ثمة تيار في النقد الأدبي يعيب على الأدب الذي تكتبه نساء، طابعه البوحي، وعلى المرأة أنها حين تكتب لا تخرج من ذاتها إلى العالم الأوسع لتعاين قضاياه ومشاكله ولتستشرف الآتي. لكن في ذلك بعض الإجحاف، خصوصاً أن أدب السيرة الذاتية يُعتبر من الأنواع الأدبية المكرّسة، فقد وُضعت له النظريات وكثرت عنه الدراسات النقدية. والسيرة الذاتية، هي في جوهرها اعترافية. ومن جهة ثانية، فإن الذاتي قد يرتقي إلى المستوى الإنساني العام إذا توافرت للكاتب(ة) الثقافة الواسعة والموهبة والحضور الفاعل في العالم، عندها يصبح البوح عنصراً من عناصر الكتابة الأدبية.
من هذا المنطلق، يبدو كتاب السورية ميادة كيالي، الباحثة والمهندسة والحاضرة بقوة في الساحة الثقافية، لافتاً للانتباه، وقد صدر عن "منشورات مؤمنون بلا حدود" في أبوظبي تحت عنوان: "جسد مقيم في سرير". كتاب يشد منذ الصفحة الأولى حتى يتملك قارئه وصولاً إلى صفحته الأخيرة. وأعترف أني نادراً ما قرأت كتاباً في جلسة واحدة، لكن الأمر هذه المرة كان مختلفاً. فهنا شهادة حياة لامرأةْ وزوجةٍ وأمٍّ عانت ما عانته كي تحقق حلمها بالإنجاب، من جهة، ولكي تفرض نفسها كذات حرة مستقلة وفاعلة، من جهة أخرى. لكنها شهادة قد تعبِّر عن معاناة وتجربة العديد من النساء، ليس في مجتمعنا العربي فحسب، بل في معظم المجتمعات. مدخل الكتاب عبارة شهيرة لفيرجينيا وولف: "المرأة لكي تكتب تحتاج لغرفة تخصها وحدها ولبعض المال"، وتستكملها كيالي بالتالي: "لكنها في العالم العربي، تحتاج إلى فسحة من الأمان، وقانون لا يخذلها حين تتغير المعادلات"، في دعوة للقارئ إلى التفكير في واقع المرأة العربية عموماً وليس المرأة الكاتبة خصوصاً.
كتابة الذات تحتاج جرأة وشجاعة، فهي مواجهة للنفس بدايةً، لكنها أيضاً تعرية لها أمام القارئ. الكلمات هنا ليست مجرد حروف ومقاطع صوتية مرصوفة بعناية وانتقاء لتوليد الإحساس بالجمال، بل هي روح تنسكب على الورق بصدق وشفافية، فيض من مشاعر وإحساسات وأوجاع تختبرها الأنثى في جسدها وتعيشها بكبر وشموخ وصمت لأن "بعض المعارك لا يُحكى عنها إلا همساً، لأن الصراخ يفقدها قدسيتها"، كما تبوح كيالي التي تعيد الكتابة الأدبية إلى منبعها الأصلي: إنه القلب يصقله الاختبار ويرفده العقل المتوّج بالحكمة. هنا الصدق هو معيار الجمال، فلا تكلّف ولا صنعة ولا سعي وراء التعبير الجميل والعبارة المنمّقة، بل هي "حكاية أمومة وحب ونجاة"، (كما يوضح العنوان الثانوي) تطرح على بساطتها أسئلة عميقة حول وعي الأنثى لذاتها ولجسدها ولحريتها، حول الحب والزواج، حول الحدود الفاصلة بين العطاء ونكران الذات.
إنها رواية رحلة دامت سبعة أشهر وسبعة أيام، رحلة أمل وانتظار وقلق وألم وخوف من انكسار الحلم. حلم امرأة بأمومة بدت مستحيلة، لكنه حلم استحق المغامرة: سنوات سبع وسبعة أيام (التشديد على هذا التفصيل يُخرج الزمن من حياديته، إنه زمن ثقيل، زمن الانتظار) من المحاولات وزيارات الأطباء والمستشفيات. إنه زمن حيث آلام الجسد لا تضاهيها قسوة، سوى عذابات النفس وانكسارات الروح، في مجتمعات الأمومة فيها صنو الأنوثة، والأنثى التي لا تنجب هي أنثى ناقصة.
حكاية امرأة أحبّت وتزوجت وتخلت عن طموحها المهني وربما تنكرت لذاتها كي ترضي الزوج والحبيب، قبل أن تجد نفسها في مواجهة تجربة الانفصال والمخاطرة بحقها في حضانة طفلين توأم لم تلدهما إلا بعد معاناة مريرة. لكنها استجمعت قواها وخاضت المعركة بشجاعة وصبر وكِبر فانتصرت لكنها بقيت على إيمانها بالحب بعدما حوّلته من قيدٍ إلى نافذة على الحرية. تقول: "أحياناً لا نطلق النار حين ننفصل بل نطلق سراح من لا يرانا، نحررهم لنحرر أنفسنا ونبقى حارسات الحب لا أسيراته". عبارات كثيرة يختزنها الكتاب ترتدي لبوس الحكمة فترتقي التجربة الذاتية إلى المستوى الإنساني: "الألم ليس عدونا... بل المعبر السري نحو القوة التي نجهل أننا نملكها"..."الوحدة ليست غياب الناس... بل غياب من يرى هشاشتك ولا يخاف منها"... "أحياناً لا يمنحك الله ما تريد، بل يمنحك ما يخبرك أنه قادم، يمنحك علامة".
تقدم ميادة كيالي في هذا الكتاب لغة عارية من كل زينة، لغة تلتصق بجسد أنثوي لا يخجل من كشف ضعفه وهشاشته أمام الألم، وتشف عن شجاعة روحية مستمدة من إيمان راسخ بالله وإحساس عميق بحضوره.
