بعد عرضها في بيروت، تجول مسرحية "أصوات عميقة، أصوات من غزة" في أوروبا للمخرجة الأردنية سوسن دروزة، وكتابة وتمثيل تهاني سليم.
يحضر المسرح الوثائقي ورائده بيتر فايس، حين تحضر الوثيقة الحقيقية التي تعتبر المادة الأولية لخلق الحدث الدرامي، وفي هذه الحالة يكون العرض إعادة تمثيل الحدث الحقيقي الواقعي. في "أصوات من غزة" تستلهم الكاتبة والممثلة تهاني سليم، يوميات الشابة الفلسطينية فرح الغول وهي تحت حصار مدينة غزة، لتكتب درامياً وتوثق الانتهاكات وقسوة الحروب والنزوح المتكرر للفتاة الفلسطينية هرباً من المجازر. يوميات دعمتْ بالمواد البصرية والمواقف الدرامية، امتزجت فيها الذاكرة الفردية المدونة مع الذاكرة الجماعية. يوميات خالية من أي خيّال، مستمدة من الوثائق المسجلة عن حقيقة الواقعة، والأرشيف غير المزيف والمراجع والمصادر الموثوقة.
مسرحية "أصوات عميقة، أصوات من غزة" هي نتاج ورشة تستكشف تجليات المسرح الوثائقي وأهميته في تسجيل انتهاكات وقسوة الحروب، متخذة من غزة نموذجاً. قصص ومواد بصرية وسمعية تم جمعها وتطويرها لتأخذ طابعاً فنياً من دون أن تفقد واقعيتها، فيما كتب النص بشكل سردي جمالي وبقي حاملاً قيمة التوثيق.
كان صباحاً عادياً مثل صباحات مدينة غزة ويوميات الشابة الفلسطينية. كل شيء بدأ عندما طلبت الفتاة، الزيتون، لإفطار الصباح، ثم اهتزت الأرض وبدأ الانهيار. تصرخ الأم لتطمئن ابنتها أن البيت "ماكن" فقد بناه الأب حجراً حجراً، لكن البيت انهار وانهارت المدينة معه. كان صباحاً عادياً لكن الواقعة التفصيلية فتحت على المشهد الفلسطيني منذ نكبته الأولى، حيث المواد البصرية والصوتية والأداء التمثيلي بمستوياته المتعددة، توزّعت على خشبة المسرح.
جماليات التوثيق
القماش يتدلى من أعلى المسرح، والممثلة تروي لنا من امام الستائر وخلفها. أداء بمستويات ولهجات عديدة. كلام الأم ولكنتها الفلسطينية، وكلام الفتاة المدوّنة ولهجتها البيضاء المدينية، والفصحى لغة الراوي أو صوت الذاكرة الجماعية. النص يتنقل برشاقة بين المستويات التي بنت عليها المخرجة دروزة سرديتها وخطابها الإخراجي المسرحي. تستحضر البصريات المعروضة على الستائر البيضاء كلغة ثانية تدعم التوثيق بجمالية صور الأسود والأبيض واللون الرمادي الذي يتحول إلى الاحمرار على الستائر المتدلية، الثابتة او المتموجة بأشكال سينوغرافية متحركة تعطي السرد الحيوية والتوتر والتواتر، من مرحلة نزوح إلى أخرى، ومن واقعة درامية إلى أخرى، وخلال حركة النزوح التي عاشها أهل غزة كموت بطيء من الشمال نحو الجنوب.
"في حاجات صعب وصفها، لأنه ببساطة ما بيفهمها إلا اللي عاشها"، جملة تتردد طوال العرض، تمسك بالمتلقي وبذاكرته الشخصية، ذاكرة الحروب والنزوح التي اختصرت تاريخ مدننا وقرانا وبلداننا. ذاكرة نستعيدها مع الفتاة الشابة. من المشاهدات القريبة في الإعلام والفضائيات، إلى الذاكرة البعيدة حيث تختلط الأماكن والبلدان والمجازر والممرات الآمنة التي اجتازتها أجسادنا واجساد أهلنا. أجساد، بعضها سقط وبعضها تعوّق، والباقون لقبوا بالناجين أو بالمضطربين ما بعد الصدمة.
هكذا تروي لنا الشابة ما حدث لها في غزة، وما رأت وشهدت، من موتى وويلات حتى وصلت إلى بحر غزة، فألقت جسدها فيه، لتعوم على زرقته ونعوم معها على المسرح وتتحول الخيمة إلى شراع.
بطاقة العرض:
" أصوات عميقة، أصوات من غزة"
إخراج: سوسن دروزة
كتابة وتمثيل: تهاني سليم
تصميم ديكور وأزياء: هالة شهاب
تصميم إضاءة وإشراف تقني: فراس أبو صباح
مؤثرات بصرية وفيديو: نيكول بيرماير
مؤثرات وموسيقى: وسام قطاونة
