يذكر الباحث يوسف الآغا في كتابه "حزب الله: التاريخ الإيديولوجي والسياسي (1978 – 2008)"(دراسات عراقية) أنه مع بداية العام 1982، بلغت العلاقة بين حركة "أمل" ومنظمة التحرير الفلسطينية مرحلة القطيعة. بعد اشتباكات عديدة، برزت الخلاصة السابقة القائمة على أنه لم يعدْ في الإمكان التوفيق بين مَصالح المناطق المحسوبة على الشيعة ووجود الفدائيين الفلسطينيين بسبب استعمال السلاح والهيمنة، إذ كانت العمليات ضد إسرائيل تنطلق من جنوب لبنان ويعيش الناس تداعيات الحرب. وحصل الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، ووقع الحدث الأساس الذي أدى إلى الانقسام داخل هيكلية "أمل" بين "معتدلين" أو وسطيين، وبين أصحاب مقاربة "إسلامية خمينية"، إذ قرر رئيس حركة "أمل" نبيه بري، المشاركة في الحكومة اللبنانية عبر الالتحاق بلجنة الإنقاذ الوطني التي شكّلها رئيس الجمهورية آنذاك الياس سركيس في منتصف حزيران 1982، لمعالجة قضية الاحتلال الاسرائيلي للبنان وحصاره بيروت.
بالنسبة للعديد من أعضاء "أمل" المتشددين الذين اتبعوا عقائد روح الله الخميني وحزب الدعوة العراقي، تعارضَت مشاركة نبيه بري مع الخط الذي يرون من الصواب اعتماده، كما اعتُبر تصرفه "غير إسلامي". اعتراضاً على ذلك، انشق بعض كوادر "أمل"، وبينهم السيد حسن نصرالله، وأسسوا الجهاد الإسلامي أو "حزب الله". ولم تتوقف الأمور عند انشقاق مجموعة متشدّدة عن حركة والارتباط المباشر بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد كان لكل من الحزب والحركة صعوده أو مارده أو طريقه أو طريقته في السلطة. نبيه بري صعد برعاية سورية – أسدية، أسقط اتفاق 17 أيار وخاض غمار حركة 6 شباط وحروب المخيمات.... وحزب الله قاد العمليات ضد القوات الأميركية والفرنسية والإسرائيلية وخطف الرهائن، وتطور مسار "الثنائي" إلى صدام ميداني في إقليم التفاح والضاحية، وخسرت "أمل" أبرز قادتها الداعين إلى استقلال قرارها، ولاحقاً تمّ الوئام بين الثنائي برعاية سورية إيرانية.
وبعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب، كان نبيه بري يمشي في خط الدولة والترويكا الرئاسية مع شيء من الالتباس وشعارات مثل "السلاح زينة الرجال" ورثتها حركة "أمل" عن الإمام موسى الصدر. وبقي حزب الله في مساره العسكري التصاعدي، والسلاح الذي كان يزعج الأخوة في حركة أمل ويدفع إلى الاقتتال، يوم كان فلسطينياً، صار مشروعاً عندما بات في يد حزب الله لاعتبارات معروفة، على الأقل سلطوية. كان حزب الله يتصاعد في دولته ويتمدّد في بيئته إلى حد أنه بات أكبر من الدولة الأم، وصار الحزب مالك القوة، يقرّر وجهة الدولة ويقرّر رئيس جمهوريتها ورئيس حكومتها، خصوصاَ بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان العام 2005. واندلعت حرب تموز 2006، ثم الأحداث الدموية في سوريا، إلى أن تبدلتْ الموازين بعد "حرب الاسناد" 2023، فأتت "الرياح بما لا تشتهي السفن" بتعبير المتنبي.
اغتيل حسن نصرالله والكثير من قادة الصف الأول والثاني في الحزب، وسقطت السماء السيادية تحت أزيز الدرون والمسيرات، وسقطت "سوريا الأسد" أو الامتداد الاستراتيجي لحزب الله، وبات النقاش الحاد حول مستودعات سلاحه وإدخال الشيعة في الدولة، وهذا يحتاج الكثير من الإجراءات، باعتبار أنّ منظومة حزب الله المالية والعسكرية والأمنية والاقتصادية واللوجستية والإعلامية كبيرة وضخمة جداً. والسؤال هل يمكن أن تستوعب الدولة اللبنانية ما فعله حزب الله من عسكرة في المجتمع الشيعي؟ كم نحتاج وقتاً لإعادة الأمور إلى نصابها بعد نصف قرن من التعبئة والخطابات والثقافات الآتية من العالم الإيراني؟ واللافت أن الحزب، رغم مارده وقوته، ظل، في كل لحظة سياسة مفصلية، يلجأ إلى نبيه بري، واليوم هي المرحلة الأخطر على الشيعة كما يُقال... وما فعله حزب الله وغيره، جعلنا كأننا نعيش عَوداً أبدياً للحروب(*). في سنوات الثمانينيات والتسعينيات، عشنا على وقع الشريط الأمني، واليوم يتكرّر المشهد مع الحديث عن المنطقة العازلة والجدار الفاصل بدلاً من الشريط الشائك. ويتكرر مشهد البحث عن اتفاقات ربما تجعلنا "نترحّم" على اتفاق 17 أيار، كأننا أهدرنا عمراً من أجل لا شيء، وعدنا الى نقطة الصفر، أو ما تحت الصفر.
مرّت أربعة عقود وأكثر على انشقاق الحزب عن حركة أمل، بسبب المزايدة و"الخلاف" على القضية الفلسطينية واستخدام السلاح وسلطة استخدامه والواقع الإقليمي المستجد يومها (الصعود الإيراني). واليوم بعد حرب الإسناد والدمار والإجراءات الأميركية، والحصار الصارم على حزب الله والاغتيالات المستمرة، والواقع المستجد معكوساً (سقوط الأسد)، والاعتماد الدائم على نبيه بري في الشأن السياسي، كأن اللحظة الحاسمة تقول أن على حزب الله العودة إلى حيث انشق. كأن التاريخ يقول لهم عودوا إلى حركة أمل. كأن الأمر لا يتعلق بالسلاح فقط، بل بالمشروع السياسي لحزب الله وكل الأسباب التي دفعت إلى حمل السلاح.
(*) تُؤكِّد فكرةُ العَودُ الأبديّ، كما ظهرت للمرّة الأولى ضمن "العِلم المَرِح" لنيتشه، على أنّ الحياة، التي نعتقد أنَّنا نعيشُها مرّة واحدةٍ وفقط، يُمكن أن نعيشها مُجدّدًا لما لا يُحصى من المرّات.
