في "بلاد الأنوار" والثقافات والشعراء والحريات والفلاسفة، وفي كوليج دو فرانس، أحد أعرق المعاهد الأكاديمية في باريس، أُلغي مؤتمر كان مقرَّراً بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة"، بعد ضغوط سياسية وإعلامية من جهات يمينية معتمدة على لوبيات صهيونية مؤيدة لإسرائيل.
وأبرز هذه اللبويات، الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية (La Licra)، التي شنّت حملة منظمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الفرنسية، مستهدفة المؤتمر وضيوفَه البارزين، ومحاولة وصمهم بأنشطتهم الأكاديمية بأنها "معادية لإسرائيل" و"منحازة للفلسطينيين". وفاقمت حدة الأمر تغريدة في منصة "إكس"، أيّد فيها فيليب باتيست، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قرار المعهد الجامعي المرموق، واصفاً إياه بأنه "قرار مسؤول". تغريدة الوزير أعطت شرعية سياسية للقرار، ما أضاف بُعداً جديداً للجدل: فبدلاً من حماية النقاش الأكاديمي وتسهيله، يبدو أن أعلى سلطة تعليمية في فرنسا حرّضت على تقييد النقاش إلى درجة أن باتيست اعترف، في إطار ترحيبه بقرار "كوليج دو فرانس"، بأنه كان على تواصل دائم مع مدير المعهد توماس رومر. وبينما يمارس وزير التربية الضغط على مدير كلية فرنسا لإلغاء الندوة حول فلسطين وأوروبا، يستضيف مجلس الشيوخ الفرنسي ندوة ممولة من إسرائيل.
وقرار إلغاء ندوة "أوروبا وفلسطين"، اعتبرته الأوساط الأكاديمية "طعنة في حرية البحث والفكر"، وتراجعًا خطيرًا أمام الترهيب السياسي والإعلامي. وكان من المفترض أن يُعقد المؤتمر في مقرّ المعهد بباريس يومي 13 و14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بمشاركة رئيس قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي في "كوليج دو فرانس"، البروفيسور هنري لورنس صاحب الباع في الكتابات عن المشرق العربي، إلى جانب فرانسوا بورغا المستشرق المتخصص في الدراسات الإسلامية، ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، والمقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، ورئيس تحرير موقع "أوريان 21" آلان غريش، فيرونيك بونتان ومزنة شهابي، بالإضافة إلى رئيس المركز العربي الدكتور عزمي بشارة.
وذكرت معلومات صحافية إن المنظمين يدرسون حاليًا نقل جلسات "السيمنار العلمي" إلى مكان آخر في العاصمة الفرنسية.
وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس، وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس، بيان مشترك ردًا على قرار إدارة الكوليج دو فرانس إلغاء مؤتمر "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"، المقرر عقده يومي 13 و14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري. وأشار البيان إلى أن الإلغاء جاء إثر مقال نُشر في صحيفة "لو بوان" بتاريخ 7 تشرين الثاني/نوفمبر، وضغوط مباشرة من وزير التعليم العالي والبحث العلمي فيليب باتيست، بحجة "ضمان العلمية"، في تدخل سياسي يتناقض مع مهمة الوزارة الأساسية في حماية الحرية الأكاديمية.
وأكد البيان أن المؤتمر أُعدّ وفق أعلى المعايير العلمية، وشارك فيه باحثون من جامعات مرموقة مثل المدرسة الفيدرالية البوليتكنيكية في لوزان، وجامعة أمستردام، والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO)، وجامعة لندن (SOAS)، مع تنوّع منهجي وتخصصي واسع. وأوضح أن اتهام هؤلاء الباحثين بمعاداة السامية أو النشاط السياسي، هو اتهام باطل يهدف إلى تقويض مصداقية أعمال علمية محكّمة. وحذّر البيان من أن رضوخ الإدارة لضغوط الوزير يهدّد استقلالية "الكوليج دو فرانس"، ويخلق سابقة خطيرة تسمح لمقال جدلي أو تغريدة وزارية واحدة بفرض رقابة على أي ندوة "حساسة". وأضاف البيان أن الندوة كانت تهدف إلى دراسة موقع القضية الفلسطينية ضمن الديناميات الأوروبية المعاصرة، مشددًا على أن القرار يمس الحرية الأكاديمية وسمعة الكوليج على حد سواء.
وكانت مجلة "لو بوان" (Le Point) اليمينية قد لعبت دورًا محوريًا في إطلاق حملة التحريض الإعلامي ضد المؤتمر قبل أيام من انعقاده، عبر سلسلة مقالات وتقارير نشرتها نهاية الأسبوع الماضي، وصفت فيها الفعالية بأنها "منحازة للفلسطينيين" و"معادية للصهيونية"، واعتبرت أن مشاركة شخصيات دولية بارزة مثل جوزيب بوريل ودومينيك دو فيلبان وفرانسيسكا ألبانيزي "تضفي شرعية على خطاب معادٍ لإسرائيل"، وفق ادعائها. ولم تكتف المجلة بذلك، بل استعادت سرديات قديمة تهاجم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في محاولة لتشويه سمعته الأكاديمية والتشكيك في استقلاليته البحثية. ويرى مراقبون أن هذا النمط من الهجمات الإعلامية يعكس التحالف القائم بين بعض المنابر اليمينية الفرنسية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي تعمل على تقييد النقاشات الفكرية حول القضية الفلسطينية داخل الجامعات الفرنسية، وتجريم أي مقاربة تنتقد السياسات الإسرائيلية أو تدافع عن حقوق الفلسطينيين.
بيان متناقض من إدارة "كوليج دو فرانس"
وأصدر مدير المعهد توماس رومر، بيانًا مطولًا زعم فيه أن "كوليج دو فرانس" يلتزم "الحياد إزاء القضايا السياسية والأيديولوجية"، مؤكدًا حرصه على "حرية التفكير والتعبير"، لكنه أنهى البيان بإعلان إلغاء المؤتمر بذريعة الحفاظ على الأمن العام وسلامة العاملين والحضور. وأنه "لا يدعم ولا يشجع، ولا يبرر أي نوع من الأنشطة المروجة للعمل المسلح أو القتالي".
يشكل إلغاء مؤتمر "فلسطين وأوروبا" في "كوليج دو فرانس" إنذارًا صارخًا بشأن أحوال الحرية الممسوخة في بلاد الأنوار والحضارة الفكرية، إذ يكشف كيف يمكن للضغوط السياسية والإعلامية المنظمة أن تقوض استقلالية الجامعات وتؤثر في محتوى النقاش العلمي. ويذكّر إلغاء المؤتمر بسلوك الأنظمة الاستبدادية والأمنية، ربما مثل لبنان في زمن النظام السوري، ويعكس هذا القرار أن الباحثين والأكاديميين أصبحوا عرضة للتدخل المباشر من السلطات واللوبيات، ما يحدّ من قدرتهم على معالجة القضايا الحساسة بحرية، ويثير تساؤلات حول مدى التزام المؤسسات التعليمية العليا الفرنسية بحماية حق البحث العلمي والنقاش المفتوح.
