لا يختزل كتابا المفكر علي حرب "انسانيتنا تفضحنا" و"نحو إدارة جديدة للعالم" الصادران حديثاً إلا جزءاً من مشروعه الفلسفي الذي ظهر منذ عقود، وحاز على اهتمام عامة المثقفين الجامعيين في العالم العربي. وكان بدأه بكتابه المزدوج "نقد الحقيقة ونقد النص" وتميّز أسلوبه مذ ذاك الحين، بالسلاسة وتبسيط المفاهيم، أو الأفاهيم كما يحلو لبعض الباحثين العرب المعاصرين استخدامها.
ومن خلال هذه المصطلحات يعمل حرب على صقلها، وفضّ مغاليقها، وتقريبها من ذائقة المتعلمين. وهو بذلك يُنزل الفلسفة من عليائها، من برجها العاجي إلى الأرض، إلى تيار الحياة، وصراع العقول. وهو من بين كوكبة مفكرين لبنانيين (رينيه حبشي، كمال يوسف الحاج، موسى وهبة، مشير عون، ناصيف نصار، مهدي عامل) الأقرب والأسلس والأوضح عبارة، والأقل أدلجة. وقد دفعته الحرب الأهلية اللبنانية، وخشيته الزائدة من الدم والبارود لمغادرة لبنان إلى قبرص. والطريف أنه يعبّر بصراحة عن خوفه هذا "لأن الموت لا يستأذن أحداً" ويرى أن الثقافة عاجزة عن ردع الميول العدوانية. وبالإجمال يرى الإنسان بطبعه عدائياً وعنيفاً، وشهوانياً شبقاً. وكانت استراحته لتأليف كتابه عن الهوية، بعد أن زال الكابوس الجاثم على صدر بلده، محاولة لرصد تحوّلاته الفكرية، والتأمل في أحوال العباد والبلاد. وكانت فرصة لكسر القوقعة العقائدية والمذهبية التي وجد نفسه محصوراً فيها، ما مكّنه من الخروج إلى رحاب الفكر الفلسفي الواسع. وكان كتابه "خطاب الهوية" أقرب إلى أن يكون مراجعة الذات أفكارها، وقد اعترف بأنه احتذى سيرة الغزالي في المنقذ من الضلال، أو حي بن يقظان لابن طفيل، أو الأيام لطه حسين. وعموماً فإنّ الكتاب يؤالف بين نمط الكتابة البرهانية بشروطها المنطقية والتجريدية، والكتابة الأدبية الجمالية.
الفلسفة لدى حرب ليست ترفاً فكرياً، بل هي كدح يومي يواظب عليه، وهاجس دائم، يفترض منه مراجعة النفس والعقل والهوية في كل حين. الفلسفة هي البوصلة التي ترشده إلى طريق البحث الدؤوب عن الحقيقة التي تختفي تحت طيات الحجب، وعمليات الخداع والتحويل. والحقيقة الفلسفية في نظره، لا تأتي من الخارج، بل ينتجها أو ينسجها الإنسان، في علاقته مع ذاته، ومع العالم. وبهذا يتجاوز علي حرب مفاهيم المطابقة والماهية، نحو مفاهيم القراءة، والعلاقة، والشبكة. ومشروعه ليس منظومة مغلقة على نفسها، ومنفصلة عما عداها. ولا هو يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ العقل العربي، كما وضع لبناته محمد عابد الجابري. إنما يحاول صياغة إشكالية لبعض النصوص في علاقتها بالحقيقة، ويستخدم المصطلحات الفلسفية التي يعيد النظر فيها كأطر مفهومية، في ضوء ما يسميه جاك دريدا التفكيك. ولا ينفُض حرب يديه من أي مسألة سبق أن قاربها، بل هو دائم التحرّي والعودة إلى موضوعاته، لاكتشاف وجوهها المحدثة، وانبثاق دلالاتها الكامنة فيها. فكلما حاز البشر على قدرات جديدة، يتغير معها النظر إلى الحياة وإمكانيات العقل، أو ما يسميه "فتوحات الخيال البشري". ولا ينفك الحدث بمعناه العام محل اختلاف وتباين، بقدر ما هو فضاء متجدد ومثمر، ومنفتح على التطور، وعلى توليد ما لايتناهى من التفسيرات والإمكانات. والحقيقة لا تنفصل عن آليات إنتاجها، وبذلك فتحت الحداثة وما بعدها، خطاب الحقيقة على تاريخيتها، وضرورة مراعاة شروطها الزمنية والمكانية. وفي أحد حواراته يرى حرب في المثقف صاحب مهنة، يُنتظر منه أن يتقن مهنته. ويحذّره من تغليب الاعتبارات الإيديولوجية، على لغة المفاهيم التي يجب أن يحرص عليها أي مفكر، ويطوّرها لإنتاج مزيد من المعارف التي تخص الناس قاطبة. وبقدر اسهامات حرب وتأثيره على الباحثين الشباب في الجامعات العربية، فإنّ بعض الدارسين يتهمه باقتباس أفكاره ومصطلحاته وأدواته النقدية، من المعين الغربي، ويصف خطابه النقدي في "أوهام النخبة" بأنه جلد للذات.
يعود حرب دائماً إلى معاينة الثوابت والمسلّمات، من أجل ابتكار لغة جديدة في التعامل مع النص، واستنطاق الواقع، وإعادة صياغتها الدائمة. وتمثّل الفلسفة الليبرالية ودعاتها، على ما يرى الباحث، علاقة نقدية حيوية مع ذاتها. ما اتاح لها تجديد نفسها، وتجديد أدواتها المنهجية، بدلاً من التهويمات الإيديولوجية في الخطاب الماركسي الدوغمائي.
في كتابيه الأخيرين اللذين وضعهما في ظل الأجواء المتشنجة التي نعيشها، وجّه نقداً لاذعاً، لما يجري من وقائع وأحداث دامية، ودعا إلى الالتحاق بركاب المدنية والحضارة العالمية، وضرورة اليقظة من السبات الدوغمائي اليقيني الذي طال أمده، وتفاقمت مخاطره. وإلى تبنّي فكر مركّب، بدل الفكر الأحادي الاختزالي التبسيطي. والتخلي النهائي عن النماذج النضالية الموروثة من إيديولوجيات التقدم، وحركات التحرر التي ولّى زمنها، وأورثتنا الهزائم والاخفاقات التي تشهد عليها تجارب الميدان، وما تركته أمامنا اليوم من مشهديات محزنة ومخزية عن الموت والدمار والتهجير. كما التخلي عن العقائد الاصطفائية، والأصوليات الدينية التي اجتاحت عقولاً وأمصاراً وأحزاباً. ويحصي منها أربعاً: الإنجيلية الأميركية، والإسرائيلية التوراتية، وحماس الإخوانية، وإيران الكربلائية، وجميعها عملت على خراب الحجر، وقتل البشر، بعدما عاملها مريدوها والمنبهرون بها على أنها حقائق مطلقة، وأيقونات مقدسة.
والشاهد على ذلك، بحسب حرب، ما حصل في الدول العربية المحيطة، وعلى وجه الخصوص في لبنان المعلق على خشبة صليب المقاومات الدائمة. ولتدارك هذه الانكسارات المعنوية والمادية، تقتضي حقائق الامور مجاراة العصر، وفهم خطورة الطفرة المعرفية، واستيعاب روابط الزمن الرقمي ومتعلقاته وشيفراته، وتجاوز نموذج المواطن، إلى نموذج اللاعب الفاعل بين شبكات التبادل وقنوات الاتصال. والخروج من المنطق المتعالي والنخبوي، والمواثيق الطوباوية، إلى منطق التداول والتحوّل، وتعدّد المرجعيات. وأمام المشهد العالمي اليوم، يجد علي حرب أنه من السذاجة التعامل مع الأشياء بلا كلفة أخلاقية او مادية. فلا عمل بلا سمسرة، ولا معرفة بلا سلطة، ولا انتاج بلا تسويق، ولا تجارة من غير أرباح. والمسألة هي الوقوف عند هوية يُعاد تشكيلها من خلال نسج علاقات جديدة مع الكلمات والأفكار والأشياء. فالعالم تغيّر بطريقة مختلفة، وتجاوز السائد من أشكال المعرفة ونماذجها التي تغيّرت معها مفاهيمنا للحقيقة والسلطة والحرية.
ويتحفّظ حرب على أوهام نخب المثقفين، وادعاء وصايتهم على الناس، وتنصيب أنفسهم حراس الحقيقة، والحرية، والعدالة، وحماة الهوية. كما يصف الجماهير الشعبية العريضة بأنها مضادة بتكوينها وآليات عملها للاستنارة العقلانية. وإذ تقدّس أو تؤلّه قادتها وزعماءها، فإنما تجدّد طقوس سيطرتهم عليها، وفروض الولاء والطاعة الواجبة إزاءهم. ومأخذ حرب أن الخطاب العلماني بوجهه العقائدي الإيديولوجي، حينما يتحوّل إلى سلطة تحكّم وهيمنة، لا يختلف حالئذ عن الخطاب الأصولي بتهويمه النضالي، وأوهامه الخادعة. وهو ينتقد بحدّة الداعية الذي يمارس شعوذاته الثورية، ويجرب أحلامه المستحيلة والقاتلة. كما يصف الفكر الإيراني الشيعي بأنه خلاصة عقيدة الاصطفاء، والثقافة النرجسية، وعقلية الثأر والانتقام. ويتهم الإيرانيين بأنهم يفخخون العقيدة والطقوس الشيعية، وعلى رأسها عاشوراء، ويحاولون صرفها في مصارف سياساتهم وأطماعهم السياسية.
ويرى حرب أنّ المسلمين العرب الذين حطموا الإمبراطورية الفارسية، تركوا جرحاً لا يندمل في العقل الإيراني الجمعي، ولذا فإن العلاقة بين العرب وإيران، ما تزال مثار توجس وتنازع وتوتّر. وستبقى هذه العلاقة على هذه الحال، ما دام الملالي، كما تدلّ الإشارات، تحرّكهم عقدة الهوية، وذاكرة الهزيمة، وما فتئوا يفكرون بالردّ على الاستعمار العربي الإسلامي القديم لدولتهم. وقد عبّرت السياسة السائدة للملالي بالفعل عن العودة، والاحتماء الرمزي بالموروث التاريخي السابق للإسلام، عندما رُفعت منذ أيام في طهران أنصاب، هي في العادة مكروهة في الدين الإسلامي، من بينها نصب حجري، في وسط طهران للملك الساساني شابور الأول، وهو يمتطي صهوة جواده، وبجانبه يركع الامبراطور الروماني فاليريان الذي أسره الحاكم الفارسي في القرن الثالث الميلادي، بما يبرهن على أن هذه النزعة العرقية متفشية وراسخة، في متن الثقافة الإيرانية.
