منذ مئةٍ وخمسين عاماً، ترك الشاعر الفرنسي أرتور رامبو عالمَ الشعر والتفتَ إلى آفاق أخرى في حياة مختلفة تماماً. أمّا نصوصه الشعرية التي ختمَ بها نتاجه، وعنوانها "إشراقات"، فقد أَودَعها بول فيرلين، رفيقَ دربه آنئذ. تلك النصوص، إضافةً إلى نصوصه القليلة الأخرى التي أنجزها في غضون سنوات معدودة، أحدثت أثراً كبيراً في الشعر الحديث، وألهمت أجيالاً جديدة، متجاوزةً حدود الأدب. وتنهلُ منها، حتى اليوم، دراساتٌ جامعية، وكتب، وقصائد، وروايات، وأفلام سينمائيّة، وقصص مصوَّرة. وكان حضور رامبو في الموسيقى واسعاً جدّاً، فقد ألْهَمَ عددًا كبيرًا من المغنّين والفرق الموسيقية في فرنسا وخارجها. وما زالت تصل إلى علبة البريد التي تحمل اسمه في مسقط رأسه، مدينة شارلفيل، رسائل من مختلف أنحاء العالم.
كتابة رامبو منحازة الى ارتياد المجهول والمُطلَق، في لغةً تلاشت فيها الحدود بين الشعر والنثر. النصّ الرامبوي يهجس بالحرّيّة. فهو لا يغوي ولا يستجدي. لا يمدح ولا يهجي ولا يستدرّ العواطف ولا يسعى إلى الغناء. لا يغرق في ذاتيّة متورِّمة، مُغلَقة على نفسها. إنّه النفاذ إلى ظلمة الداخل. وهذا ما لم ينتبه إليه الروّاد، لا في مجلّة "شعر" ولا في سواها. لذلك لم نجد أيّ أثر لرامبو في شعرهم، ولا في الشعر العربي قاطبةً.
في رسالته إلى أستاذه جورج إيزامبار في الثالث عشر من شهر أيّار/ مايو 1871، ورد الآتي: "من الخطأ أن يُقال: أنا أفكّر، بل ينبغي أن يُقال: يُفكَّر بي. عذراً عن التلاعب بالألفاظ. - أنا هو آخر"... هذه اللغة يستحيل التقاطها لدى الغارقين في ذاتيّة مفرطة يتمحور حولها نتاجهم الشعريّ بأكمله. أمّا تلك اللغة البعيدة المدى فهي تسعى إلى الاتحاد بالآخر ومعانقة الكون.
رامبو، "سارقُ النار"، جاء يبحث عن لغة جديدة لقَولِ شيءٍ جديد يطاول الإنسانيّة جمعاء، وكذلك كائناتها الحيّة الأخرى كلّها. لذلك رسم بالألوان حروفَ أبجديّته: "A أسود، E أبيض، I أحمر، U أخضر، O أزرق: حروفٌ متحرّكة،/ سأقول يوماً ميلاداتكم الكامنة". إنّه شعرٌ يخفي الفكر في طيّاته، ورؤية بعيدة عن "الرؤيا" الدينيّة، كما لاح لبعض روّادنا. فهي أبعد ما تكون عنها، لأنّها تتوق إلى اختراقِ المجهول بمفردات لا تحاكي العلم والتقدّم بقدر ما تحاول أن تسبر غورهما. في رسالته إلى بول دوميني: "المستقبل سيكون ماديّاً، كما ترون". هذه العبارة تواكب صعود العصر الصناعي في القرن التاسع عشر. والشاعر هنا لا يرصد تحوُّل العالم كاقتصادي وسياسي، أو كمؤرّخ، بل كمن يرى ويستشرف: امِّحاء الروح تحت وطأة المادّية المتنامية.
لم يكن رامبو متمرَّداً على الوجود فحسب، بل على السلطة أيضاً، وكان متعاطفاً مع "كومونة باريس"، ورافضاً للقيم البورجوازية. أمّا شعره فهو مشروع روحيّ يغوص في أعماق النفس البشرية، وهو أيضاً شعر الرفض بامتياز. يتجلّى هذا الرفض في نقد البُنى العميقة للمجتمع ولكلّ المؤسّسات السياسية والدينية والأخلاقية السائدة. ضمن هذا الإطار، لا يحضر رامبو في الشعر العربي بصورة مباشرة، بل بوصفه أفقاً مفتوحاً، ومشروعاً للتغيير، وتجسيداً لكتابة أخرى هي النقيض للسائد والمألوف. وصار بالإمكان معه، كما مع بودلير ولوتريامون ومالارميه، الكلام عن شعر حديث إنطلاقاً من رؤية حديثة، ومن نَسق معرفي شامل. هنا، تقتضي الإشارة إلى أنّ الحداثة الشعرية الغربية جاءت ضمن تغيُّرات كبيرة بدأت في القرن السادس عشر، وترسّخت في عصر الأنوار، وصولاً إلى القرن التاسع عشر حيث طاولت جميع الأصعدة الفكرية والعلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية. التواصل الذي قام بين الفكر والفلسفة والعلم من جهة، والنقد الأدبي من جهة ثانية، كان له دور مهمّ في بَلْوَرة مفاهيم الحداثة...
لقد ضاعف اعتزال رامبو المفاجئ للأدب في العشرين من عمره، وصمته المُلغِز الذي رافقه حتى اللحظة الأخيرة من حياته، الاهتمامَ به ولا يزال. وقد تكون عبارته: "الحياة الحقيقيّة غائبة. لسنا في العالم"، واحدة من المفاتيح لفهم هذا الصمت. إنها إشارة إلى أنّ اللغة تسبق الواقع، وأنّ الهوّة شاسعة بين القول والفعل، ما يؤدّي إلى شعورٍ بعدم الانتماء إلى عالم مقيَّد ومحدود ومُسَيَّج بقيَم صغيرة.
ذات يوم، طالعتني في واجهة أحد المحلاّت المختصّة بالرسائل القديمة في شارع "أوديون" رسالةً بخطّه، اكتُشفَت حديثًا، ويتحدّث فيها عن تسليم الملك منليك كمّيّةً من البنّ مع ذِكر قيمتها المادّيّة. تحيلنا هذه الرسالة إلى رسالة أخرى، وجّهها إلى عائلته عام 1880، أي بعد وصوله إلى عدن، وقبيل انتقاله إلى هرار، وجاء فيها: "أفكّر في مغادرة هذه المدينة قريباً، لأذهب وأتاجر، أو أستكشف وحدي، في المجهول". هكذا ذهبَ "العابر بنِعالٍ من ريح". تاجرَ في البنّ والأسلحة والجلود، وعانى من المرض، ثمّ عاد ليموت في البلد الذي وُلد فيه، وهو بعدُ في السابعة والثلاثين.
(*) مدونة نشرها الشاعر عيسى مخلوف في فايسبوكه
