"فلسطين 36": طموح لملحمة سينمائية

شادي لويسالسبت 2025/11/15
Image-1763188656
ملحمة تاريخية تدور أحداثها على خلفية الثورية الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الانتداب البريطاني
حجم الخط
مشاركة عبر

السينما الفلسطينية منخفضة الميزانيات والمهمومة بأنسنة قضاياها المتخمة بالسياسة، لم تسع إلى تقديم سرديات ذات طابع ملحمي في الشاشة. فليس هناك فيلم فلسطيني يعادل "معركة الجزائر" أو "عمر المختار" في السياق العربي، أو "الريح التي تهز الشعير" لشين لوتش عن حرب الاستقلال الأيرلندية على سبيل المثال.

 

في فيلمها الرابع "فلسطين 36”، تقدم المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر محاولة طموحة ومتعددة الخطوط الدرامية، لسرد ملحمة تاريخية تدور أحداثها على خلفية الثورية الفلسطينية الكبرى العام 1936 ضد الانتداب البريطاني. في التنقل ذهاباً وإياباً بين القدس وقرية البسمة وعبر حشد من الشخصيات وكولاج من اللقطات الأرشيفية الملونة حديثاً والمشاهد الدرامية، يسعى الفيلم لتحقيق التوازن بين التأمل التاريخي في العنف الإمبراطوري ومقاومته، وبين إضفاء الحميمية على الأحداث. بيُسر، تنسج جاسر ملحمة بمعايير كلاسيكية. على خلفية من اللون الأخضر المدهش وتضاريس طبيعة تذكرنا بمشاهد "الإنجيل بحسب القديس متى" لبازوليني، نتابع مشاهد الحركة المتقنة والصراع بين أبطال الفيلم وأشراره الممكن التمييز بينهم بلا عناء، وبالقدر نفسه ننغمس في مشاهد الدفء العائلي والبراءة الطفولية بين بساتين الزيتون وحقول القطن.

 

 

المجموعة المتنوعة من الشخصيات تصور مقطعاً عرضياً في مجتمع يمر بلحظة تغيّر عاصفة. يتناول الفيلم الانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني وطبقاته، من خلال المقابلة بين شخصيات مثل خالد، الشاب المثالي القادم من الريف وعامل الميناء الذي يدفعه الاستغلال الطبقي إلى المشاركة في الانتفاضة، وأمير، الناشر الصحافي الثري وزوجته النسوية المتحرّرة التي تكتب مقالات تحض الفلسطينيين على الثورة تحت اسم مستعار لرجل. وبالرغم من الأعمال الانتقامية الوحشية التي تمارسها السلطات الاستعمارية ضد الفلسطينيين والمشاهد الحسّية المغرقة في القسوة، يظل محور الفيلم هو علاقة الصداقة الوديعة بين طفلين على أعتاب المراهقة، ابن كاهن القرية الذي يعمل ماسح أحذية في المدينة، وعفراء الفتاة المسلمة التي تتابع سكان المستوطنة اليهودية المجاورة من خلف الأسلاك الشائكة وتتساءل ببراءة مشاكسة عن السبب في أنهم لا يرتدون السراويل.

 

أما الشخصيات البريطانية الرئيسة في الفيلم، فهي مستوحاة من شخصيات تاريخية حقيقية، الدبلوماسي حسن النية والمتعاطف مع العرب، توماس هوبكنز، وضابط الجيش كابتن وينجيت، العنيف والمؤيد للصهيونية، والمفوض السامي لفلسطين آرثر واكهوب الذي تتبدى عدم كفاءته في محاولاته للوقوف في منتصف الطريق. وتتجمع مصائر تلك الشخصيات وتتشابك حول مسدس عثماني لثائر فلسطيني يدفن في الأرض ويصبح محوراً رمزياً للحبكة بينما تتناقله الأيدي.

 

تكمن معضلات "فلسطين 36” في طموحه الملحمي الكبير. فالانتقال بين شخصية وأخرى والقفز بين الخطوط الدرامية العديدة والمتشابكة، على الرغم من أنه يتم بيسر ونعومة، لكنه يضفي على الفيلم شعوراً بالتفكك، ولا يمنح المشاهدين الوقت والمساحة الكافية للتورط. وعلى تلك الخلفية، تبدو شخصيات الفيلم الكثيرة وكأنها مرسومة بضربات فرشاة سريعة، أو كأنها قطع صغيرة وسط لوحة موازييك كبيرة للتاريخ الفلسطيني. ومع أن الشخصيات جميعها لا تفتقر لمقومات الإقناع، لكنها ليست بالعمق الكافي لجعلها تنضح بالحياة. الشخصيات الفلسطينية أحادية البعد ومثالية أكثر منها شخصيات من لحم ودم، وذلك باستثناء شخصية أمير الذي نكتشف لاحقاً أنه مموّل من الحركة الصهيونية. أما أكثر الشخصيات تعقيداً وعمقاً فهي شخصية الدبلوماسي البريطاني هوبكنر الممزق بين واجبه الوظيفي وتعاطفه مع الفلسطينيين.

 

لا تصنع النوايا الطيبة أفلاماً عظيمة بالضرورة، ومع هذا، يأخذ فيلم "فلسطين 36”  السينما الفلسطينية في خطوة تقربها من مثالها الملحمي الجدير بها، وهو ينسج دراما تاريخية مؤسسة على وقائع حقيقية، وفي الوقت نفسه يقدّم احتجاجاً عالي الصوت على الحاضر، لافتاً الانتباه إلى أن التاريخ يعيد نفسه في فلسطين مرة بعد مرة.

 

(*) فازالفيلم مؤخراً بجائزة طوكيو الكبرى، وهي أرفع جوائز مهرجان طوكيو السينمائي الدولي

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث