وثائق إعدام.. أو رثاء لشهداء مشانق صيدنايا

علي سفرالأحد 2025/11/16
Image-1763238858
حبال المشانق في سجن صيدنايا
حجم الخط
مشاركة عبر

 

ثلاثة مشاهد متناثرة تجمعها نسخ ٌمن أحكام إعدام انتشرت قبل أيام على صفحات السوشال ميديا، واستهدفت نخبة من الشباب السوري والفلسطيني، الذين جرى اعتقالهم في السنوات الأولى للثورة السورية، واختفت أخبارهم بين أفرع الأمن وبين السجون المركزية في صيدنايا وعدرا وغيرها.

 

في الواقع، لم تكن هذه الوثائق مجرد صور لقرارات قضائية صدرت عن "محكمة الإرهاب" التي أنشأها نظام بشار الأسد البائد، بل كانت انفجارًا جديدًا في الذاكرة. فالعائلات التي ظلت لسنوات تعيش على احتمال اللقاء بأبنائها، وتتعلق بخيط وهمي يقول إنهم ما زالوا في أحد المعتقلات، وجدت نفسها أمام حقيقة ساحقة: الأحكام صدرت ونفذت قبل أكثر من عقد. لقد قُتل الشباب بعد محاكمات صورية، وقُتلت عائلاتهم ذبحًا بنصل الانتظار. والمشانق لم تُدلِ حبالها على أعناق الضحايا فقط، بل على قلوب من عاشوا على أمل عودتهم.

 

Image-1763238823
سجن صيدنايا

 

هذه الوثائق ليست مجرد أوراق رسمية، بل نصوص موت. كأن الأدراج التي خُبئت فيها لسنوات كانت تحضّر لعودة القصة في لحظة سياسية واجتماعية جديدة، في زمن تحاول فيه البلاد أن تتلمس طريقها خارج الركام.

ولأن المأساتين السورية والفلسطينية مترابطتان، ولأن المخيمات التي سكنها السوريون والفلسطينيون معاً كانت مختبرًا كبيرًا للكرامة المهدورة، فإن هذه الأحكام أعادت إلى الأذهان ثلاثة مشاهد بعيدة، لكنها متصلة في جوهرها.

مشاهد تمتد من ساحة المرجة، إلى سجن عكا، إلى زنزانة كاتب تشيكي يدوّن يومياته تحت أعواد المشانق، وكلها تقول شيئًا واحدًا: إن المستبد لا يكتفي بجريمة واحدة، بل يعيد إنتاجها على مدى أجيال.

 

Image-1763239045
نيراز

 

في أيار 1916، صعد الوطنيون العرب إلى مشانق ساحة المرجة في دمشق وساحة البرج/ الشهداء في بيروت. كان المشهد يومها يُراد له أن يكون درسًا رادعًا: تعليق أجساد النهضويين على منصات عامة، وإطلاق الاتهامات الجاهزة عن "الخيانة" و"التآمر". وهي ذات المفردات التي امتلأت بها وثائق محكمة الإرهاب اليوم.

الشبه بين الفترتين ليس سياسيًا فقط، بل رمزي أيضًا. يومها حاول جمال باشا أن يقطع مسارًا فكريًا وثقافيًا كان يتشكل، وأن يخوّن جيلًا كاملًا كان يسعى لبناء مستقبل مختلف.

واليوم يتكرر المشهد مع الشباب الثائر الذين وُصفوا بعبارات مماثلة، وجرى تقديمهم بوصفهم خطرًا وجوديًا على الدولة، ليُعدموا في ساحات لا يراها أحد.

وفي كلتا الحالتين، المستبد لا يجد عدوًا أخطر من المثقف، ولا من الشاب الذي يحمل كلمة أو فكرة. المشنقة في 1916 لم تنهِ مشروع النهضة، بل منحته رمزيته. واليوم، الوثائق التي خرجت من أدراج محكمة الإرهاب تعيد طرح السؤال ذاته: لماذا يخاف القاتل من أصحاب الصوت الحر أكثر من خوفه من أي قوة مسلحة؟ لأن الكلمة التي تُقطع على منصة الإعدام تعيش أكثر من أصحابها.

 

وفي مشهد آخر يعود من زمن بعيد، خرجت جنازات شهداء ثورة البراق الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن القلعة بمدينة عكا، وهم: عطا الزير، وفؤاد حجازي، ومحمد جمجوم. ويروي الذين حضروا تلك اللحظة أن الجنازة تحولت إلى مظاهرة شعبية كبيرة، وأن المشيعين لم يكونوا يشيّعون جثمانين فقط، بل فكرة كاملة: أن الاحتلال يقتل، لكن القتل لا يوقف السردية الوطنية، بل يكرسها ويبقيها، فتأتي فرقة العاشقين الغنائية، لتبقي هذه الأسماء في أغنية خالدة!

" من سجن عكا طلعت جنازة

محمد جمجوم وفؤاد حجازي

جازي عليهم يا شعبي جازي

المندوب السامي وربعه عموما

محمد جمجوم ومع عطا الزير

فؤاد الحجازي عز الذخيرة

أنظر المقدم والتقادير

بحْكام الظالم تيعدمونا"

 

وهنا يظهر الفارق الموجع: جمجوم والزير وحجازي خرجوا على أكتاف الناس، بينما قتلى سوريا لم يُشيّعوا، ولم تُعرف قبورهم، ولم تُقرأ عليهم الفاتحة. ومع ذلك، فإن الصور التي ظهرت اليوم تؤدي وظيفة الجنازة المتأخرة. لقد أصبحت الوثائق نفسها جنازة ثانية، أكثر رمزية وعمقًا، لأنها تُشيّع جيلًا كاملًا مات بصمت.

في عكا، تحولت الجنازة إلى فعل مقاومة. وفي الشام اليوم، تتحول الوثائق إلى نص مقاومة؛ لأن التاريخ لا يحتفظ فقط بمن ماتوا، بل يحتفظ أيضًا بالطريقة التي ماتوا بها، وبالطريقة التي كُتبت شهادات وفاتهم.

 

Image-1763238787
يوليوس فوتشيك

 

أما المشهد الثالث فهو صورة يوليوس فوتشيك، السياسي والكاتب التشيكي، وهو يدوّن يومياته الأخيرة في معتقل النازية، والتي نُشرت لاحقًا تحت عنوان "تحت أعواد المشانق". كتابٌ كُتب من داخل الظلام، ومع ذلك ظل واحدًا من أهم نصوص القرن العشرين. كان فوتشيك يعرف أنه ذاهب إلى الموت، لكنه كتب لئلا يموت صامتًا. المعتقلون السوريون والفلسطينيون لم يكتبوا يومياتهم. تركوا أثرًا آخر: الوثائق التي حملت أسماءهم، وتواريخ تنفيذ الأحكام، وتهمتهم الجاهزة. هذه الأوراق، رغم أنها ليست نصًا أدبيًا، تؤدي وظيفة الكتابة نفسها: إنها تنقل صوتًا كان يُراد له أن يُخمد. الأنظمة الشمولية تعتقد أن القضاء يمكن أن يكون قلمًا يكتب نهايات البشر، لكنها تغفل أن هذا القلم نفسه قد يتحول إلى شهادة، وإلى نص يفضحها بعد سنوات طويلة. وكما كتب فوتشيك جملته الشهيرة: "أيها الناس، لقد أحببتكم… كونوا يقظين"، فإن وثائق الإعدام السورية تقول بدورها: لقد حاولوا قتلنا مرتين، مرة بالجسد، ومرة بالنسيان".

 

Image-1763238945
عدنان الزراعي ومهند عمر

من بين أسماء الشهداء الفلسطينيين والسوريين يمر اسما السيناريست عدنان الزراعي والصحافي مهند عمر، ولعلها لحظة تراجيدية حقًا حين نراهما في صورة قرار واحد، بعد أن جمعتهم الحياة أصحاباً وشركاء. وكذلك يمر اسم المصور والفنان نيراز سعيد، الذي يحكي أصدقاؤه عن أحلامه السينمائية التي سفحتها يد الجلاد.

في مكان ما من يوميات فوتشيك يكتب عن مشهدية سينمائية كارثية، وفي النص الذي كتبه في سجن الغستابو ببانكراك، ربيع عام 1943، يقول: "أن تجلس متأهبًا، جسدك متيبس باستقامة، يداك مضغوطتان بشدة إلى ركبتيك، وعيناك تعشيان تقريبًا، وأنت تحدق بالجدار المصفر لبيت السجن في قصر بيتشيك، ليس هذا بالتأكيد أفضل وضع للتأمل. إذ من بوسعه أن يجبر فكرة لكي تجلس متأهبة؟ مرة أطلق أحد الأشخاص - الذي لن نعرف نحن أبدًا متى كان ذلك ومن هو - على بيت السجن في قصر بيتشيك اسم (السينما). لقد كانت ومضة تجلّ. غرفة رهيبة، ست مصاطب طويلة، الواحدة خلف الأخرى، تحتلها أجساد المعتقلين المتصلبة الذين سيواجهون التحقيق، أمامهم جدار عار أشبه بشاشة سينما. إن استوديوهات الدنيا كلها ما عرضت أبدًا قدرًا كهذا من الأفلام مثل التي عرضت فوق هذا الجدار، من خلال عيون المعتقلين الذين كانوا وما يزالون مرغمين على مواجهة تحقيق آخر، للتعذيب أو الموت. أفلام تصور حيوات بأكملها، أو أكثر المشاهد تفصيلًا من حياة ما: أفلام عن أمهات، نسوة، أطفال، بيت مهدم، حياة ضائعة؛ أفلام عن رفاق صامدين، وعن خيانة؛ عن الرجل الذي سلمته تلك المنشورات؛ عن دم يسيل ثانية؛ عن كف ثابتة الجنان تعاهد بالوفاء؛ أفلام تكتظ بالأهوال والإصرار، بالكراهية والمحبة، بالمخاوف والأمل. كان كل إنسان هنا، وهو يدير ظهره إلى الحياة، يموت يوميًا أمام مرأى نفسه. ولكن ما كان كل واحد يولد من جديد. لقد شاهدت أنا فيلمي الخاص مئات المرات، تعاد تفاصيله آلاف المرات. أتمنى أن أحاول الآن، لمرة واحدة لا غير، سرد قصة هذا الفيلم. وإذا كان حبل المشنقة سيلتف حول عنقي قبل أن أنتهي، فإن هناك ملايين ستبقى بعدي لتكتب له النهاية السعيدة".

Image-1763238722
مخيم اليرموك

 

من المرجة إلى عكا إلى أقبية الموت في السجون السورية، يتكرر المشهد ذاته، وكأنه معاد من فيلم وثائقي سينمائي: ديكتاتور يبحث عن شرعيته في قتل أصحاب الكلمة. تتغير الأزياء، وتتبدل اللغة، لكن الآلية ثابتة: خلق "عدو داخلي"، تجريم الصوت، تحويل القضاء إلى مشرحة، وإعدام الضحية ثم محاولة محو الذاكرة. وكلما تكررت هذه الدورة، بدا أن التاريخ العربي يعيش في مدار واحد يعيد إنتاج نفسه بجيل جديد من الشهداء.

الوثائق التي خرجت اليوم ليست أوراقًا قانونية، بل شواهد قبور متأخرة كُتبت عليها أسماء شباب بعمر الورود (كما تقول عنهم أمهاتهم) الذين كان يفترض أن يكونوا كتّابًا وصحفيين وفاعلين في مستقبل بلدهم. لقد أراد الجلاد أن يقطع أصواتهم، لكنه ترك خلفه دليلًا على جريمته، ودليلًا على معنى حياتهم. فالمستبد، حين يظن أنه يثبت سلطته عبر القتل، إنما يعيد إنتاج عدالة أخرى لا يتحكم بها: عدالة الذاكرة

المشهد المكرر لا يمضي بلا معنى، بل إن الضحايا يمنحونه معناه. وهكذا، فإن الشهداء الذين حاول الاستبداد أن يمحوهم هم أنفسهم الذين يكشفون وجهه، ويعيدون توليد المقاومة التي ستنهيه. الاستبداد يجدد نفسه بدم الذين يقاومونه، لكنه بذلك يوقّع على موته المؤجل دائماً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث