يطالعنا الكاتب الفنلندي، آري تورنين، مع الصفحات الأولى من كتابة "تاريخ الغطرسة" (العربي للنشر والتوزيع- القاهرة- ترجمة سمر منير) بالقول إن الغباء المتأتي عن الغطرسة هو من أشد أسباب الخراب والبلاء وجلب الكوارث والويلات في الحياة الشخصية لهذا المتغطرس أو ذاك وفي حياة الجماعات، مستعرضاً سلسلة شواهد من التاريخ السياسي والمالي والاجتماعي والأكاديمي للشعوب، وعلى رأس كل هذا التاريخ العسكري بشكل خاص، حيث الغطرسة ليست في متنها الأعم إلا بمثابة انحطاط ناتج عن وهم القوة والثقة الزائفة بالنفس، كما جاء في الكتاب. فحتى لو تقطعت بهم كل السبل، يبقى المتغطرسون في منأى عن هذه الحقيقة، حيث أن الرضا المَرَضي عن النفس لا يني يشكّل العالم حسب حاجات هؤلاء المتغطرسين.
ولا ينكر مؤلف الكتاب ثيمة الخوف التي تتوارى خلف التمسّك المضني بالغطرسة، وهو خوف، وإن كان يدفع بالمتغطرس إلى القمة، لكنه أيضاً يودي به إلى القاع. ومع هذا ترى المتغطرس لا يكفّ عن التباهي بحسن اختياراته وبقوة شكيمته وبصحة قراءته للحقائق بما يتناسب مع حاجته، مع محض حاجته مهما كانت سبل الوصول إلى هذه الحاجة مستحيلة.
إن الغطرسة أو هذه "العزلة الصاخبة جداً"، إذا أردنا أن نستعير عنوان الرواية الرائعة للكاتب التشيكي بوهوميل هرابال، تسوق من تتلبّسه لأن يتموضع في أفق من المستحيل أن يتخطى حدود الذات، فإذا به ينتقي التجارب التي تعضد غطرسته وتشد من أزر هذه الغطرسة الغبية، ولا يلمح على الإطلاق أي واقعة قد تجبره على إعادة النظر في بؤس اختياراته أو عثرة تحيزاته أو هلهلة تموضعاته، مهما كان الثمن كارثياً، كتحويل القرى إلى ركام مثلاً، أو تشريد الناس فوق الأرصفة والطرق، وصولاً إلى المفاخرة بأن الموت له عادة من عاديات الحياة. إن التوظيف الانتقائي لخبرات الحياة وتجاربها يسوق المتغطرس وبكل غباء إلى استخلاص النتائج عطفاً على ميوله الخاصة، وعلى ما يستبطن بداخله من آمال أو توقعات هي في الغالب محض أوهام أو ... "فيشينغ".
يحفل كتاب "تاريخ الغطرسة" بنماذج بشرية جمة من تلك التي لا يمكن زحزحة إيمانها حيال صحة خياراتها، ذلك أن الإيمان المتجذّر بـ"أننا دائماً على حق" تراه يلفّ كل ما يخالف هذا الإيمان بكل ضروب العتمة. وهو إيمان - كما يشهد التاريخ – أقرب إلى طقس هزلي قوامه عدم الاعتراف بارتكاب الأخطاء، هو إيمان أقرب من حيث النتائج والعقابيل إلى الفضيحة المدوية... ومع هذا لا جدوى من مناقشة أصحاب هذا الإيمان حيث ذلك الارتباط الجهنمي بين الغباء والغطرسة.
إن الغباء المتأتّي عن الغطرسة يشي بأن ذلك الجمود المكتفي بنفسه إلى حدّ الهلاك، يودي بالعقل لأن يكون من أكثر قدرات الإنسان هشاشة. إن عقل الكائن المتغطرس هو أداته الخرقاء إلى لا نهائية الضياع وإلى أبد التيه وإلى استفحال القعر به، ومع هذا لا جدوى – كما مرّ أعلاه – من المناقشة... الحمد لله، أننا دائماً على حق!
لا تستمدّ الوقائع حقيقتها في ذهن المتغطرس إلا عطفاً على شروط المتغطرس الخاصة، بصرف النظر عن هزال هذه الشروط وعدم واقعيتها، بل وبصرف النظر عن كل ما قد تؤدي إليه من خراب وهلاك ومستقبل قاتم على الدوم. فأن يكون العالم محض واقعة لتحقيق رغباتنا، بصرف النظر عن كل العوائق التي تحول دون تحقيق هذه الرغبات، هو العنوان الأبرز لغباء أهل الغطرسة وجموعها.
مستعيناً بالكثير من حكماء التاريخ وقادته، ممن قد دعكهم التاريخ بزحمة أحداثه وويلاته ومصائبه ومثالبه، يشدد ترى آري تورنين على أن أبرز صفات المتغطرسين هو تشكيل الوقائع من خلال الإحساس المفرط بالقوة أو الثقة الزائفة بالنفس أو التمرئي بمرآة تجيد سوق هؤلاء المتغطرسين إلى الخيارات التريلالي. فالمتغطرسون في هذا الصدد تراهم مُكتفين بأرصدتهم الثقافية والاجتماعية والقيمية والغيبية الخاصة، وكل لفتة نظر أو إشارة إلى سوء خياراتهم غالباً ما تنتهي لمصلحة الشك والريبة في أولئك الذين يلفتونهم إلى سوء هذه الخيارات، فإذا بهؤلاء الأخيرين عندئذ مجرد خونة وعملاء أو مجرد أشخاص يتحينون فرصة الانقضاض والطعن في الظهر وهو ما يعزز – كما تعلمنا دروس التاريخ والحاضر للأسف الشديد – مفردات الاستخفاف بالآخرين من قبل المتغطرسين ومفردات السخرية وصولاً إلى زقاقية القول بل والتفنن في هذه الزقاقية.
على الرغم من حرص مؤلف "تاريخ الغطرسة" على عدم مقاربة الغطرسة وذلك الغباء المتأتّي عنها انطلاقاً من تحليلات سيكولوجية، فإنه وفي العديد من فصول كتابه، لا يغفل عن اعتبار الغطرسة في بعض مناحيها بمثابة استئناف لأصل متوار حيناً، أو طمر لهذا الأصل حيناً آخر، بل وعطفاً على الكثير من الشواهد التاريخية فإن الغطرسة في بعض تجلياتها هي تجسيد فعلي للمراوحة بين استئناف هذا الأصل المتواري من جهة والفرار منه من جهة أخرى. وربما هي حقيقة تسوق القارئ إلى الاستنتاج التالي: من المستحيل على المرء أن يتمكّن من الفوز بشيء مفقود من دون أن يكون هو نفسه عرضة للضياع. فالركون المحض إلى الأحكام المسبقة التي تعزز شرط انتساب المجموعات المتغطرسة للعالم، يُضعف استيعاب الحدّ الأدنى من حقيقة هذا العالم، والوقوع بالتالي في فخّ الأوهام حيال قراءة الحقائق، فإذا بالغباء عندئذ هو سيّد كل الأحكام ومرشدها.
إن عدّ الهزيمة انتصاراً واعتبار شفقة الآخرين حسداً، واحتكار المعنى في العالم عطفاً على منظومة قيم خاصة جداً لا تعترف بالحد الأدنى من قيم الآخرين، كلها أمور تفضي بالمتغطرس لأن يستوطن عتمة ليل طويل، طويل لا يخلص. فبالنسبة للمتغطرس، كل إضاءة لا تعزز في وعيه قدراته التي لا حدّ لها، وصوابية تحليلاته التي لا يرقى إليها الشك، وتماسك عزيمته التي لا تشوبها شائبة، لا تمّت إلى الإضاءة بصِلة. بل هي محض عتمة. إن عيون المتغطرسين لا تتدفق إلا إلى ما يوافق سبل غطرستهم. أما قلوبهم فلا تنساق إلا إلى وهم تفوقهم. وعقولهم بالإجمال لا تجيد إلا ترتيب تصوراتهم هم عن العالم. وفي هذا وبال ما بعده وبال، يحلّ بالدرجة الأولى عليهم. وطالما أن الكلام قد ساقني إلى الحكي عن الليل والعتمة، تراني أخمّن أن كاتب "تاريخ الغطرسة" لم تسُقه الصدفة لأن يقرأ عبارة رائعة وردتْ في رواية بعنوان "اعتراف منتصف الليل" للروائي الفرنسي جورج دوهاميل، وإلا لكان ختم كتابه عن الغطرسة بها: "أنا لا أحبّ أن يُرثى لحالي خصوصاً إذا كنت لا أستحقّ إلا الرثاء".
