بأعشابها المعلّقة مع الأضواء وأكواز الصنوبر وأوراق الغار المنثورة على الطاولة، تستقبل الفنانة بترا سرحال ضيوفها لتعتني بهم على طريقتها الساحرة، حرفيًا.
على طاولة طويلة تتوسّط حديقة غاليري No/Mad Utopia في الجميزة، جمعت الفنانة بترا مَن هم مستعدّون لتسحرهم. يستقبل الغاليري الوافدين بشموع مضاءة. ويوحي مكان العرض بلوحة "العشاء الأخير" لدافنشي. الطاولة الطويلة مغطاة بشرشف أبيض تزيّنه ألوان هادئة رسمتها الفنانة بترا من أعشاب جمعتها بنفسها. وُضِعَت أوانٍ حديدية فيها مياه، ووزِّعت المناشف والمحارم والملاعق الخشبية الصغيرة والقطن والكبايات. هنا تهدئة للروح وبلسم للقلب ولمن يريد إبعاد "العين" وجذب الحب لنفسه أو لغيره أو لتحقيق أمنية.
"سِحِرْ" هو أداء متعدّد الحواس، تستخدم فيه سرحال نباتات عطرية وطبية، أزهارًا، ومواد طبيعية أخرى لتشغيل الحواس الخمسة للحاضرين وأهمّها حاسة الشم. وتروي خلال عرضها قصص نساء اختبرن الحب والفقد والطبيعة والسحر.
ألهمتها جدّتها بهذا العرض حيث كانت علاقتهما وطيدة وهي التي علّمتها التراتيل والتسبيحات و"الرأوة" والوصفات الطبية للعناية بالروح والجسم والفكر وشاركتها الفنانة بترا مع ضيوفها. لم يكن جديدًا على الفنانة المتعددة الوسائط ما فعلته، حيث أنها ممارسات يومية لها للاعتناء بنفسها أو بمن تحب. يقصدها أصدقائها لتلك الوصفات العلاجية للبشرة أو لإبعاد "عين ساحرة" أو شفاء وعكة ما.
لكن حاسة الشم القوية التي تتميز بها الممثلة بترا في فيلم "مشقلب" (2024)، جعلتها تركّز على علم العطور وكيفية استخراجها وتركيبها لسنوات عدّة حتى راكمت معرفتها. وما يجعل علاقة سرحال بحاسة الشم مهمة لها هو ما تبعثه الرائحة في الذاكرة والمشاعر التي تعيد استحضارها والذكريات.
التجربة حسّية في "سِحِرْ" إذ يشم المشاركون المواد التي يضعونها على وجوههم وأيديهم ويتذوقونها. يغمضون عي,نهم ويستمعون للموسيقى. تلفّ الفنانة بترا على ضيوفها بأعشاب "سلقتها" بنفسها وأخرى استخرجت منها شرابًا كماء القصعين والزهورات وغيرها.
أرادت للتجربة أن تعيد الحاضرين إلى حدسهم وشعورهم الداخلي الفطري. من يجلس على طاولة الفنانة بترا يشعر بالحنان والاهتمام و"الكنكنة" ودفء "الجَمْعَة".
شعرت أنها بحاجة لتهتم بالإنسان في وجه العنف العالمي الذي أصبح "عاديًا"، حيث أن الجسد والأرض في حالة عدم استقرار. ويأتي هذا العرض ضمن سلسلة " Gesture of Care" الذي يكتشف فعل الاهتمام كطريقة للبحث والخلق والمشاركة.
الفنانة بترا قصدت ساحرات سويسرا، أثناء إقامتها الفنية هناك. شاركن معها خبراتهن وقصصهن. يعيش بعضهن في الجبال. يجمعن الأعشاب والنباتات من الطبيعة ويستخدمنهن في خلطاتهن للطبابة والمداواة. روت أثناء عرضها تاريخ استبعادهن من المجتمع وإقصائهن. كذلك، قابلت بعض اختصاصيي الأعشاب الذين شاركوا معرفتهم معها.
رغم اندفاعها بحاسة الشم القوية لمثل هذه التجربة، إلا أن ما أضاف إلى حاجتها لتقديم هذا العرض هو فعل الاهتمام بمن نحب وبالآخر وجعله مرئيًا ومسموعًا ومفهومًا والأهم، في حضن دافئ. الخذلان من المحبّين كان أحد الدوافع الذي جعل الفنانة بترا تقوم بالمشروع.
كذلك، القسوة التي رأتها إن على نطاق ضيّق كممارسات البعض من حولها أو على صعيد أوسع كالقتل الذي يحصل في غزة وجنوب لبنان واستشهاد الأرواح. وتخطي الاعتداءات لتطال أشجار الزيوت إذ تم حرق، على الأقل، 50 ألف شجرة زيتون، منها يبلغ عمرها 250 و300 سنة في جنوب لبنان. ففكرت بما تواجه ذلك وتحوّله.
الكوريوغرافير بترا تقدّم عرضًا راقصًا مصغرًا يوحي بالحزن والندب. إذ تروي أثناء عرضها عن الحب وعمق حب النساء لمن يحبون وعن مأساة فقدهن لهم. تتحدّث عن فقد الأرض والروح وما تخلّف ورائها.
(الصور بعدسة المصورة إيلين روسيل)
