كاد الإعلان عن المؤتمر الدولي الذي نظّمه "المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية" بباريس CAREP بعنوان: "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميكيات المعاصرة" أن يمرَّ مرورَ الكرام، بِحضور أعدادٍ قليلة من المتابعين. لكن، ومن دون توقعٍ، تمّ الإعلان الرسمي عن إلغاء هذا المؤتمر إثر تراجع الشريك الرئيس في تنظيمه، وهو الكوليج دو فرانس، ممثّلاً في شخصية المؤرخ المرموق هنري لورانس، من بين شخصيات أخرى، بعدما تملّص المعهد من احتضان فعاليات هذا اللقاء العلمي داخل أروقته الفاخرة.
وبعد ذلك أُلغِي هذا الإلغاء وقرّر المركز العربي إقامة المؤتمر بفندق باريسي. لكن، وبعد عناء طويلٍ، عثر المنظمون على قاعة داخل فندق رغم تكرر الاتصالات، وكأنّ أرباب الفنادق متواطئون مع السلطات متخوّفون من تحديها. وفي النهاية، وافق أحدهم، لكنه هو الآخر، وبعدما تعرّض لضغوط خفية، ألغى العقدَ معتذراً قُبيل ساعات قصيرة من بدء الجلسة الأولى، أي في حدود الساعة الثامنة ليل الأربعاء. ولن نعلن عن اسم هذا الفندق احتراماً لشجاعته في الأولى وتفهماً للضغوط القاسية التي تعرض إليها في الثانية. وهو ما اضطر المنظمين، وبعد نفاد كل الحلول، إلى عَقْده من بُعدٍ مع استقبال عدد محدود جداً من المشاركين في مقر المركز العربي في باريس.
لكن رب ضارة نافعة؛ فقد التجأ المنظمون إلى منصات التواصل الاجتماعي، حتى بلغ عدد المتابعين مئات ومئات في حضور غير مسبوق، في حين كان الأمل محصوراً في متابعة بضع عشرات. فقد تابع الصحافيون والطلاب والأساتذة والمهتمون عموماً وقائع هذا المؤتمر من بُعد، وقلة منهم حضورياً حتى غصّت القاعة الصغيرة صباح الخميس، مما اضطر المنظمين إلى فرض النظام والاقتصار على العدد المسموح به.
وهكذا، تتالت الأحداث ضمن أجواء كافكاوية يسودها الغموض والارتباك والارتجال، لكن منطقها واحد: تواطؤ السلطة الأمنية مع السلطة الأكاديمية في خنق الصوت الآخر، ذلك الذي يتحدث عن فلسطين، ثقل آتٍ من الماضي الاستعماري القريب ومنع أي سردية تعارض الرواية الظالمة التي تسعى إلى احتكار هذا الماضي والتصرف في آليات الحاضر. والكل بدعوى الحفاظ على الأمن وعدم تأجيج العواطف التي قد تتحول إلى خطاباتٍ معادية للسامية، حسب التبرير الرسمي الذي قدمته وزارة الداخلية. ومن جهة أخرى، كان ثمة "صمود" حقيقي للمشاركين في إنجاز المهمة رغم التضييقات.
نعم، كان لهذا المؤتمر أن يكون مثل غيره من الأنشطة العديدة والمتنوعة التي ينهض بها مركزCAREP في باريس، والذي لم يفتر، منذ إنشائه عن استدعاء أكاديميين من فرنسا وأوروبا والعالم العربي لتسليط الضوء على الإشكاليات العربية المعاصرة في أبعادها الدينية والجيوسياسية والسوسيولوجية ضمن فعاليات مفيدة.
كما كان لمثل هذا المؤتمر أن تجري فعالياته في أروقة الكوليج دو فرانس، فلا يشهدها إلا عددٌ محدودٌ من الجامعيين وبعض الملتزمين بقضايا المعرفة والتاريخ، رغم عراقة الإطار. لكن تدخل "ليكرا" و"كريف"، وغيرها من الجمعيات اليهودية المساندة للرواية الإسرائيلية، هو ما جعل إدارة كوليج دو فرانس العريقة تتراجع وتؤثر السلامة مقدّمةً بين يديها الحُجّة الأمنية التي لم تعد تقنع حتى أكثر الناس سذاجة.
وقد مثل هذا الإلغاء طعنة فعلية، لا سيما لأحد ركائز هذا المؤتمر، هنري لورانس، والذي وجد نفسه في مأزق؛ فلا طالما أرّخ لدولنا العربية وماضيها العثماني حين كانت ترنو إلى الحرية وترى في فرنسا رمزاً للنهضة المرتكزة على هذا المبدأ في كل أبعاده، وأخطرها حرية الفكر والتعبير، وأعلاها ما كان يُمارس في رحاب الأكاديميا، حيث يعبّر المفكرون والأساتذة عن آرائهم من دون أدنى قيدٍ سوى نصاعة المنطق وجزالة التحليل.
وقد أثار هذا القرار ثائرة قسم كبير من الجامعيين الفرنسيين، ولا سيما في باريس، فَندّدوا مع كثير من الجمعيات والمؤسسات والهيئات الفرنسية بمثل هذه التصرفات التي تُعد وصمة في التاريخ الأكاديمي الحديث وقمعاً لحرية التعبير والبحث والنقاش، وهي من أقدس الحريات التي لطالما دافع عنها مفكرو فرنسا منذ عصور. ومن اللافت أن ثمة من الأساتذة مَن ساند هذا التملّص، ورأى فيه شكلاً من أشكال الحِيطة، وذلك في تضاربٍ صارخٍ مع ما كانوا يرددونه من تقديسٍ مطلق للحرية.
فعلاً، وجد الجميع أنفسهم أمام مفارقات لا يمكن حلها: حرية التفكير؟ أم الحفاظ على الهدوء الأمني تلافياً لخطابات كراهية وعداء؟ والعجيب أنّ جلّ المتدخّلين هم من كبار الباحثين الموضوعيّين الذين تنطبق عليهم المعايير العلميّة الصارمة، فقد اشتهروا بكتاباتهم الرصينة وأبحاثهم التاريخيّة المعمّقة، بل إن بينهم باحثون يهود ووزراء سابقون ومتخصصّون في شؤون الشرق الأوسط، مثل آلان غريش ودومينيك دوفيلبان، وزير الخارجية الأسبق، ومعهم لا يُخشى البتّة أن تتحوّل التحليلات إلى تأجيج عاطفي أو حثّ على الكراهية. فالخطر إذن مُنعدم، والتخوف غير مُبرّر. ثم إنّ السابقة خطيرة، لأنّ الأكاديمية الفرنسية تَلفظ، من خلال مثل هذه القرارات، نِتاجها الذاتي الذي تعدّه من أبرز المدافعين عن قيمها ومفاهيمها العميقة، وهو مأزق جديد يبرز مرّة أخرى ازدواجيّة المعايير وتوظيفها بحسب الغايات والفصول.
وبعد هذه الجَلَبة، انطلقت أعمال المؤتمر صبيحة الخميس بكلمات لسلام الكواكبي وهنري لورانس ثم الدكتور عزمي بشارة الذي تناول في كلمته الجذور البعيدة للتفاعل بين أوروبا وفلسطين مع التركيز على البدايات الغامضة لصياغة استشراق صهيوني. وبعدها تناولت الجلسات الصباحية الصهيونية بوصفها مشروعاً أوروبياً للتوسع الاستعماري ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ثم تتالت الجلسات- طيلة يومين- قيّمة تضيء ما خفي من عُقد هذا الصراع عبر العقود الماضية وتحلل الخطابات التاريخية وتلاعبات السياسة، فضلاً عن تشابك الرؤى اللاهوتية والمادية في هذا النزاع الذي يعد الأعقد في عصرنا بسبب تداخل مجالاته التي أجاد المتدخلون تعريتها عبر مداخلات دسمة عُرضت خلالها وجهات نظر متناقضة.
وحققت الأعمال نسبة متابعة عالية للغاية، لم يكن يتوقعها المنظّمون. وما على القارئ المهتم إلا أن يطّلع على سير المحاضرات المسجَّلة في مختلف وسائل التواصل، تلك التي كسرت حاجز الهيمنة، وألغت مفاعيل الإلغاء الاعتباطي، وأظهرت هشاشته وظلمه. ففلسطين هي ثِقَلٌ في الحاضر والآتي؛ لأنها تضع فرنسا أمام تناقضاتها العميقة، وتُظهِر مقدار اللين والارتباك في قيمها، في حين أنها لا تفتأ تَتغنى بها، بل وتفرضها نموذجًا كونيًا. نعم، نحتاج أحيانًا إلى مثل هذه المناسبات العابرة، وما تُفجّره من مفارقات، حتى نرى أن البحث العلمي هو الآخر مُحتل تمامًا، مثل أرض فلسطين ومثل الخطاب الغربي عنها. ستظل فلسطين أفقا منفتحًا رغم الجحود والحصار.
