يعرض علاء الجبّة، لدى "غاليري مايا آرت سبايس" (شارع عبد الملك، وسط بيروت) ما يقرب من 40 عملاً تشكيلياً، ذات أحجام مختلفة، وموزعة من حيث التقنيات ما بين زيت على قماش (14 عملاً)، وأكريليك (عمل واحد)، وباستيل زيتي وحبر (24 عملاً). هذا، وقد اتخذ المعرض عنوان METAMORPHOSIS – بين الجسد والتحوّل.
هذا المعرض هو الأول للفنان الذي اختار موضوعاً شائكاً، لكنه، كما نعتقد، يتناسب مع الزمن الحديث، الذي يشهد تحوّلات لم تخطر في البال، إذا ما تمت مقاربة حدوثها بمنظور تقليدي وغيبي، يؤمن بأن الأمور لا تتغيّر إلاّ بقدرة قادر. لقد أراد علاء الجبة، من خلال معرضه الفني الأول، "استكشاف كيفية تعايش الأجسام والأشياء والبيئات ضمن شبكات معقدة ومترابطة، مقترحًا مفهومًا ما بعد إنساني للذاتية، يتجاوز حدود الإنسان لينظر إلى المادة والتكنولوجيا والإدراك كقوى مترابطة"، كما يرد في النشرة المخصصة للمعرض.
من أجل هذا الهدف، يحاول الفنان، من خلال أعماله التشكيلية، طرق باب يؤدي إلى قاعة يمتزج فيه الفيزيولوجي مع الروحي والاجتماعي، وحتى ما يتعلق، أيضاً، بالزمن الحاضر والتطوّر التكنولوجي. إن هدفاً من هذا النوع ليس من السهل الوصول إليه، أو بالأحرى مقاربته، إلاّ من خلال تصوّرات معينة استخدم الفنان لتلك الغاية الجسد الإنساني، من خلال اعتباره مكاناً للتحول والحوار العلائقي والتجديد لكونها متأصلة في حيوية العالم المتشابكة، و"مساحة تتضافر فيها المادية والإدراك والقوة وتتكامل. يتحدى المعرض مفهوم الجسد ككيان محدود ومستقل، ويقترح بدلاً من ذلك فهمًا للتجسيد على أنه موزع، ومسامي، ومتجاوب باستمرار"، على ما تفيدنا النشرة المذكورة..
ما من شك أن تمثيل هذا "التحوّل" يشكّل تحدّياً أمام علاء الجبّة. يخطر في بالنا، في هذه المناسبة، الحديث عن "الجسد"، الذي يخترق تاريخ الفلسفة الغربية، وهو الوحيد الذي يُنظر إليه كموضوع متكرر، صريح أو تلميحي، ولكن قبل كل شيء كمفهوم غامض للمعاني المتعددة، ما يجعل منه عقبة أمام التصوّر، وحتى أمام التمثيل. لقد أكد ديكارت بالفعل أنه في بحثه عن "ما هو جسد الرجل"، فوجد "أن كلمة "جسد" هذه ملتبسة للغاية. إن "الجسد" هو في الواقع مفهوم غامض، مفهوم سلبي، مفهوم غير مكتمل يعيق الخطاب النظري لأنه يتجاوز عقلانية المنطق. وكما أوضح الفيلسوف والروائي الفرنسي ميشال هنري (1920- 2002) في كتابه "الفلسفة والفينومينولوجيا (الظاهرتية) للجسد البشري" (1997)، فإن الذاتية الملموسة للذات مرادفة لجسدها، وهو ما يدمج بالطبع مسألة الجسد في مسألة الذاتية، لأنه "إذا كان الجسد ذاتيًا، فإن طبيعته تعتمد على طبيعة الذاتية". وبعبارة أخرى، فإن أي تحليل للوضع التصويري لجسد المرء يفترض وجود "نظرية وجودية للجسد الذاتي" أو للذاتية، والتي هي بالنسبة لميشال هنري الحياة - "حياة في مجال من الوجود المطلق".
من هنا تنبع صعوبة فهم الجسد وجوديًا على أنه وضع معيش ذاتي أصيل متأصل، وتجربة داخلية، و"بنية مصنوعة من قصديات قابلة للتركيب تقريبًا". لأن "جسدنا لا يمكن أن يكون في العالم إلا بشرط أن يكون لا شيء في العالم"، كما يفيد هنري. هذا الشرط الذاتي الأساسي للجسدية هو الذي يسمح لنا بالحفاظ على أن وضع الجسد ليس أبدًا وضع شيء، "لأنه حتى في تمثيلنا، لا يقدم جسدنا نفسه كوجود خالص، بل يكون موضوعًا في علاقة بسيطة من التجاور مع الأشياء المتعالية الأخرى التي تحيط به: الغرفة، الكرسي، إلخ. إنه قليل جدًا في مثل هذه العلاقة من التجاور مع أشياء من هذا النوع، لدرجة أنه يستخدم الكرسي بالفعل، ويذهب إلى خزانة الملابس، ويدير المفتاح، ويترك الغرفة، ولهذا الغرض يفتح الباب". والكلام لهنري أيضاً.
لهذا، ربما، وإذا ما أخذنا نظرية هنري في الاعتبار، نجد أن علاء الجبّة عثر، حدسياً، ومن وجهة نظره، على الطريقة المناسبة من أجل تمثيل فكرة التحوّل، وكأنه شاء، حدسياً أيضاً، عكس ما يتحدث عنه ميشال هنري فلسفياً بلغة ومفردات تشكيلية. لذا، ليس من الصعب ملاحظة الطابع السوريالي للأعمال: وجوه بشرية محوّرة تعلو أجساداً متفككة، أشكال غريبة قد يكون لبعضها صفة حيوانية وقد لا تكون ومحيط غرائبي. مداخل كهذه يمكن اعتبارها كشرط لإمكانية عكس القصدية المُركّبة المختلفة. لا يُشير الجسد الذاتي إلى أي قصدية مُحددة لحياتنا الجسدية؛ بل يُشير إلى الوجود المُشترك لمجمل هذه القصدية، أي الوسط الوجودي الأصلي الذي تنتمي إليه جميعها. هذه النمط من التمثيل مُركّب ضمن الوجود الأصلي لجسدنا المُطلق. من الواضح أن هذه الأطروحة الوجودية للشكل الإنساني تُشير إلى جسدنا الأصلي كأساس وجودي لكل حالة مُمكنة، ولكل قصدية.
وهذا يعني أيضًا، بوجه عام وليس من خلال أعمال المعرض فحسب، أنه لا يُمكن أبدًا تصوّر الجسد كـ"موضوع"، مهما عُرّف هذا الموضوع (موضوع مادي في العالم، موضوع علمي، موضوع ممارسات، موضوع تجريب، موضوع سياسي)، ولا حتى كـ"تمثيل"، أو "حاجة"، أو "نقص"، أو "رغبة"، أو "لاوعي"، أو "محدودية"، أو أي سمة أخرى حاولت من خلالها مُختلف النظريات الفلسفية، والتحليلية النفسية، والأنثروبولوجية، وغيرها، تعريف الوجود الجوهري للجسدية. في الواقع، تعترف هذه النظريات كلّها بأن جسدنا يمكن اعتباره شيئاً متسام. إن هذا الغموض الأساسي للجسدية، الذي نرى بعض ملامحه في أعمال علاء الجبّة، هذا المزيج الغامض بين المادي والروحي، هذا المركب أو الكائن المركب هو أقل ما نفهمه، كما يجادل في هذه المسألة باسكال، العالم الموسوعي والفيلسوف والفيزيائي الفرنسي. وفي الواقع، لا يستطيع الإنسان أن يتصور ماهية الجسد، ولا حتى ماهية العقل، ولا أن أي شيء يمكن تشبيهه بجسد وعقل. هذه هي ذروة صعوباته، ومع ذلك فهي كينونته ذاتها.
