فيلمون وهبي: رصّع حنجرة فيروز بموافقة الرحابنة..ومن دونها

محمد ديابالأربعاء 2025/11/12
Image-1762947146
فيروز: "فيلمون خلق ضد الفشل، ، إنسان حساس كتير وحزنه هوي اللي بيخلق ألحانه مش ضحكه، ليش هوي حز ين اسألوه"
حجم الخط
مشاركة عبر

فيلمون وهبي (1918ـــ 1985)، والذي تحل هذا العام الذكرى الـ40 لرحيله، لحّن لفيروز 26 أغنية، تعد في مجملها من أجمل ما غنت، من بينها 15 أغنية من تأليف وتوزيع وإشراف الأخوين رحباني غنتها في الفترة من 1962 وحتى 1976، وعشر أغنيات قدمها لها بعد انفصالها عنهما فنياً العام 1979، في الفترة من العام 1980 وحتى 1985 وكلها من شعر جوزيف حرب ما عدا واحدة من شعر طلال حيدر. ولاتزال هذه الأعمال حاضرة في الذاكرة اللبنانية والعربية، فقد كان فيلمون هو الاستثناء الوحيد الذي شرّع أمامه الاخوين رحباني أبواب صوت فيروز كملحن من خارج الأسرة الرحبانية، وكسرا خاصية احتكار صوت فيروز تجاهه خصوصاً منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، في حين منحا محمد عبد الوهاب،  في واقعة استثنائية، ثلاثة ألحان فقط، ومحمد محسن لحناً واحداً "سيد الهوى قمري"، ونجيب حنكش لحناً واحداً "أعطني الناي".

 

 كان الأخوان عاصي ومنصور يعطيان أجمل أغانيهما لأعمالهما المسرحية، وكانت من أولها لآخرها تخصهما نصاً وشعراً وموسيقى، وكان الاستثناء دائماً التنويع بلحن لفيلمون، فلا مجال هنا للحديث عن ظلم أحاق بفيلمون من قبل الأخوين رحباني، أو غيرة فنية منهما تجاهه. 

 

في كتاب "طريق النحل" لهنري زغيب، يروي منصور الرحباني علاقته وعاصي بفليمون وهبي وكيف تعرفاً إليه يقول: "معرفتنا به تعود الي وقت سحيق، كنا ذات يوم عاصي وأنا على باب دكان أبو عاصي في أنطلياس فدخل شاب ليشترى علبة سجائر فهمنا من حواره مع أبي بأنه مطرب وملحن، ثم غاب عنا وقتاً طويلاً لم نعد نعرف فيه شيئاً عنه، إلى أن صرنا نلتقي في أروقة الإذاعة اللبنانية ونلاحظ عنده ما نسمع عن روحه المرحة وحبه للنكتة والسخرية. في تلك الفترة كنا نهيئ لتسجيل سلسلة سكتشات "سبع ومخول وبو فارس" وهي الشخصيات الباقية معنا من الطفولة، كنا نرى هذه النماذج في محيط المنيبيع، شويا، عين المياسة، حملايا، عين الخروبة، الزغرين... وبقيت في بالنا حتى خرجت لاحقاً من دون وعي منا في شخصيات سبع ومخول وبو فارس". يتابع منصور: "ذات يوم كنا نستعد لتسجيل إسكتش بعنوان "بارود اهربوا" وكنت أمثل شخصية مخول، وعاصي شخصية بو فارس، وأعطينا شخصية سبع لشاب كان يغني معنا في الكورس ولم أكن مرتاحاً لأدائه التمثيلي لأن شخصية سبع كانت مميزة وطريفة وتتطلب طواعية في التمثيل، لم تكن موجودة مطلقاً لدى ذاك الشاب وهو في الأساس ليس ممثلاً محترفاً بل مغني كورس. يوم التسجيل وربما من حسن الحظ وإتاحة لفرصة تاريخية سترافقنا طوال مسيرتنا الفنية، مرض ذاك الشاب وتغيب عن الإذاعة. فخطرت فجأة فكرة في بال عاصي فقال لي: شو رأيك نجرب فيلمون للدور"؟ وهكذا كان. 

 

 

يكمل منصور: "وإذا بموهبة كوميدية مذهلة تنفتح أمامنا خلال التمرين مع فيلمون على شخصية سبع. وإذا بنا، من شخصيته هو، تتبلور عندنا شخصية سبع أكثر فأكثر. ومنذ ذاك الحين بدأنا مع فيلمون تعاوناً فنياً طويلاً انطلق من إسكتشات "سبع ومخول" التي بلغت 15 اسكتشاً، ثم نقلنا الشخصيتين معنا إلى المسرح والتلفزيون والسينما والكثير من أعمالنا الفنية اللاحقة".

 

لا يخجل منصور من الاعتراف بالنجاح الكبير الذي حققته ألحان فيلمون على حنجرة فيروز فيذكر: "كان فيلمون محطة كبيرة في مسيرتنا الفنية، وله فضل كبير في نجاح أغان كثيرة في أعمالنا، كتبناها ولحنها هو وغنتها فيروز وهي بين أنجح أغانيها على الاطلاق".

 

زيت زيتون: اللقاء الأول

في أكثر من حوار مع الأخوين رحباني في خمسينات القرن الماضي، كانا دائماً يذكران أن فيروز غنّت لعدد من الملحنين غيرهما، ومن بينهم فيلمون وهبي، لكن أحداً لم يذكر أي أغنية سجلتها فيروز لفيلمون وهبي قبل "يا كرم العلالي" تحديداً في حقبة خمسينات القرن الماضي، حتى عثر كاتب هذه السطور على حوار أجرته مجلة "الطليعة العربية" مع فيلمون نشر في 15 نوفمبر 1985 أي بعد رحيله بأيام. في هذا الحوار أكد فيلمون أن أول تعاون بينه وبين فيروز كان في الإسكتش الفكاهي "زيت وزيتون"، الذي هو من ألحانه حسبما صرح للمجلة، وقد عثرت على اسم العمل هذا ضمن لائحة أوردها الملحن حليم الرومي في مذكراته الاذاعية التي نشرها في مجلة "الشبكة" أولاً، ثم طبعها في كتاب، بين 15 إسكتشاً كتبها أسعد سابا ولحنها فيلمون وهبي لحساب الاذاعة اللبنانية مطلع خمسينيات القرن الماضي والعمل يعدّ من بين مفقودات فيروز. 

 

 

بين البعلبكية وحكاية الإسوارة! 

غير أن أول تعاون معروف بين فيلمون كملحن والأخوين رحباني، كان في أول عمل مسرحي لهما وهو أوبريت "موسم العز" 1960 في مهرجانات بعلبك من بطولة صباح، لا فيروز التي كانت حامل في ابنتها ليال، ولم تتمكن من إحياء المهرجان ذلك العام. والأغنية الأولى في التعاون الرحباني الفيلموني كانت "يا إمي طلّ من الطاقة" لصباح، وفي العام التالي 1961 كان تلاقي صوت فيروز وألحان فيلمون وهبي، حيث قدم لها لحن "يا كرم العلالي"، وغنته فيروز في مهرجانات بعلبك ضمن منوعات غنائية تحت عنوان "البعلبكية"، ثم غنته أيضاً في معرض دمشق الدولي ذلك العام ضمن المنوعات الغنائية مع الأخوين رحباني، وأعيد تقديم أغنية "يا كرم العلالي" منتصف العام 1962 ضمن الأوبريت التلفزيوني "حكاية الإسوارة" الذي قدمه الأخوين رحباني لحساب "تلفزيون لبنان والمشرق" عند افتتاحه.

 

اللقاء الثاني بين صوت فيروز والحان فيلمون، كان في أوبريت "جسر القمر" الذي قدم في مهرجانات بعلبك ومهرجانات معرض دمشق الدولي 1962، حيث لحن فيلمون لفيروز "جايبلي سلام" من شعر الأخوين رحباني، إحدى أشهر وأحب أغنيات فيروز عند جمهورها، وقد حظيت هذه الأغنية بعد سنوات طوال بتكريم مميز، وذلك حين صدح بها صوت فيروز عبر مكبرات الصوت في كل أرجاء مدينة باريس ليلة احتفال فرنسا بمرور مئتي عام على انطلاق الثورة الفرنسية صيف العام 1989، وجاء الأمر بمثابة مفاجأة للعرب المتابعين للاحتفال حين انطلق صوت فيروز في الأرجاء منشداً: "أوف بكير طل الحب عا حي اللنا حامل معو توب وحكي ودمع وهنا كنا وكانوا هالبنات مجمعين يامي وما بعرف ليش نقاني أنا"، الى آخر الاغنية... وكانت فيروز أحيت في شتاء 1988 حفلة في مسرح بيرسي استُقبلت خلالها استقبالاً حافلاً من قبل الحكومة الفرنسية.

 

في معرض دمشق الدولي العام 1963 وضمن المنوعات الغنائية التي قدمتها فيروز بعد عرض أوبريت "الليل والقنديل"، قدمت عملها الثالث لفيلمون وهبي وهو الأغنية الشعبية "عالطاحونة شفتك عالطاحونة" على إيقاع الدبكة من شعر الأخوين رحباني. وفي العام التالي 1964، لحّن فيلمون لفيروز إحدى أشهر أغنياتها على الاطلاق "يا مرسال المراسيل"، قدمتها ضمن أوبريت "بياع الخواتم" للأخوين رحباني في مهرجانات الأرز الدولية، ثم في معرض دمشق الدولي، وأعاد المخرج يوسف شاهين تقديم الأوبريت في فيلم سينمائي العام التالي 1965 وقُدمت الأغنية في الفيلم في نسخة تسجيل استديو يختلف دور الكورس فيه عن تسجيلها الحي في الأرز ودمشق، كما غنتها فيروز في حفلاتها في الكويت العام 1966 بأداء الكورس نفسه الذي ظهر في الفيلم.

 

 

فيلمون وهبي والموال البغدادي

في العام التالي 1966 قدم فيلمون أغنيتين دفعة واحدة لصوت فيروز. الأولى هي "بكرم اللولو" من شعر الأخوين رحباني، التي أصدرتها شركة عبد الله شاهين في اسطوانة واحدة مع أغنية "يا حلو شو بخاف إني ضيعك" من كلمات وألحان الاخوين رحباني، وصورت الأغنية تلفزيونياً ضمن سهرة "ضيعة الأغاني" وعرضت في نيسان من العام نفسه بإخراج أنطوان ريمي. وفي صيف 1966 أيضاً، قدم فيلمون لفيروز أغنية "كتبنا وما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا"، ضمن مسرحية "إيام فخر الدين" التي قدمت في مهرجانات بعلبك، غير أن الأخوين رحباني حذفا الأغنية من المسرحية عند طبعها في أسطوانات تجارية ربما لطول زمن المسرحية، فقد كانت تلك أطول المسرحيات الغنائية زمنا للأخوين رحباني على الإطلاق، وقد غنتها فيروز غناء حياً في معرض دمشق الدولي في العام نفسه 1966 وكانت قدمتها في بعلبك بطريقة البلاي باك ضمن المسرحية. وتضمنت الأغنية موالاً بغدادياً، تقول كلماته: "يا مالكين القلب لما النوى مالكن/ إلنا حباب اللي لنا مين يا ترى مالكن/ عودوا قبل ما الجفا يغمر ليالي العمر/ غير الأحبة القدامي عالوفا مالكن". وهذا واحد من مجموعة مواويل بغدادية، قدمتها فيروز منها من كلمات وألحان الأخوين رحباني في مسرحية "ناس من ورق" العام 1972، مثل موال "جينا على الدار تانشوف اللي حبونا" وفي المسرحية نفسها، وموال بغدادي آخر هو "يا مركب الريح"، وفي مسرحية "لولو" 1974 ضمن أغنية "سيف المراجل حكم" قدمت الموال البغدادي "داري الليالي وأيام الصفا دارها".

 

في العام 1968، قدم فيلمون لفيروز لحنين، الأول هو "طيري يا طيارة" من شعر الأخوين رحباني في فيلم "بنت الحارس" للمخرج هنري بركات، والأغنية البديعة "فايق يا هوى" في إطار مسرحية "الشخص" عند تقديمها في معرض دمشق الدولي للمرة الأولى، وفي العام التالي وفي مسرحية "جبال الصوان" التي قدمت في مهرجانات بعلبك وفي معرض دمشق الدولي غنت من ألحانه "صيف يا صيف ع جبهة حبيبي". وفي العام 1970 ضمن مسرحية "يعيش يعيش"، غنت فيروز من ألحان فيلمون الأغنية الطربية الشعبية "ليلية بترجع ياليل" وصورتها تلفزيونياً في ما بعد ضمن البرنامج التلفزيوني "سهرة".

 

 لم يتعاون الرحبانيان مع فيلمون في مسرحية "صح النوم" العام 1970، وفي العام التالي 1971 وفي إطار عروض المسرحية الغنائية "ناس من ورق" في معرض دمشق الدولي، لحن فيلمون لفيروز أغنية "لو فينا ننقي حبايبنا"، غير أن الأخوين رحباني استبعدا الأغنية من عروض المسرحية نفسها عندما قدمت في بيروت شتاء 1972 في مسرح البيكاديللي، ورفضا تسجيلها في الإستديو، كما استبعداها من الأعمال المطبوعة على اسطوانات تجارية لأغاني المسرحية، وحجبا الأغنية عن الإذاعات. وهو ما أثار غضب فيلمون، فراح يهاجم عاصي ومنصور الرحباني وهددهما بتسجيل الأغنية بصوت سعاد محمد كما صرح وقتها لمجلة "الشبكة"، وتردّد أن السبب في ما حدث هو أن اللحن لم يعجب عاصي الرحباني، والمدهش في الأمر هو أن الأخوين رحباني عادا وأطلقا الأغنية مجدداً في العام 1979، لكن بصوت المطربة رونزا في حفلاتهم في الأردن في ذلك العام. وظلت الأغنية مجهولة ومغيبة بصوت فيروز لسنوات طوال حتى أعادها إلى الحياة مجدداً عشاق فيروز عبر شبكة الإنترنت في تسجيل مأخوذ من عروض دمشق، من خلال منتدى "زرياب" وأصبحت متوافرة في تسجيل غير نقي على الشبكة العنكبوتية.

 

Image-1762947058
مع فيروز وعبد الوهاب 

 

لم يتعاون فيلمون مع فيروز والأخوين رحباني في مسرحية "ناطورة المفاتيح" صيف 1972 في بعلبك، لكنهما في العام التالي 1973، صالحا فيلمون ومنحاه نص أغنية "يا دارة دوري فينا"، ليلحنها ضمن مسرحية "المحطة" التي قدمت في مسرح البيكاديللي في بيروت، وحققت نجاحاً كبيراً. هناك واقعة رواها الناقد السوري جان الكسان في كتابه "الأخوان رحباني وفيروز: ألف عمل في خمسين عاما" عن هذه الأغنية، ويقول إن السيدة سعدى أبي صعب والدة عاصي الرحباني، قالت له بعد مشاهدتها المسرحية: "ليك تقبرني عاصي على ها للحن أحسن من هيك ما بقي فيه"، معتقدة أن اللحن يعود لعاصي ومنصور، فاحمرّ وجه عاصي خجلا وهو يقول لوالدته: "لا هيدا اللحن مش إلنا هالقرد لحنه"، وكان يقصد فيلمون وهبي. 

 

 

وفي العام نفسه 1973، وفي مهرجانات بعلبك الدولية ضمن المنوعات الغنائية "قصيدة حب"، قدم أيضاً فيلمون لفيروز لحنه الشعبي الطربي البديع "على جسر اللوزية". والعام 1974 وضمن المسرحية الغنائية "لولو" في مسرح البيكاديللي، غنت فيروز من ألحانه "من عز النوم بتسرقني"، وفي المنوعات الغنائية التي قدمتها فيروز في معرض دمشق الدولي 1976، قدم لحناً أخيراً لفيروز من كلمات الأخوين رحباني، وهو "أنا خوفي من عتم الليل".

 

في مجمل هذه الأغنيات بدا شيخ الملحنين اللبنانيين، سيداً للأغنية الشعبية الطربية، لذا كانت أعماله لفيروز تبدو فاكهة كل مسرحية غنائية رحبانية، يشارك فيها فيلمون بالتلحين لفيروز أو لغيرها، سواء كانت صباح أو حتى نصري شمس الدين.

 

يقول الناقد إلياس سحاب في كتابه "الموسيقى العربية في القرن العشرين": "انطلق فيلمون وهبي، في ما يشهبه الانفجار الفني يزود حنجرة فيروز بسيل من الألحان التي لم يترك فيها واحداً من المقامات العربية ذات الأرباع شديدة الطرب والشجن لم يستخرج منه لآلئ لحنية نادرة لحنجرة فيروز". ويتابع إن "ألحان فيلمون كانت تلامس العنصرَين الأثمن في حنجرة فيروز، أي المساحات الوسطى والمنخفضة التي كانت في رأيي أقوى وأجمل مساحاتها الصوتية وأكثرها تأثيراً عميقاً في نفس المستمع، حيث كانت فيروز تبدو في تلك المساحات أكثر قدرة على استخراج أجمل ما في أعماقها من أحاسيس. ثانياً، الإحساس المرهف بطاقة الشجن المتدفقة في المقامات العربية ذات الارباع الصوتية التي كانت العجينة الوحيدة التي يصنع منها فيلمون خبز ألحانه، حتى أن من حضر التمارين على لحن "يا ريت منن" في اسطوانة "دهب أيلول"، أحس بالذهول الذي أحدثه في نفس فيروز ارتجال عازف القانون المخضرم جورج أبيض على مقام البياتي، تقاسيم لم تكن موجودة أصلاً في مقدمة اللحن فما كان من فيروز إلا أن طلبت تثبيت هذه التقاسيم، لأنها تضعها في ذروة الاندماج بمقام البياتي الذي يعتمد عليه لحن الأغنية قبل الشروع في الغناء".

 

Image-1762943078

 

الحقيقة أنه إذا كان البعض يرى أن لحن فيلمون في أي عمل مسرحي لفيروز هو "جوهرة التاج"، فإن الأخوين في مواقع كثيرة حطما هذه المقولة، مثال مسرحية "ناس من ورق" حيث تفوق دور "رجعت ليالي زمان" للأخوين رحباني على "لو فينا ننقي حبايبنا". وفي المنوعات الغنائية "قصيدة حب" تفوقت الطقطوقة الشعبية "يا قلبي لا تتعب قلبك" للاخوين رحباني على طقطوقة "على جسر اللوزية". وفي "مسرحية "لولو" تفوقت "راجعين ياهوى" للاخوين رحباني على "من عز النوم بتسرقني" والحديث هنا عن الطقاطيق الشعبية الطربية فقط التي قدمها الأخوان رحباني في تلك الأعمال .

 

فيلمون مع فيروز   

 

في العام 1979 وقبل انفصال فيروز وعاصي الرحباني بأسابيع قليلة، صرح فيلمون وهبي لمجلة "الشبكة" أنه يقوم بتلحين أغنية "ياما وياما بتوصل المكاتيب" من شعر منصور رحباني لتغنيها فيروز، وقد لحنها فعلاً لكن الأغنية ذهبت لحنجرة المطربة الصاعدة وقتها منى مرعشلي حيث قدمت في البرنامج التلفزيوني للأخوين رحباني "ساعة وغنية".

 

 

وبعد حدوث الانفصال الرحباني الفيروزي، أطلقت فيروز أول اسطوانة غنائية لها من دون الأخوين رحباني العام 1980 وهي "دهب أيلول"، وتضمنت أربع أغنيات من ألحان فيلمون وهبي وشعر جوزيف حرب هي: "يا ريت منن" و"ورقه الأصفر" و"طلعلي البكي" و"يا قوني شعبية"، وبدا أن فيلمون أنضم لصف فيروز في مواجهة الأخوين رحباني، وقد تحدث وقتها عن فيروز للصحافة فقال: "عندما أستمع اليها أشعر أنني في غيبوبة وتطريب وسحر أريدها أن تبقي فوق، فوق الجميع ولن أقبل أن تقع فيروز، لقد بدأنا معاً وهي وفية وأنا مثلها، صوتها غير شكل" .

 

بدورها تحدثت فيروز عن فيلمون لمجلة "الشبكة" ضمن تحقيق بعنوان "الجمهور المثقف يتحدث عن فيلمون" فقالت: "فيلمون شيخ الملحنين. بحب قول عن شغله إنو بياخد العقل، وبحب شعره وخطاباته وتمثيله، وشكلو وقت اللي بينسى حالو هوي وعم يسمّعني اللحن. فيلمون خلق ضد الفشل، بس أنا بعرف فيلمون اللي جوا كمان، إنسان حساس كتير وحزنه هوي اللي بيخلق ألحانو مش ضحكه، ليش هوي حزين؟ إسألوه".

 

 

قبل رحيلة في الخامس من نوفمبر 1985، كان فيلمون قد انتهى من تلحين ست أغنيات لفيروز، أربع منها صدرت بعد رحيلة في أسطوانة وقعت فيروز على ظهرها بكلمة منها تحية الي فيلمون: "كل اللي تركتن إشتاقولك وكل اللي جايين راح يحبوك"؟. الأسطوانة صدرت تحت اسم "بليل وشتي" العام 1989 وتضم أربع أغنيات كلها من شعر جوزيف حرب هي: "أسامينا" و"بليل وشتي" و"لما عالباب يا حبيبي" و"إسوارة العروس" التي كانت السيدة فيروز أطلقتها منفردة عبر الاذاعات العام 1984، وغنتها بطريقة "البلاي بلاك" في حفلاتها في جرش-الأردن العام 1983 وفي أستراليا 1984 وفي "بصرى الشام" 1985.

 

 

في منتصف التسعينات، صدرت أسطوانة تضم آخر ما لحّن فيلمون لفيروز، أي أغنيتي "الأبواب" من شعر جوزيف حرب، و"يا رايح" من شعر طلال حيدر، ضمن أسطوانة حملت اسم "فيروز تغني فيلمون وهبي"، ضمّت مختارات قديمة له مع فيروز. ورحل فيلمون قبل أن يكمل تلحين أغنيتين أخريين لفيروز كان بدأ العمل عليهما أواخر العام 1984، الأولى تحمل عنوان "متل ما قال فعل"، وهي بدوية الطابع من شعر طلال حيدر، والثانية بعنوان "تركني ومضى وما غاب عني يوم" من شعر جوزيف حرب. وكان مقرراً صدور الأغنيتين في اسطوانة واحدة مع لحني "يا رايح" والأبواب".

 

أنهى رحيل فيلمون هذه التجربة الفريدة في مسيرة فيروز، تجربة رصعها بجواهر من الألحان الشرقية البديعة. ولا ختام أفضل من قول الناقد عصام محفوظ في كتابة "ماذا بقي منهم للتاريخ": "من المؤسف أن يستنتج البعض سيئ النية من نجاح بعض الأغنيات التي لحنها لفيروز آخرون، منافسة للرحباني في ذلك المجال، إنما هم لحنوا لفيروز الرحباني".

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث