برعاية وزير التنمية الإدارية، د.فادي مكّي، انعقد المؤتمر السنوي لمركز العلاج النفسي والبحث والتدريب على التحليل النفسي (CPRM) في فندق الموفنبيك – بيروت، تحت عنوان: "التحليل النفسي والهندسة المعمارية: العبور نحو اللامادية - نماذج النزوح والهجرة". وقد حضرت المؤتمر نقيبة الأطباء النفسانيين في لبنان ومؤسسة المركز، د.رجاء مكي.
شكّل اللقاء مساحة جمعت معماريين ومعالجين نفسيين وباحثين من لبنان وفرنسا، بهدف مناقشة العلاقة بين الإنسان والمكان، وخصوصًا في بلد مثل لبنان حيث تبقى بيروت نموذجًا لمدينة تحمل آثار الصدمات المتراكمة، من الحرب إلى الانفجارات، وصولًا إلى النزوح الداخلي والخارجي. واعتمدت النقاشات على إرث فكري أسّسه التحليل النفسي، من خلال عالم النفس سيغموند فرويد مؤسس المدرسة، وجاك لاكان أحد أبرز المحلّلين النفسيين في العصر الحديث وهو من أهم من طوّروا القراءة المعاصرة لفرويد. وقد ساعد هذا الإطار على فهم أكبر للأثر النفسي للعمارة في مدينة مدينة لم تلتئم جروحها بعد.
وفي هذا السياق، أوضحت الاستشارية في CPRM والمنسّقة العامة للمؤتمر إيليان نحات لـ"المدن" أنّ اختيار هذا المحور جاء امتدادًا لمؤتمر العام الماضي الذي تناول علاقة الإنسان بالمكان واللامكان واستثماراته النفسية فيه. وقالت إن المركز رأى حاجة للغوص أكثر في العلاقة بين العمارة والتحليل النفسي، وفتح نقاش يتقاطع فيه علم النفس مع الفن والعلوم الإنسانية وسائر الاختصاصات. وترى نحات أنّ الفن نفسه يحمل وظيفة تفريغية للصحة النفسية، لذلك أراد المنظمون تقديم مساحة تتداخل فيها المقاربات، وتسمح بقراءة أوسع للمدينة وتحولاتها.
ولفتت نحات إلى أنّ المؤتمر مسعى لإنشاء ملتقى متعدّد التخصصات، يدرس العلاقة بين الفضاء الخارجي والدواخل النفسية للإنسان، وبين المدينة والذاكرة، الفردية والجماعية، خصوصًا في بلد يعيش موجات متتالية من الهجرة وفقدان الانتماء. وتشير إلى أنّ التجربة اللبنانية بكل ما فيها من نزوح وحروب وخسارات كانت أحد الدوافع لطرح هذا المحور، لأنّها تكشف بوضوح كيف ينعكس المكان على النفس. واعتبرت أنّ الفرد ابن بيئته، يتأثر بكل ما يمرّ عليه من صدمات، من فقدان الأشخاص إلى فقدان البيوت، وأنّ هذه الوقائع تترك ندوبًا تعود للظهور في السلوك وفي العلاقة مع المكان.
بيروت كحيّز مصاب
ظهرت بيروت خلال الجلسات كمدينة تعيش حالة تغيّر دائم بفعل الصدمات. فالحروب والاعتداءات والانفجارات كانت كفيلة بإعادة تشكيل عمرانها وجغرافيتها ونسيجها الاجتماعي. ومع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، شهدت المدينة لحظة انهيار شاملة، تركت أثرًا داخليًا في سكانها قبل أن يظهر في الخارج.
في هذا السياق، قدّم الدكتور بطرس غانم، رئيس قسم علم النفس في جامعة القديس يوسف في بيروت، مداخلة حول "التحليل النفسي للحيّز المكاني". وقال إن ما حدث في انفجار المرفأ "سُجّل في الجسد قبل أي شيء"، منطلقًا من أنّ دمار المدينة يمتد من الهياكل العمرانية ليطاول الذاكرة والانتماء. وأشار غانم إلى أنّ لاكان لفت الانتباه إلى البعد العنيف الذي يولّده الدمار، وإلى قدرة انهيار الأبنية على تفكيك الروابط الاجتماعية. وأضاف: "عندما تختفي روح الأمكنة تختفي معها روح التعارف"، موضحًا أنّ فقدان المكان يحرم الفرد من شبكة العلاقات التي تمنحه توازنًا نفسيًا. وتابع: "السكن هو الواقع. نحن نبني لأننا نسكن. لم نعد نبني لأننا لا يمكن أن نسكن"، رابطًا بين القدرة على البناء وبين الإحساس بالأمان. ورغم ذلك، شدّد على قدرة اللبنانيين على الاستمرار رغم تكرار الهدم، وعلى رغبتهم في استعادة أماكنهم مهما تفكّكت.
السكن هوية وصمود
تناول الدكتور محمود شرف الدين، أستاذ تاريخ نظرية الفن المعماري في الجامعة اللبنانية، في مداخلته موضوع "سيكولوجية المكان: مسألة هوية وفعل مقاوم". وشدّد شرف الدين على أنّ المكان يشكّل أكثر من إطار للعيش، فهو عنصر يحمل مشاعر وذكريات تسهم في إعادة تكوين الهوية. وقال: "أن نسكن يعني أن نتذكر"، موضحًا أنّ الذكريات تواصل عملها من خلال الحيّز، وأنّ الإنسان يقاوم عبر ارتباطه بالأرض. وقدّم مثالًا على المرأة الجنوبية التي واجهت الدبابات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار قائلة: "هيدي أرضنا"، معتبرًا أنّ هذه العبارة تختصر علاقة الإنسان بالمكان في لحظة تهديد. كما استشهد بتجربته الشخصية في الطيبة، حيث دُمّر منزل عائلته أربع مرات خلال الحروب المتعاقبة، وأعيد بناؤه في كل مرة. ورأى أنّ هذا الإصرار يعبّر عن رغبة في الاستمرارية أكثر مما هو قرار عمراني تقني. واختتم بالقول: "علم نفس المكان هو مسألة هوية ومسألة صمود"، رابطًا بين السكن والقدرة على مواجهة التفكّك.
المدينة كامتداد للنفس
وبرز خلال المؤتمر رأي مشترك يرى بأنّ المدينة لا تُختزل في بنية جامدة؛ فهي كائن حي يختزن تجارب الناس ويعيد تشكيلها مع كل صدمة. فالنزوح الداخلي، وفقدان البيوت، وانهيار الأبنية، كلّها أحداث تترك أثرًا نفسيًا يتخطّى حدود الحاضر، ويؤثّر في تكوين الذاكرة الشخصية والجماعية. وتطرّقت النقاشات إلى أنّ إعادة الإعمار تحتاج إلى رؤية أوسع من البناء المادي وحده. فالمكان الذي يُدفَن تحت ركام الدمار يحتفظ بما حدث، والسكان الذين يعودون إليه يحتاجون إلى ترميم علاقتهم به كي يستعيدوا توازنهم. ورأى عدد من المتحدثين أنّ العمارة في لبنان تعكس حالة البلاد: توتر، فقدان استقرار، نزوح، وإصرار مستمر على البدء من جديد. هذه الديناميات تجعل من التفكير في المدينة اللبنانيّة ضرورة نفسية بقدر ما هو ضرورة عمرانية.
أعاد المؤتمر طرح سؤال أساسي: كيف نقرأ مكانًا مصابًا بذاكرة الحرب؟ ومتى تتحوّل العمارة من حيّز مادي إلى مساحة تكشف التوترات الداخلية التي يعيشها الناس؟ وتمحورت محاولات الإجابة حول الحاجة إلى فهم بيروت وعلاقتها بمبانيها بشكل جديد، وأنّ الصدمات التي أصابتها تُترجم في حياة سكانها كما تُترجم في شوارعها. فإعادة الإعمار في مدينة مثقلة بالتاريخ لا تبدأ إلا بفهم أثر الحرب في النفوس، وفي إعادة وصل الإنسان بمكانه.
