ندوة "فلسطين وأوروبا"..والمنع الفاشل

بشير البكر الاثنين 2025/11/17
Image-1763327161
ختام الندوة في مقر "المركز العربي" في باريس
حجم الخط
مشاركة عبر

نجحت ندوة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"، رغم قرار منعها رسميا من الانعقاد في "كوليج دو فرانس"، وفق اتفاق الشراكة السابق بين الطرفين. فجأة، تراجعت الجامعة الفرنسية العريقة، قبل يومين من الموعد المقرر للندوة في 13 و14 من الشهر الحالي، في سابقة لم تحصل داخل هذا الصرح الأكاديمي منذ قرر نابليون الثالث وقف محاضرات للمؤرخ ارنست رينان العام 1862، بسبب شكوى من رجال الدين.

 

سبق قرار المنع الرسمي للندوة، الذي جاء من أعلى السلطات الفرنسية، تمهيد إعلامي في مجلة "لوبوان" اليمينية، في مقال هاجم الندوة والمركز وبعض المشاركين، ولكن ذلك لم يسقط حق المركز في تنظيمها داخل مقره الباريسي. وشهدت الجلسة الافتتاحية حضورا حاشدا لوسائل إعلام فرنسية ودولية وعربية، نقلت الحفلة الافتتاحية التي تحدث خلالها الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز، وسلام الكواكبي مدير فرع المركز بباريس، والمؤرخ الفرنسي هنري لورانس رئيس كرسي التاريخ في "كوليج دو فرانس" الشريك في تنظيم الندوة البحثية الاكاديمية.

 

جاء مفعول المنع عكسياً، إذ أثار ضجة اعلامية وسياسية، رافقتهما حملة تضامن واسع ضد القرار الذي اتخذه وزير التعليم العالي الفرنسي، وتحركت هيئات ومؤسّسات جامعية وأكاديمية فرنسية، لتقف إلى جانب المركز العربي، وضد استهداف الندوة. وتحدثت صحيفة "لوموند" في اليوم الثاني عن "نجاح غير مسبوق" حققه المؤتمر، وذكرت في مقال صدر في اليوم الأول أن عريضة وقعها ألف من الباحثين والأكاديميين الفرنسيين، استنكرت موقف "كوليج دو فرانس"، وتوجيه وزير التعليم العالي، وصولاً إلى مطالبةٍ باستقالته، منهم الباحث باسكال يونيفاس الذي حذّر من "المنزلق الخطير الذي تذهب فيه فرنسا بمنع التظاهرات الفكرية الأكاديمية، كأنها إحدى الدول التوتاليتارية". وأرسلت أكبر أربع جمعيات لدراسات الشرق الأوسط في العالمDAVO ،BRISMES، SeSaMO، MESA رسالة مشتركة عاجلة إلى الرئيس الفرنسي ووزارة التعليم ورئاسة كوليج دو فرانس، تدعو فيها إلى حماية الحرية الأكاديمية عقب إلغاء تنظيم ندوة "فلسطين وأوروبا"، وطالبت بتقديم اعتذار رسمي للمنظمين والسماح للندوة بالمضي قدما. وتجدر الاشارة الى ان المركز العربي سبق أن عقد في السنوات الماضية ثلاثة مؤتمرات أكاديمية بالتعاون مع "كوليج دو فرانس" في باريس، وكانت لها أصداء واسعة في الأوساط الجامعية الفرنسية.

 

ثمة اجماع في أوساط الإعلاميين والباحثين والمراقبين والمتابعين للمؤتمر ان قرار المنع جاء لأسباب سياسية ناجمة عن ضغوط اسرائيلية، من أجل قمع الأصوات الأكاديمية التي تعمل من منظور بحثي علمي على المسألة الفلسطينية وتطوراتها، وهذا ما عكسته أبحاث اليوم الأول التي تناولت قضايا متعددة حول فلسطين قبل نشوء دولة اسرائيل، وتجلى ذلك في نص محاضرة الدكتور بشارة، إذ قدم قراءة شاملة لقضية فلسطين، انطلاقاً من القرن التاسع عشر مع ازدياد الاهتمام الاستعماري بالمشرق العربي، الذي شمل بلاد الشام بما فيها فلسطين، واتخذ من منشأ الحركة الصهيو​نية في أوروبا مدخلاً.

 

اللافت أن قرار المنع لم ينجح في حجب بحوث الندوة عن المهتمين، بل شهدت إقبالاً كبيراً، وهذا ما عكسته نسبة المشاهدات العالية عبر وسائل التواصل للجلسات، والتي تجاوزت 450 ألف مشاهدة، بينما زادت المتابعات المباشرة للجلسات عن 10 آلاف في كل جلسة، ولم يكن اليوم الثاني أقل نجاحاً، بل تم خلاله تجاوز بعض المصاعب، واتسعت دائرة البث عبر وسائل التواصل، فيما بدا أن هناك رغبة في الحضور الفيزيائي، وعدم الاكتفاء بالمتابعة عبر المنصات، ومنها قنوات "المركز العربي" و"زووم"، ورغم ضيق المكان فقد حصل تفاعل جيد بين الحضور والمشاركين.

 

ولخصت الجلسة الختامية في اليوم الثاني جانباً مهماً من أجواء الندوة، التي انتظرها المتابعون منذ الصباح، وسط مخاوف من مفاجآت أمنية بعدما قام مجهولون فجر ذلك اليوم، بخطّ كتابات ذات لغة تهديدية، بصبغة ذات لونين على رصيف المركز المواجه لبوابة الدخول، ونددت عبارات "الغرافيتي" تلك ببعض المشاركين، وتحديداً رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق دومينيك دوفيلبان، وفرانشيسكا ألبانيز المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجاء فيها: "معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية"، و"المركز العربي عميل حماس وقطر"، "ألبانيز عميلة حماس" و"دومينيك دو فيلبان عميل حماس". وحضرت دورية من الشرطة الفرنسية المتخصصة، وصورت المكان ورفعت البصمات، ومن ثم مسحت الكتابات.

 

كانت الجلسة ثرية، وعكست ثلاث رؤى في التفكير تجاه القضية الفلسطينية. الأولى، تلك التي عبّر عنها دوفيلبان، وعكس فيها وجهة نظر شبه رسمية لسياسي يطمح أن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2027، ولذا اجتهد كي يقدم خطاباً متوازناً، لكنه فشل في ذلك، نظراً لحدة الوضع الذي نجم عن حرب الإبادة في غزة. والثانية وجهة نظر قريبة من نبض الشارع الذي تضامن بقوة مع غزة، وعبّرت عنها ألبانيز التي تحدثت بلهجة قوية عن الحرب والاستيطان والاحتلال والتطرف الإسرائيلي، ودعت إلى محاسبة اسرائيل، وموقف أوروبي شجاع ضد الإرهاب والاستيطان الإسرائيلي. والموقف الثالث عكسه جوزيب بوريل، المفوض السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الذي كشف تفاصيل مهمة من داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن الانحياز لإسرائيل، وتحدث عن مواقف بعض المسؤولين الداعمين لإسرائيل من دون أن يسميهم. وبدا المسؤول الاوروبي السابق محبطاً ومتشائماً من إمكانية أن يؤدي الاتحاد الأوروبي، بوضعه الحالي، اي دور لحل القضية الفلسطينية.

 

يمكن تسجيل بعض الملاحظات على هامش الندوة. الأولى، هي القوة التي تتمتع بها اللوبيات المناصرة لإسرائيل في فرنسا. والثانية، أن هناك قدراً كبيراً من المراعاة من قبل الدولة الفرنسية للوبيات، والذي يكشف أيضاً تراجع الدفاع عن الاستقلالية والحريات ومنها حرية التعبير والبحث العلمي. والثالثة أن نجاح المؤتمر في تحقيق نسبة متابعة ومشاهدة عالية، يؤكد أن حصار قضية فلسطين في الغرب سياسة عقيمة باتت من الماضي، لكن هناك من لم يستوعب ذلك بعد، ووصلته الرسالة من الندوة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث