دمشق من الأعلى.. سِحر الفرار من القاع

زيد قطريبالثلاثاء 2025/11/18
Image-1763448368
قاسيون ليلاً
حجم الخط
مشاركة عبر

يسميه البعض، سحراً غامضاً، وآخرون يعتبرونه فضاءً للسكينة والتأمل.. لكن جزءاً آخر، يراه مساحةً للفضفضة وتبادل العتاب.. السياسيون والشعراء والعاشقون، رغم تناقضاتهم، متفقون على براعة المشهد في تحريك الساكن المستقرّ داخل أرواحهم، التي يقولون إنها أصيبت بالتبلّد، جرّاء معاناة القاع، فأصبح الصعود يعني لهم انتشالاً والتقاطاً للأنفاس، قبل الرجوع للقاع.

 

نبدأ صعود الأدراج والأرصفة المرتفعة بشكل قاسٍ، من جهة مساكن برزة باتجاه سفح قاسيون.. إطلالة الزوار من هنا مسموحة، على عكس الجبل الرئيس من ناحية الجندي المجهول، حيث المنطقة تعجّ بالمواقع العسكرية ومراكز الأمن. هنا، يقع مبنى البحوث العلمية المثخن بالغارات الإسرائيلية، وعلى الجانب الآخر، معهد الإعداد الإداري، أما في الجهة الممتدة من هذه السلسلة الجبلية، فيظهر مقام "الأربعين" من بعيد، حيث لا يمكن الوصول إلى هذه النقطة، سوى من حيّ ركن الدين، لكن الصعود من هناك باتجاه "المقام"، أشد ضراوةً، لأنه يتطلب نَفَساً يعين على الوصول.

 

Image-1763448512

 

هكذا يبدو الجميع مغرمين بتأمل دمشق، من سفح جبل قاسيون. حيث ينتهي وادي بردى، لتستريح المدينة في سهل مفتوح من جهة الجنوب، لكنه محاط بالجبال من جهة الشمال والشمال الشرقي.

 

زوار هذه الإطلالة المرتفعة، من كل الفئات. مراهقون يصعدون عبر الطريق العام، مستعينين بالدراجات النارية، وإلى جانبهم فئة أكثر ثراء، تستقل سيارات بزجاج معتم، يركنونها في أمكنة قصية بعيدة من الضوضاء. ومعهم زوار هم الأكثر شظفاً، اختاروا الصعود سيراً على الأقدام، وهم على الأغلب منعزلون وحيدون، يجلسون منفردين في مكان يصعب الوصول إليه.

 

ما الذي يجذبكم في هذا المكان؟ يجيب بعضهم: لا شيء سوى متعة الهرب. العشاق، يهربون بحبيباتهم إلى هذا المكان، بعيداً من عيون الرقباء، نظراً لانعدام الخيارات لديهم، وهم في الغالب يبقون داخل سياراتهم، مغلقة الأبواب والنوافذ "الفيميه"، يسحرهم الكلام الدافىء وقطف الثمار المحرمة في قاع المدينة، حيث مشهد دمشق الممتدة كشجرة ميلاد في الليل، يبقى ثانوياً بالنسبة إليهم، أما دمشق، فتبدو وكأنها تحتضنهم برضا، من دون أن تتفوه بشيء.

 

Image-1763448763

 

رجال يطلون بثقة على المدينة، مترامية الأطراف، وهم ينفثون دخان النارجيلة، ويغرقون في صمت مريب.. مراهقون وضعوا البيرة في علب الكولا، حتى لا يفتضح أمرهم إذا ما داهمت دورية هذا المكان. وكلما أوغلت في الصعود، ساد الصمت، وهيمنت على الزوار، فئة اليائسين المنعزلين، المتوزعين فرادى بين الأعشاب اليابسة والصخور، كأنهم هاربون من شيء يطاردهم، فلم يجدوا منجاةً إلا هنا..

 

انقرضت علب البيرة والفودكا، من أكشاك هذه المنطقة، بشكل كامل. وما على الزائر إلا حمل زوادته من الشراب، إذا رغب، من أحد المحلات التي أصبحت نادرة داخل المدينة، لكن الخوف من كارثة يمكن أن تحصل في أية لحظة، يجعلهم يعزفون عن هذا الخيار، لأن ضبط مشروب روحيّ مع الشخص، يعني أنه في ورطة كبيرة جداً.

 

قبل فترة، كان من الممكن أن تداهمك أي دورية عابرة، لتسألك: مَن هذه المرأة التي ترافقك؟ ولماذا أتيت بها إلى هنا؟ تهمةٌ، تشبه ارتداء "الشورت"، أو تناول الكحول، أو مرافقة حيوان أليف أثناء التنزّه. ألا تعرف أن الكلب نجس ويجب ألا تقترب منه؟ يجيبهم صاحب كلب الهاسكي: نعم، لكنني أغتسل سبع مراتٍ، إحداها بالتراب، بعد العودة للبيت. فيهزّ العناصر رؤوسهم بامتعاض ويمضون.

 

قبل أيام، أطلق مجهولون النار، على كلبة "جيرمن" في منطقة التلّ أعلى الجبل، فأردوها قتيلة، وانتشرت صور جِرائها متحلقين حولها، يرضعون من أثداء الجثة، من دون أن يدروا أن أمهم ماتت. يقول صاحب كلب الهاسكي ذلك، ليؤكد أن كل شيء وارد في هذا البلد.

 

كلما كان زائر سفح الجبل، أكبر سنّاً، عثر على أسباب أعمق تدفعه للصعود، لكن الحذر من الغرباء والتوجّس من ردود الأفعال، يجعله يجيبك بمجموعة ألغاز تدفعه إلى تأمل المدينة من هذا المكان العالي.. بعضهم ينفرد كي يحاول اكتشاف أسماء أحياء المدينة وأبنيتها الزائغة، بفعل التلوث بسحب أوكسيد الكربون.. وآخرون يجرون جردة حساب لعمرهم الذي استهلكته دمشق، بلا مقابل. لكن الكل متفق على عشق الشام، حتى لو تخلل هذا الحب الكثير من العقوق.

 

في هذه المنطقة، كان هناك حاجز للنظام السابق، وكان الوصول إلى هذه النقطة مستحيلاً. لكن الوضع اختلف الآن، فالزائرون يعبرون الممر الضيق، ليصلوا إلى هضبة عالية، تتيح انفراج المشهد على زاوية مفتوحة كلياً.. ذلك البناء البعيد، هو فندق "الفورسيزنز"، وتلك الأضواء الخافتة، لا شك أنها على المتحلق الجنوبي.. الأضواء الشحيحة في البعيد، ربما تكون منطقة صحنايا أو القدم أو التاون سنتر. يتمنى أحدهم لو كان استخدام المنظار مسموحاً هنا، لكان في الإمكان جلب الأماكن البعيدة، إلى حدقة العين، لكن العوامل الأمنية تحول دون ذلك.

 

نبدأ النزول من أعلى الجبل، وكلما هبطنا خطوات، اختفى جزء من المدينة، كأنها تغوص هي الأخرى..

سنعود أدراجنا؟ لكن يا للهول، نحن في مواجهة القاع مجدداً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث