هل تخيلت يومًا أن كرات الثلج يمكن أن تطلق شرارة ثورة عمالية، وأن المهاجرين السوريين كانوا في قلبها، وأنَّ هذه الثورة العمالية لم تكن في سوريا بل في مصانع النسيج الصاخبة في الولايات المتحدة؟ تقدمُ لنا المؤرخة ستايسي فهرينثولد، أستاذة التاريخ في جامعة كاليفورنيا، من خلال كتابها المعنون "ما لا يُذكر: المنسوجات وصناعة الملابس، والطبقة العاملة السورية الأميركية" الصادر عن مطبعة جامعة ستانفورد 2025، رحلة تتجاوز السرد التاريخي الجاف، ليكشف النقاب عن جزء منسي ومُهمل من تاريخ الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة الأميركية.
لا تكتفي فهرينثولد بتقديم الأحداث، بل تدعونا لإعادة تقييم فهمنا لدور المهاجرين السوريين كقوة عاملة نشطة ومنظمة، تحدت الصور النمطية، وتركت بصمة عميقة في نسيج المجتمع الأميركي في مطلع القرن العشرين. يظهرُ الكتاب ببراعة أن "الربيع السوري" لم يبدأ في القرن الحادي والعشرين، بل في أوائل القرن العشرين، حين أظهر قدرة السوريين الهائلة في الشتات على التنظيم الذاتي والصمود. ومن خلال بحثها الدقيق وشغفها بالقصص المنسية، لا ترسم لنا المؤرخة فهرينثولد صورة للمهاجرين ككيان واحد، بل تسلط الضوء على التنوع الكبير في تجاربهم، من عمال المصانع في ماساتشوستس إلى التجار المتجولين في الأراضي الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وحتى الدور غير المتوقع في جزر ماديرا البرتغالية. لقد قدمت فهرينثولد سردًا متعدّد الأوجه، يثبت أن الجالية السورية منذ القرن العشرين كانت حيوية وديناميكية، ساهمت في تشكيل مجتمعاتها الخاصة، وصناعة حياتها في الزمن الحديث على الرغم من كل التحديات، مما يضيف طبقة مهمة لفهمنا لتاريخ الهجرة.
إضراب السوريين في لورنس
يبدأ الكتاب بفصلٍ يقدمُ لمحة عن مدينة لورنس الصناعية في مطلع القرن العشرين، والتي كانت بوتقة للانصهار الثقافي والاجتماعي، لا سيما مع تدفق العمال المهاجرين من أنحاء العالم، بمن فيهم السوريون. يركز الكتاب على الظروف المعيشية القاسية التي واجهها هؤلاء العمال، إذ تقاضوا أجورًا بالكاد تكفيهم للبقاء على قيد الحياة، مما دفعهم إلى العمل ساعات إضافية أو إشراك أفراد أسرهم، بمن فيهم الأطفال، في العمل لزيادة الدخل الضئيل. هذه الظروف القاسية كانت بمثابة وقود شرارة التمرد والاحتجاج التي ستندلع لاحقًا.
تصف المؤرخة فهرينثولد في الفصل الأول كيف اندلعت الشرارة الأولى للمقاومة مع إضراب "الخبز والورود" في قطاع النسيج العام 1912 في لورنس-ماساتشوستس، حيث احتج أكثر من 20,000 عامل مهاجر على تخفيضات الأجور التي تسبب بها قانون ولاية جديد قلص ساعات العمل من 56 إلى 54 ساعة. خفض الأجور هذا كان يعني خسارة كبيرة للدخل الضروري لبقاء الأسر، وأشعل شرارة الغضب. ويبرز الفصل دور النساء، بمن فيهن السوريات، في قيادة هذا الإضراب وفعاليتهن في تنظيمه، إذ كنّ أكثر حساسية لتأثير الأجور في قوت أطفالهن. ويذكر الفصل مشهد النساء وهن يرمين كرات الثلج على العمال الذين حاولوا كسر الإضراب، في تعبير رمزي عن سخطهن وتحديهن للسلطة. فهذا الإضراب لم يكن مجرد مطالبة بأجور أفضل، بل صرخة ضد الظلم واستغلال العمال، وسلط الضوء على تضامن العمال المهاجرين بغض النظر عن أصولهم. تصاعد هذا التوتر بين العمال المضربين وإدارة المصانع، التي لجأت إلى العنف وقوات الأمن لقمع الإضراب.
الجمعيات السورية في ماساتشوستس الصناعية
وفي الفصل الثاني من الكتاب، تسلط المؤرخة الأميركية ستايسي الضوء على الدور المحوري لجمعيات المساعدة المتبادلة السورية في حياة المهاجرين في مدن ماساتشوستس الصناعية، مثل لورنس وفوول ريفر. هذه الجمعيات التي أسسها المهاجرون السوريون لم تكن مجرد تجمعات اجتماعية، بل كانت شبكات دعم حيوية قدمت لهم الأمان الاقتصادي والاجتماعي في بيئة جديدة عليهم. كانت هذه الجمعيات بمثابة عائلات بديلة، تقدم قروضًا صغيرة، وتساعد في توفير السكن، وتتكفل بدفن الموتى، وتقدم العون في أوقات المرض أو البطالة، مما يدل على عمق التزامهم تجاه بعضهم البعض. كما كانت هذه الجمعيات أيضًا بمثابة حواضن للحفاظ على الهوية الثقافية والدينية السورية؛ ففي خضم الضغوط للاندماج في المجتمع الأميركي، وفرت هذه الجمعيات مساحة للمهاجرين للتحدث بلغتهم الأم، وممارسة شعائرهم الدينية، فتم إنشاء مدارس لتعليم الأطفال اللغة العربية والدين الإسلامي، وتأسيس الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية الشرقية، مما يعكس حرصهم على توريث ثقافتهم لأجيالهم التالية.
علاوة على دورها الاجتماعي والثقافي، مثلت هذه الجمعيات قوة سياسية واقتصادية ناشئة للمجتمع السوري. لقد مكنت العمال من تنظيم صفوفهم وتوحيد كلمتهم في مواجهة ظروف العمل القاسية، وساعدت في بناء رأس مال اجتماعي أسهم في تطوير أعمال ومؤسسات سورية صغيرة. ورغم أنها لم تكن دائمًا تتبنى مواقف سياسية صريحة، إلا أن وجودها بحد ذاته كان تحديًا للهياكل القائمة؛ وفي أوقات الإضرابات العمالية، غالبًا ما كانت هذه الجمعيات تؤدي دورًا في دعم العمال المضربين ماديًا ومعنويًا، وتوفير الطعام والمأوى لهم، مما يعكس تضامنها الفعال وتأثيرها في المشهد العام. لقد كانت هذه الجمعيات دليلًا ساطعًا على قدرة المهاجرين السوريين على بناء مجتمعات قوية ومنظمة ذاتيًا في مواجهة التحديات.
تصنيع الملابس في نيويورك
تنتقل بنا المؤرخة فهرينثولد من التركيز على مدن ماساتشوستس الصناعية إلى مدينة نيويورك، لتُسلط الضوء على هجرة العديد من السوريين إلى "التفاحة الكبيرة" لا سيما منطقة "سوريا الصغيرة" (Little Syria) في مانهاتن السفلى. لم يقتصر دور المهاجرين السوريين على كونهم عمالًا فحسب، بل بدأت تبرز بينهم طبقة من رواد الأعمال والمقاولين الصغار الذين دخلوا بقوة في صناعة الملابس المتنامية. لقد وجد السوريون الذين جلبوا معهم خبرة في التجارة والحِرف اليدوية من بلادهم الأم، فرصًا في هذه الصناعة التي كانت تتطلب مهارات يدوية وقدرة على التكيف؛ إذ بدأ العديد من السوريين كموزعين للمنتجات، ثم سرعان ما انتقلوا إلى إنشاء ورشهم الصغيرة الخاصة، والتي غالبًا ما كانت تُدار من قبل العائلة أو الأقارب والأصدقاء.
أبرزت فهرينثولد الدور الحيوي لشبكات المهاجرين السوريين في دعم وتوسيع هذه الصناعة. فالعلاقات الأسرية والمجتمعية، التي تعززت من خلال جمعيات المساعدة المتبادلة المذكورة في الفصل السابق، كانت بمثابة العمود الفقري لهذه الشركات الناشئة. كانت الثقة المتبادلة والروابط الاجتماعية تسهل تبادل المعرفة، وتوفير التمويل الصغير، وتوظيف الأيدي العاملة، وحتى تسويق المنتجات. كما كانت ورش العمل غالبًا ما تعتمد على النساء السوريات اللواتي يعملن من منازلهن، حيث يقمن بخياطة أجزاء من الملابس مقابل أجر، مما يوفر لهن مصدر دخل ويدعم أعمال المقاولين السوريين في الوقت نفسه. هذا النموذج أظهر كيف يمكن للمهاجرين بناء اقتصاد موازٍ يعتمد على التضامن المجتمعي. وتناولت فهرينثولد كيف أدت هذه المشاركة النشطة في صناعة الملابس إلى تغييرات اجتماعية واقتصادية داخل المجتمع السوري نفسه. فقد ساهمت في صعود طبقة وسطى جديدة، توفرُ فرصاً اقتصادية للنساء، وتوسعُ نطاق الاندماج الاقتصادي للمهاجرين. ومع ذلك، لم تكن هذه الرحلة خالية من التحديات، فقد واجه العمال السوريون، حتى في ورش عمل أبناء جلدتهم، ظروف عمل صعبة وضغوطًا مستمرة.
العمل من أجل الإمبراطورية: سوريّو ماديرا
وتقدم فهرينثولد منظورًا غير متوقع لهجرة السوريين، إذ نقلت التركيز إلى جزيرة ماديرا البرتغالية في المحيط الأطلسي، حيث كشفت وجود جالية سورية كبيرة هناك، تُعرف محليًا بـ"المرحلة السورية" (Fase Síria)؛ وتشير فهرينثولد إلى أن هذه الهجرة لم يكن دافعها البحث عن فرص عمل في الصناعة فحسب، بل ارتبطت بشكل وثيق بالديناميكيات الاستعمارية وتوسيع الإمبراطورية البرتغالية. فقد تم استقدام السوريين، ومعظمهم من المسيحيين، إلى ماديرا للعمل في الزراعة، لا سيما في مزارع قصب السكر، أو كعمال حرفيين وتجار صغار، لملء فراغات تركها السكان المحليون الذين هاجروا إلى مستعمرات برتغالية أخرى أو إلى أميركا اللاتينية.
تناولت فهرينثولد طبيعة العلاقات المعقدة بين المهاجرين السوريين والسلطات البرتغالية والمجتمع المحلي في ماديرا. فمن ناحية، كان السوريون يُعتبرون عمالة مفيدة واقتصادية تسهم في ازدهار الجزيرة، ومن ناحية أخرى، واجهوا التمييز والتهميش كـ"أجانب". لقد تم استغلالهم في بعض الأحيان لخدمة الأهداف الاستعمارية، لكنهم في الوقت نفسه حافظوا على هويتهم الثقافية والدينية رغم قدرتهم على التكيف والمرونة، لذا تمكنوا من إنشاء شبكات تجارية خاصة بهم وفتح متاجر صغيرة، مما أتاح لهم قدرًا من الاستقلالية الاقتصادية والتأثير داخل المجتمع المحلي. وبذلك، تُظهر قصة السوريين في ماديرا كيف أن الهجرة ليست دائمًا خطًا مستقيمًا نحو بلد واحد، بل يمكن أن تكون جزءًا من شبكات هجرة عالمية أوسع تتأثر بالسياسات الإمبراطورية والتغيرات الاقتصادية العالمية.
السوريون عند الحدود الأميركية المكسيكية
ثم تنتقل بنا فهرينثولد إلى منطقة مختلفة تمامًا، وهي الأراضي الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك في أوائل القرن العشرين (تقريبًا من 1900-1930)، لتكشف مسار هجرة جديداً وتخصصاً اقتصادياً آخر للسوريين المهاجرين. في هذه المنطقة برز العديد من السوريين كـ "تجار جوالين" أو "باعة متجولين" للمنسوجات والسلع الأخرى. لقد استغلوا موقع المنطقة كمعبر تجاري بين بلدين، وتمكنوا من بناء شبكات لوجستية معقدة سمحت لهم بشراء البضائع بالجملة من المراكز الصناعية الأميركية وبيعها بالتجزئة في البلدات الحدودية على جانبي الحدود، وحتى في المناطق الداخلية بالمكسيك. كان بعض السوريين يسافرون لمسافات طويلة، محملين بضائعهم على ظهور الدواب أو في عربات، لبيعها في القرى والبلدات النائية التي لم تكن تصلها المتاجر الكبيرة. وأبرزت فهرينثولد المهارات التجارية الفطرية للسوريين وقدرتهم على التكيف مع بيئات السوق المختلفة. لقد أظهروا براعة في التفاوض، وفهمًا عميقًا لاحتياجات العملاء، وقدرة على بناء علاقات طويلة الأمد مع الموردين والمشترين. كما أنهم أتقنوا فن عبور الحدود، والتعامل مع الإجراءات الجمركية، وحتى التكيف مع الظروف الجغرافية والمناخية القاسية للمنطقة. تعلم العديد من التجار السوريين اللغة الإسبانية بسرعة للتواصل مع السكان المحليين، وطوروا طرقًا مبتكرة للتعامل مع تحديات النقل والتخزين في مناطق قليلة الخدمات، مما يبرز مرونتهم وقدرتهم على التكيف.
هذه الأنشطة التجارية لم تكن مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل أسهمت أيضًا في بناء مجتمعات سورية صغيرة في المدن الحدودية، وساهمت في دمج السوريين في نسيج اقتصادي واجتماعي أوسع. ورغم التحديات التي واجهوها، مثل العنصرية والمنافسة الشديدة، إلا أن هؤلاء التجار وضعوا أسسًا لمستقبل أفضل لأنفسهم ولأسرهم. كما أن تجارة المنسوجات هذه كانت بمثابة نقطة انطلاق لبعضهم نحو امتلاك متاجر ثابتة وتأسيس أعمال أكبر لاحقًا، ليستقر بعضهم في المدينتين الأميركيتين الحدوديتين إل باسو (El Paso) الاميركية، أو نوجاليس (Nogales) ، فافتتحوا متاجرهم الخاصة.
