"دور الأديان في مجتمعات مزّقها العنف"، هو عنوان طاولة مستديرة نظّمتها مؤسّسة برو-أورينتي (Pro Oriente) الكاثوليكيّة واستضافتها الأكاديميّة الدبلوماسيّة في فيينا يوم الجمعة الفائت (2025/11/14). ينطلق هذا التعاون من معطًى ذي شأن يتلخّص في استحالة القيام بالعمل الدبلوماسيّ في زمننا الحاضر من دون أخذ الأديان في الحسبان. انطوت الندوة على مداخلات ثلاث تنطلق كلّ واحدة منها من مشاهدات وخبرات تتّصل بإحدى مناطق النزاع في العالم. فتكّلمت آنا-ماريّا رافاي، وهي لاهوتيّة كاثوليكيّة من كرواتيا وناشطة في شؤون صناعة السلام، على السياق الصربيّ-الكرواتيّ والصراع بين الأرثوذكس والكاثوليك والمسلمين هناك. كذلك تطرّقت تاتيانا كالينيشينكو، وهي عالمة اجتماعيّة وناشطة من أوكرانيا، إلى سياق الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة. أمّا القسّ متري الراهب، رئيس جامعة «دار الكلمة» في بيت لحم، فركّز على سياق الشرق الأوسط، ولا سيّما السياق الفلسطينيّ.
رأت آنا-ماريّا رافاي أنّ الكنائس في منطقة البلقان لا يُنظر إليها على وجه العموم بوصفها أمكنةً لصناعة السلام، حتّى إنّها تتّصف أحياناً بممارسات ذات طابع عنفيّ. وأكّدت أنّ لا سلام من دون مصالحة. وعمليّة المصالحة تستوجب الشجاعة ونقد الذات ومساءلة الخطاب القوميّ المتطرّف. الإيمان الحقيقيّ يرتبط عضويّاً بالمخاطرة. فالحكايات التي تسردها الكتب المقدّسة، منذ ترك ابرهيم أهله وعشيرته طاعةً لأمر الربّ، حكايات نواتها المخاطرة، بمعنى الخروج من دائرة الراحة. لكن بخلاف الانطباع العامّ الذي يتولّد لدى مراقبة سلوك المؤسّسات الدينيّة، ثمّة أفراد ومجموعات صغيرة دينيّة الطابع تحمل همّ السلام وتسعى إلى خدمة قضيّته. ومن ثمّ، عرّجت المتكلّمة على عمل مجموعة «مؤمنون من أجل السلام»، التي تنشط مع عدد من أهل الأديان، بصرف النظر عن معتقدهم، في سبيل الانتقال من مقاربة دفاعيّة (apologetic) إلى مقاربة حواريّة (dialogic).
شدّدت تاتيانا كالينيشينكو في كلمتها على أنّ الأزمات يمكنها أنّ تصبح فرصةً لخلق واقع جديد، ولتقوم المؤسّسات الدينيّة بعمليّة مراجعة ذاتيّة تفضي إلى التبدّل. إذّاك تصبح هذه المؤسّسات شريكةً في تخيّل مستقبل ما بعد الحرب وصناعته. فاللاهوت يمكن أن يكون حيّزاً لتصوّر ماهيّة السلام المستقبليّ. إنّ العمل الذي تقوم به اليوم جمعيّات أوكرانيّة تعنى بصناعة السلام لا يكتفي بتسهيل التلاقي بين بشر يتعاطفون مع جهات سياسيّة مختلفة، بل يتيح لهؤلاء طرح السؤال عن معنى اندلاع الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة، ومعنى أن ينتسب المتقاتلون في غالبيّتهم إلى الدين ذاته والمذهب ذاته، أي المسيحيّة الأرثوذكسيّة. كذلك فإنّ ديناميّة التلاقي تعينهم على تخطّي فكرة أنّ بعضهم ضحيّة فقط وأنّ الآخرين مجرّد جلّاد. لكنّ ثمّة أسئلة أخرى يتمّ تطارحها، بعضها يرتبط مباشرةً بالعلاقة بين المؤسّسة الدينيّة والدولة، أو بكيفيّة التعامل مع ظاهرة التطرّف الدينيّ التي يمكن العثور عليها في كلا المعسكرين.
لفت متري الراهب، في مستهلّ مداخلته، إلى مشكلته مع العنوان. فالأديان لا تضطلع فعليّاً بأيّ دور، بل مَن يقوم بالأدوار البشرُ المنتمون إلى هذه الأديان، وهؤلاء لا يسوغ اختزالهم بالمركّبة الدينيّة، بل يتمتّعون بأوجه هويّاتيّة أخرى: الكاثوليك الألمان، مثلاً، لا يتصرّفون كالكاثوليك الإيطاليّين، ومسلمو البوسنة لا يشبهون مسلمي مصر. يضاف إلى ذلك أنّ التفكّر في العنف كثيراً ما يحسب العنف ظاهرةً فرديّةً أو جماعيّة، ويتغاضى عن العنف البنيويّ الذي تصنعه الأنظمة. بعدئذ، أشار متري إلى محاولات ثلاث لم تنجح في التخفيف من ظاهرة العنف، أوّلها مجابهة العنف من دون إطار سياسيّ، إذ لا يمكن تغليب فكرة المصالحة على حساب العدالة. يضاف إلى ذلك أنّ الحوار (المزعوم) بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، أو بين ممثّلي الديانات «التوحيديّة»، تحوّل إلى سلعة بسبب تدفّق الأموال، لكنّ هذه المعادلة انهارت بعد حرب غزّة. كذلك فإنّ محاولات جمع القيادات الدينيّة إلى طاولة واحدة باءت بالفشل لكون هذه القيادات، في غالبيّة الأحيان، جزءاً من المشكلة، لا عاملاً من عوامل اجتراح الحلّ. ما الخطوات المؤهّلة للنجاح إذاً؟ يجيب متري أنّ أوّلها انتقال أهل الإيمان من ردّ الفعل (reactive) إلى الفعل (proactive). الأمر الثاني هو التوقيت، أي القيام بما يجب القيام به في الوقت المناسب. كُثُر من العرب، مثلاً، لا يزالون يتعاطون الشأن الإسرائيليّ استناداً إلى منطق الخمسينات والستّينات، ولا يدركون أنّ إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الماضي. أمّا الأمر الثالث، فهو أن نفقه أنّ القيام بخطوات رمزيّة معبّرة غالباً ما يكون أهمّ من المطوّلات الفكريّة واللاهوتيّة: الكاهن الكاثوليكيّ الذي يوزّع على المسلمين في بيت لحم ماءً وخبزاً حين تدقّ ساعة الإفطار؛ أو رئيسة وزراء نيوزلندا التي غطّت رأسها وذهبت إلى المسجد كي تقف مع الناس وتعزّيهم بعدما قام أحد المتطرّفين بإطلاق الرصاص على المصلّين هناك وأردى عدداً منهم قتلى وجرحى.
تلت المداخلات الثلاث جولة من الأسئلة والأجوبة ولقاء ودّيّ حول الطعام والشراب
