من مقاهي المدينة. في واجهات المتاجر المفتوحة، أنواع مختلفة من المخبوزات المقرمشة، وفاكهة ذهبية، وهناك سمك مقلي، وأنواع مختلفة من اللحوم... فجأة، يندلع ضجيج في حشدنا المتدفق على طول الرصيف. تعلق طفل بإحدى النساء. صبي صغير، مثل عصفور، يرتدي ثيابًا رثة، يمد ذراعيه الذابلتين، متشبثًا بتنورتها، يثرثر بشيء ما، وعيناه مليئتان بالتوسل والخوف. يتبعه أطفال آخرون على هيئته، يتجمعون حولنا. تضع النساء قطعًا من النقود في أكفهم الجشعة، ومن منهن لديها قطع من الحلوى تمد يدها به إليهم يعطونهم... يفرّ الأطفال عند رؤيتهم الشرطي القادم، يرفرفون ويختفون خلفة زاوية أحد المباني. من أين أتوا إلى بيروت الباذخة الثراء، كيف وصلوا إلى جوار المحال التجارية المكتظة بشتى أنواع البضائع الباهظة الأثمان؟
تؤدي الشوارع إلى جادة واسعة، يرتفع وسطها "نصب الشهداء"، وهو عبارة عن امرأة تحمل مشعلًا، وبجانبها شاب، وتحتهما اثنان ساقطان، يُفترض أنهما جريحان. باتجاه المطار، بالقرب من التراب المستخرج من حفرة بناء، تتجمع بعض الأكواخ، المغطاة بصفيح قديم صدئ، متلاصقة. قطع الصفيح مثقلة بحجرين أو ثلاثة لمنع الرياح من قذفها بعيدًا. يبدو أن هذه الأكواخ لا تصلح إلا للجلوس أو الاستلقاء. نرى بعض الأسمال البالية معلقة على حبل بالقرب منها، ويبرز من بينها رأس امرأة. أي مساكن هذه في مدينة بيروت الرائعة، على مرأى من الفنادق الفاخرة؟ هكذا يعيش اللاجئون الفلسطينيون. وهذه هي حالهم منذ أكثر من عام... أنظر إلى هذه الأكواخ وأشعر بجمال بيروت وهو يتلاشى في عينيّ، ويغمرني الحزن. لقد هُجّر هؤلاء الناس من ديارهم، ونُهبت ممتلكاتهم، والآن يهلكون هنا، على شواطئ البحر الأزرق الصافي، بينما يعيش الآخرون في رفاهية تامة داخل قصورهم الزجاجية، يزيّنون المدينة بأكاليل من شمس المساء!
إلى البقاع
في الصباح، حملتنا الحافلة نحو بعلبك.
من بيروت، ينعطف الطريق عبر الجبال، أعلى فأعلى. على الجانبين بساتين خضراء، وداخلها فلل ومنازل ملونة، تتجمع أحيانًا في قرى، وينعزل بعضها عن بعض أحيانًا أخرى على مدرجات جبلية. في مكان ما، كما قيل لنا، لا تزال أشجار الأرز اللبناني الرائعة موجودة، أما هنا فأشجار الصنوبر المظللة والقيقب والعرعر. قطعنا حوالي خمسة عشر كيلومترًا صعودًا، وبات الجو أكثر برودة بشكل ملحوظ، وفي الأسفل نرى بيروت وزرقة البحر الحريري.. ثم تختفي بيروت عن الأنظار ونحن نتسلق جبال لبنان الغربية. في الأسفل، في واد خلاب يحتضن بلدات صغيرة، رأينا منازل محاطة بالحدائق. أشار الدليل اللبناني إليها، وقال بغموض: "يسكن الدروز هناك"... لكن قراهم سرعان ما اختفت وتلاشت في الجبال. يمتد الطريق الإسفلتي المتعرج نزولًا، وتظهر هنا وهناك سكة حديدية ضيقة يسارًا ويمينًا. على المنحدرات، وُضعت سكة حديدية ثالثة للعجلات المسننة. تنحدر الجبال، تنحدر، وأمامنا، في ضباب فضي، يمتد سهل البقاع الواسع الخصيب لعشرات الكيلومترات طولًا.
يؤكد لنا الدليل أن هذا الوادي هو الذي اختاره الله للجنة، وهنا، في هذه المنطقة، "وُلد آدم ودُفن نوح". فهل نُحت آدم من هذه الأرض السمراء؟ أم ربما تفتتت من عرق ودم أجيال لا تُحصى من العبيد والمحاربين؟ ففي النهاية، منذ العصور القديمة، وربما منذ فجر العلاقات الاجتماعية البشرية، وطأت أقدام لا تُحصى هذا السهل. توافد الغزاة هنا، وطعنت سيوفهم عظام البشر... أما الآن فيسود الهدوء والسلام. يمشي حمار على مهل على طول الطريق، حاملًا امرأة ملفوفة بأردية ملونة، ويسير قربها، فوق الأرض المحروثة، ثلاثة فلاحين يرتدون أردية عربية طويلة، حاملين جرارًا صغيرة.
وفجأة، فوق أكوام الخضرة، فوق السهل بأكمله، يرتفع صف من الأعمدة. أعمدة نحيلة، وكلما اقتربت منها ارتفعت وسمت إلى السماء. وفي الأسفل، بين الشجيرات والأشجار، تلفت الأنظار منازل صغيرة، كم هي ضئيلة وتافهة الحجم عند مقارنتها بهذه الأعمدة المهيبة المتغطرسة. في الواقع، في البداية لا تلاحظ المنازل حتى، إذ تستحوذ الأعمدة على نظرك، وخلفها، الجناح الرمادي لجبال لبنان الشرقية التي تحتضن هذا العمل البديع الذي صنعته الأيدي البشرية. "هذه بعلبك، أقدم مدينة على وجه الأرض...".
نعم، أطلال بعلبك تغرق في محيط من آلاف السنين ولا يمكن أن تغرق. إنها عظيمة، عملاقة للغاية. أطلق الإغريق على هذه المدينة اسم "هليوبوليس"، أي مدينة الشمس. لكن هذه ليست ترجمة دقيقة للاسم القديم. فجذر الكلمة لا يعني إله الشمس، كما اعتقدوا، بل سيّدة السهل أو الوادي.
ستة أعمدة بديعة الجمال ذات تيجان كورنثية وعتبات بارزة، تلفت الأنظار حتى من بعيد، وهي بقايا معبد جوبيتر. أسفلها جدران معبد باخوس... هذا الأكروبوليس بأكمله هو من آثار الحضارة اليونانية الرومانية، لكنه مبني فوق معبد جبّار أقدم وأضخم. يخفي التاريخ عنّا أسراره هنا: من بنى المعبد؟ متى؟ كيف؟ الأنفاق الطويلة، التي يمكن لقطار أن يمرّ فيها، مبنية من أحجار عملاقة، كل منها مصقول أملس. كل شيء فيه دقيق حتى أدق التفاصيل. وهناك ألواح حجرية بطول خمسة وعشرين مترًا.. كيف أمكن أولئك البناة المجهولين أن ينقلوها إلى هنا؟ بأي آليات وضعوها في هذه البنية الضخمة؟ فحتى الآن، في القرن العشرين، لا توجد رافعات تقدر على نقل عارضة تزن ألفي طن. وحجران آخران مماثلان يرقدان أمام مدخل بعلبك، كما لو كانا مفقودين.
الأحجار صامتة. لقد نجت هذه الهياكل من أكثر من هجوم، فأي شخص يستطيع نهب هذه الأعمال الفنية، التي لم تستطع الزلازل العنيفة أن تدمرها. انهارت الهياكل الفوقية اللاحقة، لكن الطبقة الأولى صمدت. تتجول، تنظر، ويظل عقلك يتساءل: من؟ متى؟ كيف؟ ولا عجب أن الصحافة تكهنت بأن للكائنات الفضائية يدًا في هذا...
رحلة طويلة تنتظرنا.. لكن أطلال بعلبك لن تغادرنا، وسنظل نشعر بنفحة الجمال والعظمة. لا شيء يُثير الخيال أو يُلامس الروح مثل بعلبك "سيدة السهل"، ولا حتى الأهرامات المصرية وأبو الهول. ثمة تناغمٌ خاص هنا، جمالٌ وقوةٌ مجهولان، يبقيان على حالهما حتى في الأطلال. لم يكن عبثًا أن أفلاطون، بعد زيارته هليوبوليس، قال متأملًا: "أيها اليونانيون، أنتم أطفال".
... وننطلق مجددًا. تتسابق الخيول الفولاذية عابرة سهل البقاع، ويضغط الجناح لبنان الشرقي الرمادي على الأعمدة المهيبة، ثم يخفيها عن الأنظار مثل سراب.
